في الثانية من ظهر السبت الماضي، دخلت مدرعتان وسيارتا شرطة «بوكس» وسيارتا ربع نقل قرية الري بالرش، في مركز إدفو شمال أسوان، ضمن حملة استهدفت منزل عبد الله الحجيري، بحسب أحمد البجا، مزارع من أهالي القرية، تحدث إلى «مدى مصر». يتهم البجا الحجيري بإطلاق النار بصورة متكررة، وسرقة السيارات والدراجات النارية والتكاتك بالإكراه من أهالي القرية والعاملين في التنقيب الأهلي عن الذهب «الدهابة»، كما يقول إن الحجيري كان بين المتهمين بقتل أحد أبناء القرية قبل نحو عامين. استمر تبادل إطلاق النار نحو ساعتين ونصف، يقول البجا إن الحجيري خاض معظمه منفردًا، قبل أن يقفز من سطح منزله إلى منزل جاره، الذي خسر «جاموسته، مصدر رزقه» بعد إصابتها برصاصة. بحسب البجا، أصيب في الاشتباك معاون أول مباحث مركز إدفو، محمد زيدان، الذي انتقل إلى المركز حديثًا، كما أصيب أحد المجندين. وأكدت الأخبار المتداولة عن الحدث إصابة زيدان، دون أن تشير إلى إصابة المجند أو دوافع المداهمة. مع ذلك، تمكن الحجيري من الهروب من القرية، فيما داهمت القوة منزل شخص آخر وصفه البجا بأنه تاجر مخدرات، وقتلته قبل انسحابها. وفي اليوم التالي، عاد الحجيري إلى القرية، «ولا كأن حاجة حصلت»، يقول البجا. يمكن قراءة الواقعة كخبر جديد يُضاف إلى قائمة أخبار حوادث العنف الجنائي المتكررة في قرى الصعيد. لكن القرية التي يتذكرها شاذلي، أحد مزارعيها، باعتبارها «أشهر قرية تزرع طماطم على مستوى المحافظة»، تفتح بابًا لسؤال أوسع: كيف تحولت قرية أنشئت قبل نحو ستة عقود ضمن مشروع للاستصلاح الزراعي إلى مكان صار اسمه مقترنًا في محيطه بالمخدرات والسلاح؟ بين قرية الطماطم والقرية التي تحتاج الشرطة إلى مدرعات لدخولها، تغيرت الأرض والمياه والعمل وحركة الناس، مع صعود اقتصادات الذهب والمخدرات والسلاح، قبل أن يصبح العنف نفسه قوة تعيد تشكيل الحياة بها. بداية الطريق الذي يربط الصحراء بقرية الري بالرش، شمال أسوان، سبتمبر 2025. تصوير «مدى مصر» خلال زيارتين إلى القرية قام بهما «مدى مصر» في عامي 2024 و2025، أشار الأهالي إلى منافذ على الطريق الرئيسي قالوا إنها تستخدم لبيع المخدرات. وفي الزيارة الثانية، بدا عددها أكبر بوضوح، رغم هدم الداخلية لبعضها، وتظهر آثار الهدم في أنقاض غرف وسط الأراضي الزراعية المحيطة بالطريق. في الزيارة الأولى، ظهر السلاح قبل أن تبدأ المقابلات. فبمجرد أن انعطفت السيارة داخل وادي الرديسية باتجاه القرية، لحقتها دراجة نارية يستقلها مسلحان، كانا قد عرفا بالزيارة على ما يبدو مع تجمع الأهالي في منزل المضيف. وعند دخول الصحفي المنزل، أطلق المسلحان عدة أعيرة نارية في الهواء. وفي الزيارة الثانية، أوقف مسلح الصحفي أثناء التصوير في شوارع القرية، قبل أن يتمكن الصحفي من الانسحاب بمساعدة الأهالي. خلال التجول في المرتين، شاهد صحفي «مدى مصر» مسلحين يحملون بنادق آلية أثناء التبضع من