في غضون شهر مارس الماضي، توجه عدد من شباب قرية السيالة والمحرقة النوبية إلى جهاز تنمية بحيرة ناصر، طالبين تصريحًا للزراعة على شاطئها. لكن طُلب منهم العودة في أغسطس أو مطلع سبتمبر، حين يُعاد فتح التقديم. عاد الشباب بالفعل بعد خمسة أشهر، في نهاية أغسطس. يقول أحدهم لـ«مدى مصر»، طالبًا عدم ذكر اسمه، إن مسؤولًا في الجهاز أبلغهم بعدم وجود تصاريح، رغم وجود مزارعين آخرين في المنطقة، واقترح عليهم الذهاب إلى مكتب «حرس الحدود»، وهو ما حدث بالفعل لكنهم انتظروا نحو ثلاث ساعات من دون مقابلة المسؤول المطلوب، بينما شاهدوا، وفقًا للمصدر، آخرين يدخلون ويخرجون بتصاريح لأنشطة مختلفة. «قعدنا تلات ساعات لحد ما المكان فضي علينا»، يقول. بعد أيام، دعا شباب القرية في فيديو إلى مؤتمر أطلقوا عليه «المؤتمر النوبي الشعبي: التعمير والتنمير ببلاد النوبة القديمة»، يطالب بتنفيذ المادة 236 من دستور 2014 الخاصة بحق العودة، وبحث قضيتهم ومشاركتهم في تنمية البحيرة. «قبل الفيديو ما حدش كان بيعبرنا»، يقول المصدر، والذي شارك في تنظيم المؤتمر. بعده بدأت اتصالات من مسؤولين ونواب ووسطاء، وعُرض عليهم بئران للزراعة وفرص في الصيد، فيما جرى الحديث عن ترتيب مقابلات مع مسؤولين وأجهزة أمنية. يقول أحد منظمي المؤتمر إنهم تلقوا أيضًا تهديدات من أشخاص خلال التحضير له، بالتزامن مع ضغوط لتأجيله أو إلغائه، لكنه امتنع عن تحديد أصحاب التهديدات. لا يرفض الشباب التفاوض، بحسب المصدر. «إحنا ممكن نتفاوض وما نلغيش المؤتمر أو نأجله». وحين أُبلغوا بإمكانية لقاء مسؤولين من جهاز «مستقبل مصر» بعد موعد المؤتمر بأيام، شرط تأجيل موعد المؤتمر، أجابوا بأنهم أعطوا «كلمة للشارع النوبي». سيدات يحملن أطفالهن ومتاع عائلاتهن، بعد تهجيرهن من إحدى قراهن في النوبة، في أثناء حملات التهجير المتكررة منذ بدايات القرن العشرين. المصدر: صفحة الإتحاد النوبي المصري بفرنسا على «فيسبوك». الحراك الأخير جاء بعد جمود شهدته المسألة النوبية، والتي تعود جذورها إلى بدايات القرن العشرين، مع بناء خزان أسوان عام 1902 وتعليتيه في 1912 و1933، وما صاحبها من غرق أراضٍ وقرى ونزوح للسكان، قبل التهجير الأشمل مع بناء السد العالي بين 1963 و1964، حين نُقل سكان 44 قرية من النوبة القديمة إلى منطقة نصر النوبة شمالي أسوان. وظل مطلب العودة إلى ضفاف البحيرة حاضرًا خلال العقود التالية، إلى أن أصبح التزامًا دستوريًا عام 2014، بالنص في المادة 236 على إعادة سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، ومشاركة أهلها في مشروعات التنمية وأولوية استفادتهم منها. نص المادة 236 في دستور 2014، المصدر: موقع رصيف 22. وفي 2014، اعترف الدستور الجديد وقتها بالحقوق النوبية، ونصت المادة 236 منه على تنمية المناطق الحدودية والمحرومة بمشاركة سكانها وأولوية استفادتهم، وعلى وضع وتنفيذ مشروعات لإعادة سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات. وعلى الرغم من الاحتفاء بالضمانة الدستورية، إلا أن الملف لم يشهد تحركًا عمليًا. بعد إقرار الدستور، شكلت وزارة العدالة الانتقالية في 2014 لجنة لإعداد مشروع قانون لتنمية النوبة وإعادة توطين أهلها، بمشاركة ممثلين نوبيين وجهات حكومية وأمنية، لكن مشروع القانون لم يتحول إلى تشريع نافذ. في المقابل، شهدت تلك الفترة صدور قرارين جمهوريين تسببا في إنهاء حالة الاحتفاء وإطلاق الحراك النوبي. القرار الأول، القرار 444، الصادر في 2014، خصص مساحات