محلات القرية، وسيارات تسير بلا لوحات معدنية، بعضها مثّبت عليه سلاح آلي ثقيل، أو يستقلها مسلحون. كما مر أطفال وصبية على دراجات نارية يحمل بعضهم أسلحة، فيما انتشرت فوارغ الطلقات على الأرض حتى إن الأطفال كانوا يجمعونها للهو بها. طلقة حية عثر عليها أطفال القرية في شوارع قرية الري بالرش، شمال أسوان، سبتمبر 2024. تصوير «مدى مصر» بالنسبة إلى شاذلي، لم تعد هذه المشاهد حوادث منفصلة، بل أصبحت الضابط لإيقاع الحياة اليومية في القرية. فمع حلول العصر، تبدأ الحركة حول منافذ بيع المخدرات، فيما تتراجع حركة بقية السكان. تغلق البيوت أبوابها، وتقل حركة النساء والأطفال، ويصبح الانتقال خارج القرية أصعب. «العيال بقت تقوم في الليل مفزوعة»، يقول شاذلي متحدثًا عن إطلاق النار، مقدرًا أن عددًا كبيرًا من أطفال القرية يعانون التبول اللاإرادي. وأضاف أنه أصبح يرفع صوت التلفزيون ليلًا «عشان العيال يعرفوا يناموا»، مشيرًا إلى أن إطلاق النار وصل في إحدى المرات إلى المدرسة الابتدائية الوحيدة، خلال ساعات اليوم الدراسي. تتذكر إحدى أكبر نساء القرية سنًا، طلبت عدم ذكر اسمها، حياة مختلفة في قريتها، «كنا نخرج مع رجالتنا للزرع، الراجل يشتغل في الأرض، والست تعمل حصيرة ولا طبق بالخوص، والعيال بتلعب حواليهم». الآن، تقول إنها أصبحت تخشى حتى الوصول إلى مكان الوضوء في فناء منزلها ليلًا، بسبب الرصاص المتساقط على أسطح البيوت، «أطباق الدش وخزانات المياه في البلد كلها مضروبة بالرصاص». أما النساء الأصغر سنًا، فتقول بعضهن إن حركتهن أصبحت تقتصر في أحيان كثيرة على الذهاب بأنفسهن إلى محل البقالة بدلًا من إرسال أطفالهن، خوفًا عليهم من السيارات المسرعة التي يستخدمها تجار السلاح والمخدرات، وتحول شوارع القرية إلى مسرح لمطاردات متبادلة وإطلاق نار بينهم أحيانًا. تقلصت كذلك زيارات النساء إلى القرى المجاورة، التي يقيم بها أقارب كثير منهن، إلى ساعات محدودة من النهار. «الواحدة دلوقتي لو اتأخرت عند ناسها في البلد اللي جنبها لبعد العصر، جوزها يقولها باتي عندك»، تقول إحداهن. اتفقت النساء اللاتي التقى بهن «مدى مصر» على خوف واحد يتكرر بصيغ مختلفة: أن يكبر أبناؤهن في القرية على الصورة التي يرونها حولهم، فيدمنوا المخدرات، أو يدخلوا دوائر العنف والسلاح، أو يصبحوا ضحايا لها. خوف تعرفه أم صابر بالفعل. ففي مارس 2024، قُتل ابنها أمامها بثلاث طلقات، بعدما اعترض على إطلاق الرصاص أمام منزله، بحسب روايتها لـ«مدى مصر». أنشئت «الري بالرش» عام 1968 ضمن مشروع للاستصلاح الزراعي نفذته شركة الوجه القبلي للزراعة في وادي الرديسية. يبدأ الوادي عند قريتي الطوناب والحصايا بالقرب من النيل، ثم يتعمق شرقًا داخل الصحراء، مارًا بقرى البصالي وزقلونة والرئيسية والري بالرش وأم سلمة، قبل أن يقترب من النيل مرة أخرى عند العدوة. تقع «الري بالرش» تقريبًا في منتصف هذا الامتداد، عند إحدى أبعد نقاطه عن مصدر المياه، محاطة بالصحراء من كل الجهات. لكي تُزرع أراضي القرية، تقطعُ مياه النيل رحلة طويلة عبر محطات رفع وترع قبل أن تصل إليها. بحسب موظف في الإدارة الزراعية تحدث إلى «مدى مصر»، طالبًا عدم ذكر اسمه، كانت شركة الوجه القبلي تزرع نحو 300 فدان فقط من أصل قرابة 1500 فدان في زمام القرية. وعندما قررت الشركة تصفية نشاطها عام 1990، وزعت الأراضي على موظفيها، بشرط الاستقالة وعدم التقدم لاحقًا إلى وظائف حكومية، مقابل 1600 جنيه للفدان، تُسدد على 30 عامًا بفائدة سنوية 3%. أصبح الموظفون ملاكًا لأرض يفترض أن يعيشوا من زراعتها ويسددوا أقساطها، فحاولوا استغلال كامل المساحات التي تسلموها. لكن المياه التي كانت تكفي الشركة عندما كانت تزرع خُمس الزمام تقريبًا، لم تعد تكفي بعدما حاول الملاك الجدد زراعة كامل الأرض. «الشركة سلمت الأراضي على أساس إن مخصص لها مياه، والحقيقة المزارع استلم تلت أرضه من غير مخصصات»، يقول موظف الإدارة الزراعية. لم تكن المشكلة في الكمية وحدها. فالمشروع مصنّف باعتباره مشروعًا للري بالرش، ومنه اكتسبت القرية اسمها، لكن المصدر يقول إن الشركة نفسها كانت تعتمد على الغمر في الزراعة. وبعد توزيع الأراضي، أصبح التصنيف الرسمي نفسه حجة في مواجهة مطالب الأهالي بزيادة حصة المياه، «بيقولوا دي المفروض بتروي بالرش»، يقول المصدر. ولأن جمعية زراعية خاصة بالقرية لتنظيم توزيع المياه بين المزارعين لم تتأسس، فجّرت ندرة المياه خلافات بين المزارعين حول أولوية الري، بحسب المصدر. تحتاج الأرض، طبقًا له، إلى المياه كل خمسة إلى ثمانية أيام تقريبًا، لكن دورة الري في القرية أصبحت تمتد إلى 12 أو 18 يومًا، فيما لا تصل المياه إلى بعض الحقول. قدّر المصدر أن نحو 80% من أراضي القرية أصبحت بورًا بحلول 2024. لم يتمكن «مدى مصر» من التحقق بصورة مستقلة من النسبة، لكنها تتطابق مع شهادات المزارعين عن تقلص واسع للمساحات المزروعة. تفاقمت الأزمة مع تهالك البنية التحتية للري. قال مدير محطة الري بالرش، عبده النوبي، لـ«مدى مصر» إن محطة القرية لم تشهد تجديدًا شاملًا منذ إنشاء المشروع تقريبًا، وإن محطة أخرى على مسار رفع المياه من النيل لم تجدد منذ 1996، فيما لم يُطهر حوض التجميع، طبقًا له، منذ 1986. أما بعض الطلمبات، فيقول النوبي إنها تعمل بنحو 10% من قدرتها، فيما تحتاج ترعة وادي الرديسية نفسها إلى التبطين وضبط الميل، حتى لا تتشتت المياه إذا زادت الكمية المرفوعة إليها. لم تكن المياه وحدها أزمة الأهالي. بحسب موظف في الوحدة المحلية تحدث إلى «مدى مصر»، لا توجد في القرية وحدة صحية أو مكتب بريد أو مركز شباب. ويضطر الأهالي إلى قطع نحو 15 كيلومترًا للوصول إلى مستشفى إدفو، يمر أكثر من نصفها، بحسبه، عبر طرق غير ممهدة. يقول الموظف إن الأراضي التي كانت مخصصة للخدمات العامة في الوادي بيعت خلال سنوات سابقة، بعد تصفية