من المناطق المتاخمة للحدود كمناطق لا يجوز للمدنيين الإقامة فيها، وشمل، 16 قرية من قرى العودة النوبية، ما دفع نشطاء ومحامين نوبيين للطعن عليه باعتباره متعارضًا مع الضمانة الدستورية. بعدها بعامين، أصدر السيسي القرار رقم 355 لسنة 2016 بتخصيص 922 فدانًا لمشروع توشكى الجديدة، والذي شمل الأراضي النوبية بقرية فورقندي. منع قافلة العودة النوبية من الوصول إلى توشكى عام 2016، المصدر: موقع مصراوي بعدها، وفي نوفمبر 2016، منعت قوات الأمن «قافلة العودة» النوبية من الوصول إلى توشكى وفورقندي. وانقلب المنع إلى اعتصام على طريق أسوان/أبو سمبل استمر أيامًا، قبل تعليقه بعد وساطات وترتيب لقاءات مع رئيسي الحكومة ومجلس النواب وقتها. وفي سبتمبر 2017، ألقت قوات الأمن القبض على 25 مشاركًا في الفعالية المعروفة بـ«مسيرة الدفوف»، التي جددت المطالبة بحق العودة الوارد في المادة 236. وبعد نحو شهرين، توفي الناشط النوبي، جمال سرور، أحد المحبوسين في القضية، إثر نوبة سكر بعد ساعات من انضمامه إلى إضراب عن الطعام بدأه 12 من زملائه في معسكر الشلال التابع للأمن المركزي، وظهرت آنذاك روايات مختلفة حول توقيت وفاته، وما إذا كانت حدثت قد داخل معسكر الاحتجاز قبل نقله إلى المستشفى، أو بعد وصوله إليها. وتجمد الحراك النوبي إلى حد كبير منذ ذلك الحين. لكن هذا الجمود انتهى قبل أسبوعين، بعدما أعاد شباب، بعضهم في مقتبل العشرينات، ملف العودة إلى الواجهة من مدخل أصغر بكثير: تصريح لزراعة شاطئ البحيرة. اجتماع النائب ياسين عبد الصبور، عضو مجلس الشيوخ، الذي ضم نوابًا ومسؤولين وقيادات من جمعية السيالة والمحرقة والاتحاد النوبي، دون حضور منظمي «المؤتمر النوبي الشعبي» المصدر: حساب النائب على «فيسبوك». اجتماع النائب ياسين عبد الصبور، عضو مجلس الشيوخ، الذي ضم نوابًا ومسؤولين وقيادات من جمعية السيالة والمحرقة والاتحاد النوبي، دون حضور منظمي «المؤتمر النوبي الشعبي» المصدر: حساب النائب على الفيسبوك. خلال الأيام التالية للفيديو، تحرك النائب ياسين عبد الصبور، عضو مجلس الشيوخ، معلنًا تواصله مع مسؤولي «مستقبل مصر» وتنمية بحيرة السد العالي، ثم نشر نتائج اجتماع ضم نوابًا ومسؤولين وقيادات من جمعية السيالة والمحرقة والاتحاد النوبي. شملت النتائج منح الجمعية بئرين مع «بحث رفع كفاءتهما»، وفرصًا في الاستزراع السمكي والسياحة والتعدين والاستثمار والسكن. لكن منظمي المؤتمر لم يحضروا الاجتماع. كانوا قد سلموا النواب مطالبهم وطلبوا منهم نقلها، بعدما قرروا، بحسب أحدهم، عدم حضور اجتماعات قبل المؤتمر خشية تشتيت الحراك، مع التأكيد على ألا يقدم شخص أو جمعية بوصفهما ممثلين عنهم. «دي مطالبنا، وإنتوا النواب بتوعنا، وصلوها»، يقول المصدر. هنا ظهر خلاف حول من يتحدث باسم الحراك. قدم عبد الصبور الاجتماعات باعتبارها انتقالًا «من المطالب إلى الحلول»، فيما رأى المنظمون أن البئرين وفرص الاستثمار تعالج مطالب جزئية، ولا تجيب عن السؤال الذي صار المؤتمر يتجه إليه، قضية العودة والتنمية الواردة في الدستور. قبل انعقاد المؤتمر، يقول المنظمون إن قيادات نوبية محلية أغلقت مقر جمعية السيالة والمحرقة لمنع استخدامه في الفعالية. لذلك أُقيم المؤتمر في الشارع. في 10 سبتمبر، انعقد المؤتمر. وبحلول نهايته، كان سقفه قد ابتعد كثيرًا عن زراعة شاطئية. طالب بيانه بتشكيل لجنة من الشباب والمتخصصين وممثلي القرى والهيئات النوبية، وحوار حول المادة 236، ولقاءات مع ممثلي وزارة