أصول شركة الوجه القبلي، مضيفًا أن الأرض التي كانت مخصصة للجمعية الزراعية آلت إلى شخص وصفه أهالي القرية بأنه تاجر مخدرات، حسب قوله. وكانت الرديسية، القرية الرئيسية لمشروع الاستصلاح، قد دخلت ضمن مبادرة «حياة كريمة»، بعدما أُدرجت سابقًا ضمن أفقر مئة قرية في مصر. وفي المقابل، يرى أهالٍ في «الري بالرش» أن قريتهم أسوأ حالًا من حيث الخدمات، ويعتقدون أن الوضع الأمني كان أحد أسباب عدم شمولها بالمبادرة. حتى مسجد القرية أُغلق في 2021، ولا يزال مغلقًا، بعدما أصبح المبنى مهددًا بالانهيار، بحسب الأهالي، الذين أقاموا خيمة للصلاة على نفقتهم. هذا إلى جانب غياب مواصلات عامة مخصصة للقرية. يقول صابر، سائق من القرية، إن سيارتي ربع نقل غير مجهزتين أصلًا لنقل الركاب كانتا تنقلان الأهالي خلال النهار، فيما يعتمد السكان بقية الوقت على مصادفة سيارة نقل أو جرار زراعي. ومع حلول العصر، لا تصبح المشكلة مجرد نقص في وسائل النقل، بل الخوف من الطريق نفسه. مع تراجع الزراعة، يقول شاذلي إن تجار مخدرات بدأوا يشترون أراضٍ بالقرية، ويقيمون على جزء منها منافذ لنشاطهم، فيما يتركون بقية المساحة بورًا. طبقًا له، انهارت أسعار الأراضي. فأرضه التي كان سعرها يقدر بنحو 400 ألف جنيه، أصبحت لا تساوي نصف هذا المبلغ بعدما أُنشئ منفذٌ لبيع المخدرات بجوارها. ومع ذلك، رفض عرضًا لبيعها إلى شخص وصفه بأنه تاجر مخدرات آخر، «عشان أبعد عن جيراني الأذية». يقول موظف الإدارة الزراعية إن النباتات الشيطانية الكثيفة «الهيش» تنمو في الأراضي المتروكة، بما يسمح للتجار والمتعاطين بالاختباء فيها، وإن الجمعيات الزراعية تستطيع نظريًا إلزام المالك بتنظيف أرضه، لكن بعض الموظفين في الجمعيات الزراعية بالقرى المجاورة يخشون الدخول في مواجهات مع أصحابها. يتكرر الخوف في رواية موظف الوحدة المحلية، الذي قال إن موظفين حكوميين، من بينهم عاملون في الكهرباء، يترددون في الذهاب إلى القرية وتحرير مخالفات لاستخدام الأراضي في إقامة منافذ لبيع المخدرات، أو إقامة طواحين تكسير ومعالجة الصخور التي تحتوي على خام الذهب، والتي انتشرت في القرية خلال العقد الماضي. خلال سنوات ما بعد ثورة يناير، اتسع التنقيب الأهلي عن الذهب في الصحراء الشرقية، وأصبحت إدفو واحدة من أهم نقاط انطلاق المنقبين «الدهابة» إلى الجبل، فيما انتشرت في المدينة والقرى المحيطة طواحين تكسير ومعالجة أحجار الكوارتز المستخرجة من مواقع التنقيب. تقع «الري بالرش» بالقرب من عدة مسارات تؤدي إلى جبال إدفو، فيما تعد قرية العدوة المجاورة، بحسب شهادات أهالٍ جمعها «مدى مصر» في تحقيق نشره عام 2023، من أولى قرى المنطقة التي دخل أبناؤها نشاط التنقيب. في «الري بالرش»، تقاطع اقتصاد الذهب مع الزراعة نفسها. يقول النوبي إن العاملين في محطة الري لاحظوا، مع انتشار طواحين معالجة الذهب، ضعف التيار الكهربائي الواصل إلى المحطة، «من ساعة ما اشتغلت الطواحين الكهربا بقت تضعف». كما ربط صاحب طاحونة في القرية بين توسع التنقيب وانتشار السلاح، قائلًا إن التسلح زاد مع تصاعد الصراع على مواقع الذهب منذ نحو 2018. «أنا مضطر أجيب سلاح وذخيرة عشان أحمي نفسي»، يقول. لكن السلاح سبق طفرة الذهب في الـ«ري بالرش»، إذ تشير شهادات الأهالي والأرشيف الصحفي إلى انتشار تجارة السلاح والمخدرات، ومعها اندلعت الخلافات المسلحة في القرية، قبل اتساع التنقيب خلال السنوات الأخيرة. في المقابل، أدخل نشاط البحث عن الذهب إلى المنطقة سيارات وخامات ومعدات مرتفعة القيمة، وتزايدت معه الحاجة إلى الحماية المسلحة. ويظهر تداخل النشاطين في الحملة الأخيرة نفسها. فبحسب البجا، لا تقتصر الاتهامات الموجهة إلى الحجيري على سرقة مركبات أهالي القرية، وإنما تشمل أيضًا المركبات التي يستخدمها «الدهابة». يؤرخ مصدر أمني سابق في مركز شرطة إدفو اتساع تجارة المخدرات والسلاح في وادي الرديسية، الذي تتوسطه قرية «الري بالرش»، إلى السنوات التي أعقبت ثورة يناير، مستشهدًا بواقعة خطف عمدة قرية الطوناب في أبريل 2011، بعد صدام ارتبط بإنشاء منفذ لبيع المخدرات في «الطوناب»، ولم يظهر العمدة منذ ذلك الوقت. خلال السنوات التالية، أخذ اسم وادي الرديسية يظهر في مواجهات مع «الداخلية» بعدة قرى، إلا أن «الري بالرش» ظهرت بصورة متكررة في أخبار المخدرات والسلاح مقارنة بقرى المشروع الأخرى، وبدأت التغطيات الصحفية، منذ 2020، في استخدام وصف «أوكار الري بالرش» في أخبارها عن الحملات الأمنية على القرية. لكن انتشار السلاح لم يبق محصورًا في تجارة المخدرات. ففي العام نفسه، تطلبت مشاجرة على قطعة أرض بين عائلتين فرض طوق أمني حول القرية، بعدما تحول الخلاف إلى تبادل لإطلاق النار. كما انتشر في القرية القتل بسبب خلافات أسرية أو لأسباب اقتصادية رميًا بالرصاص وطعنًا أحيانًا، حتى بين الأشقاء. يقول فرج، أحد مزارعي القرية، إن الخلافات نفسها لم تكن جديدة، لكن أدواتها تغيرت، «زمان كنا بنتخانق بالعصيان، دلوقت أهيف مشكلة بين عيلتين يستخدموا فيها البنادق». يرجع فرج التسارع في انتشار السلاح إلى الصراعات التي اندلعت نهاية 2021 على مواقع التنقيب الأهلي في جبال إدفو، والتي شاركت فيها، بحسبه، مجموعات من قبائل في المنطقة، وامتدت توابعها إلى القرى التي يخرج منها المنقبون إلى الجبل، «بعدها السلاح زاد في البلد، كله عايز يحمي زرعه وبهايمه». مع انتشار البنادق، نشأت حولها سوق. فبحسب الأسعار التي ذكرها فرج لـ«مدى مصر»، يتراوح سعر البندقية الآلية بين 150 و200 ألف جنيه، والطلقة بين 120 و140 جنيهًا. إلا أن عدم امتلاك ثمن البندقية لم يعد أزمة كبيرة، إذ بدأ بعض التجار، بحسبه، تأجيرها لمن يرغب مقابل نحو ألف جنيه في اليوم، فيما تباع الذخيرة بالأجل. وإذا عجز المدين عن السداد، فقد يخسر أرضًا أو سيارة أو منزلًا. يقول فرج إن تفاقم الوضع الأمني