الدفاع والمخابرات العامة والعسكرية و«مستقبل مصر» والوزارات المعنية، وزيارات لمناطق النوبة القديمة لتحديد مواقع التعمير، إلى جانب مشروعات زراعية وسمكية وتعدينية وصناعية وسياحية وإقامة قرى جديدة. بالنسبة إلى المنظمين، لا تعني الأولوية إقصاء الموجودين. «أنا مش بقول طلّع الناس اللي هناك. لأ، أنا عايز أشارك، وليا أولوية»، يقول أحدهم، موضحًا أن المشاركة تشمل الصيد والزراعة والتعدين والسياحة، ولكن ضمن عودة إلى منطقة يمكن العيش فيها، لا مجرد بيت أو قطعة أرض. «مش إنك تقول لي خد أرض وروح اقعد عليها في العراء»، يقول المنظم، مستعيدًا تجربة وادي كركر، الذي أُنشئت فيه مساكن لتعويض النوبيين غير المقيمين وقت حصر المهجرين في الستينيات، لكن المشروع واجه انتقادات لابتعاده عن البحيرة وعدم اقتران المساكن بأراضٍ زراعية ومشروعات توفر موردًا للعيش، وقافلة العودة لاحقًا: «ما ترمينيش في مكان وتقول لي أهو رجعتك. اعمل لي مشروع أعيش عليه». بعد المؤتمر، بدأ المنظمون تأسيس «ائتلاف التنمية والتعمير ببلاد النوبة القديمة»، على أن يضم شبابًا وأصحاب خبرات. وسرعان ما ظهر خلاف جديد على التمثيل، بعدما جرى تداول دعوة لمؤتمر في قرية دابود. أصدرت القرية بيانًا نفت فيه أنها بصدد تنظيم مؤتمر، وأعلنت دعمها لمخرجات مؤتمر «السيالة» ورفضها «أي مسارات موازية» من شأنها تشتيت الجهود. وبينما كان الحراك يحاول تنظيم نفسه، نُشر، بعد المؤتمر بثلاثة أيام، في 13 سيتمبر، خبر قرار جديد لتعويض 94 من الذين لم يسبق تعويضهم من متضرري بناء وتعليات خزان أسوان وإنشاء السد العالي، أو ورثتهم، غير أن القرار نفسه، رقم 2687 لسنة 2026، كان قد صدر ونُشر في الجريدة الرسمية في 7 سبتمبر، قبل المؤتمر بثلاثة أيام، وشمل تمليك أراضٍ ووحدات سكنية وصرف تعويضات نقدية. وكانت مواقف نوبية سابقة قد فصلت بين ملف التعويض عن الأضرار التاريخية وبين الاستحقاق الخاص بالعودة في المادة 236. ففي 2019، قالت لجنة المتابعة النوبية بالإسكندرية إن تعويض الذين لم يسبق تعويضهم عن بناء وتعليات خزان أسوان وإنشاء السد العالي لا يتعلق بتنفيذ الاستحقاق الخاص بالعودة في المادة الدستورية. ويفصل المحامي النوبي، عضو الحزب الناصري في أسوان، حسن محمد حسن، بين المسارين أيضًا؛ التعويض، كما يقول، عن خسارة بيت أو أرض حدثت بفعل الخزان والسد العالي، بينما العودة تعني إعادة توطين وتنمية بلاد النوبة القديمة. لذلك لا يرى استلام التعويض مسقطًا لحق العودة. أما الائتلاف، فصاغ موقفه، في بيان لاحق، معتبرًا التعويض «خطوة في طريق الإنصاف»، لكنه ليس جوهر القضية. بالنسبة إلى شباب السيالة، كما يوضح المصدر، أصبحت الخطوة التالية تثبيت جسم تفاوضي لا يتحدث أحد باسمه من دون تفويض، بعدما أظهرت الأيام السابقة للمؤتمر وما تلاها تنازعًا على تمثيل الحراك، إلى جانب فتح حوار حول المادة 236 ووضع جدول زمني للتنفيذ. «إحنا مش بنقول هاتوا كل المطالب مرة واحدة»، يقول أحد المنظمين. «لو جبتوا لنا شبر واحد، ماشي، بس قولوا لنا إمتى هيتسلم وإزاي». هكذا أعاد طلب للزراعة على ضفاف البحيرة فتح سؤال لم يُحسم منذ أكثر من عقد، ليس فقط من يزرع ويستثمر في بلاد النوبة القديمة، وإنما من يشارك في تقرير مستقبلها، وماذا بقي من وعد دستوري بالعودة بعد انتهاء مهلة تنفيذه، وبعد نحو تسع سنوات على آخر محاولة للمطالبة بحقوق النوبيين.The post الزراعة على ضفاف «ناصر» تفتح ملف عودة النوبيين مجددًا first appeared on Mada Masr.