دفعه هو نفسه إلى التفكير في بيع ذهب زوجته لشراء بندقية يحمي بها أسرته، فيما يرى أن تورط بعض أبناء العائلات في جرائم قتل أدخل المزيد منهم في دوائر المطاردة والثأر، «البلطجية في قريتنا كل يوم يزيدوا واحد». وفي سبتمبر 2022، اجتمعت بعض هذه الأنشطة في يوم واحد تقريبًا: ألقت سيارة ربع نقل جثة شاب أمام مستشفى إدفو العمومي، كان مصابًا بطلق ناري خلال مشاجرة بين تجار مخدرات في القرية، بالتزامن مع اقتحام خمسة مسلحين منزلًا لسرقة مواشٍ ومعدات تستخدم في معالجة خام الذهب، ما أدى إلى إصابة اثنين من أصحاب المنزل بالرصاص. بحلول ذلك الوقت، لم يعد السلاح مرتبطًا بنشاط واحد. البندقية المستخدمة لحماية موقع في الجبل يمكن أن تظهر في خلاف بين عائلتين، فيما أصبحت سيارات المنقبين ومعدات معالجة الذهب أهدافًا للسرقة، إلى جانب توسع تجارة المخدرات. داخل هذه البيئة، اتسع أيضًا سوق بيع مخدر «الشابو». ولم يكن انتشاره مقتصرًا على «الري بالرش»، إذ شهدت أسوان توسعًا في تداول المخدر، قابلته احتجاجات وتحركات أهلية بعدة قرى ومناطق بالمحافظة ضد منافذ البيع، وفق ما وثقه تقرير نشره «مدى مصر» في يونيو من العام الماضي. وربط بعض مصادر التقرير حينها بين اتساع تعاطي «الشابو» والعمل في التنقيب الأهلي عن الذهب، خصوصًا مع استخدامه للسهر والعمل لساعات طويلة في الجبل. وفي «الري بالرش»، يقول شاذلي إن قرب القرية من الصحراء دفع عددًا من أبنائها إلى العمل في التنقيب الأهلي، فيما أصبحت القرية مقرًا لبعض العاملين في النشاط وطواحين معالجة الصخور، إلى جانب انتشار تجارة المخدرات والسلاح. ويضيف شاذلي تفسيرًا آخر لصعوبة مواجهة هذه الأنشطة، هو تعدد الانتماءات العائلية والقبلية بين سكان القرية، مقارنة ببعض قرى الوادي الأكثر تجانسًا عائليًا، ما يقلل، بحسب رأيه، قدرة الأهالي على اتخاذ موقف جماعي تجاه التجار. ويقول إن أعداد المتعاطين بين شباب القرية والقرى المحيطة تتزايد باستمرار، رابطًا ذلك بالعثور شبه اليومي على متعاطين في حالة إغماء في شوارع القرية، أو مصابين بطلقات نارية إثر خلافٍ مع التجار، أو حتى قتلى، إضافة إلى زيادة السرقات، «حتى أسياخ الحديد اللي معمول بها مدافن القرية كسروا المدافن وخدوها». ترصد المواقع الصحفية خلال السنوات الأخيرة إصابات خلال مشاجرات داخل القرية، أو قتلى قضوا بطلقات نارية أو شنقًا، إضافة إلى مواجهات أهلية مسلحة مرتبطة بتجارة المخدرات، وبعضها بين التجار وقوات الداخلية، بينها إصابة شاب أثناء مروره بالقرب من أحد منافذ البيع، واشتباكات بدأت بالتنافس على فتح «دولاب مخدرات» جديد، وأخرى امتدت أيامًا عقب نزاع بين مجموعات مرتبطة بتجارة المخدرات. لكن أثر هذه التجارة، بحسب شاذلي، لم يتوقف عند أخبار الحوادث، وإنما امتد إلى السمعة التي أحاطت بالقرية وأخذت تعزلها عن محيطها. ظهر ذلك بوضوح في 2023، حين انتشرت على جدران في مناطق رئيسية بمركز إدفو عبارات «لا للمخدرات.. الشابو إعدام.. الري بالرش خطر الموت»، على خلفية حملة شعبية لمكافحة تعاطي المخدرات. المصدر: جريدة النبأ الوطني، سبتمبر 2023 يقول شاذلي إن بعض الأسر في القرى المحيطة أصبحت ترفض تزويج بناتها لشباب من الري بالرش، «أول ما يعرفوا العريس من الري بالرش يقولوا له بنتنا ما تسكنش عندكم». يشير أبو الحسن، سائق توكتوك من القرية، إلى أن عنوان «الري بالرش» في بطاقة الرقم القومي أصبح، بحسب تجربته، كافيًا أحيانًا لتغيير معاملة الشرطة في بعض الكمائن معه، إذ يزيد التوقيف والتفتيش والاشتباه. وفي يونيو 2025، خلال الاحتجاجات على انتشار المخدرات في المحافظة، أصبحت العزلة أكثر وضوحًا، حين قطع أهالي «البصالي» الطريق المؤدي إلى الري بالرش احتجاجًا على انتشار تجارة «الشابو»، وسط تكرار الشعارات نفسها التي سبق أن كُتبت على الجدران. الوادي الذي ربطت قراه شبكة واحدة من المياه والزراعة، بدأت بعض الطرق داخله تُغلق بسبب الخوف من القرية الواقعة في منتصفه. يحكي عبده السمطي، الذي اشترى أرضًا في القرية قبل نحو 25 عامًا واعتاش من زراعتها، كيف اتجه ابنه الأكبر إلى تعاطي «الشابو» ثم الاتجار في المخدرات، قبل أن يطرده من المنزل، «أنا راجل معليش سابقة، ولا أعرف غير الزرع، وعايش في بيت بالطين، وراضي بالحلال»، يقول السمطي. بالنسبة إليه، القرية التي صار الآخرون يخافون منها هي نفسها المكان الذي يخشى داخله على ابنه الأصغر، «بقيت مش عايزه يكبر لا يضيع مني». يقول أهالٍ تحدث إليهم «مدى مصر» إن ضباط الحملات الأمنية يلومونهم أحيانًا، عند استغاثتهم بالشرطة، على السماح للمنقبين وتجار المخدرات بالإقامة بينهم. مع ذلك، يرحب السكان بالحملات والتمركزات الأمنية داخل القرية. فعندما تمركزت قوة أمنية في «الري بالرش» عقب إحدى جرائم القتل، يقول الأهالي إن بعضهم كان يحمل إليها الطعام والشاي، فيما ذبح أحد السكان عجلًا احتفالًا بوجودها. كان التمركز يعني إمكانية الخروج بعد العصر، أو النوم دون انتظار جولة جديدة من إطلاق النار، لكن القوة لم تبق طويلًا. في رواية المصدر الأمني السابق عن إحدى المداهمات، دخلت قوة تضم ثلاث مدرعات وعددًا كبيرًا من السيارات إلى القرية، قبل أن تضطر إلى التراجع بعد نحو ساعة من إطلاق نار كثيف من عدد محدود من المسلحين. لا يستطيع «مدى مصر» التحقق بصورة مستقلة من كل تفاصيل الواقعة، لكنها تشبه نمطًا تكرر لاحقًا في الأخبار: حملات تدخل القرية، واشتباكات يسقط خلالها قتلى أو مصابون، وتُضبط أسلحة، ثم يستمر النشاط. يقول البجا، المزارع بالقرية، إن الوضع ازداد سوءًا منذ بداية هذا العام، «كل يوم يا تلاقي قتيل، يا واحد مضروب ومسروق على الطريق، يا بيت من بيوت القرية يتسرق، وليل ونهار ضرب النار مش بيقف».The post «الري بالرش».. قصة السلاح والذهب والمخدرات في قرية استصلاح زراعي first appeared on Mada Masr.