تكتسب زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الرياض دلالتها السياسية والاستراتيجية؛ فهي تأتي في مرحلة إقليمية تتشابك فيها الأزمات، وتتداخل فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية، فيما تزداد الحاجة إلى علاقات عربية أكثر تماسكًا، قادرة على احتواء التوترات ومنع اتساع دوائر الصراع، ولذلك فإن أهمية الزيارة لا تنحصر في مضمون المباحثات السعودية السورية، بل تمتد إلى ما يمكن أن تؤسسه من مسار عملي يعيد وصل استقرار سوريا بأمن محيطها العربي، ويمنح العلاقة بين الرياض ودمشق أفقًا يتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى شراكة ذات أهداف واضحة.
وتأتي الزيارة امتدادًا لمسار من التواصل السياسي بين البلدين، شمل لقاء الشيباني بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، واتصالات تناولت التطورات الإقليمية وأمن المنطقة، فضلًا عن المواقف السورية المعلنة إزاء استهداف المنشآت المدنية في المملكة، وتكشف هذه الاتصالات عن إدراك متزايد لأهمية إبقاء قنوات التشاور مفتوحة في منطقة لا تنفصل فيها الأزمات عن بعضها، ولا تقف تداعيات الاضطرابات عند حدود الدول التي تشهدها، فالعلاقة بين الرياض ودمشق لا تتحرك في فراغ سياسي، وإنما تتشكل في سياق إقليمي يجعل من التنسيق العربي ضرورة لحماية المصالح الوطنية، والحد من التدخلات الخارجية، واحتواء المخاطر التي تهدد أمن الدول واستقرار مجتمعاتها.
وتنظر المملكة إلى استقرار سوريا باعتباره جزءًا من معادلة الاستقرار الإقليمي، فسوريا بما تمثله من موقع جغرافي وثقل في المشرق العربي، تؤثر أوضاعها الداخلية في محيط أوسع يمتد إلى الأمن الحدودي، وحركة التجارة، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة شبكات التهريب، وكلما استعادت مؤسسات الدولة قدرتها على أداء وظائفها، وتعززت سيادتها على أراضيها، ضاقت المساحات التي تستغلها القوى الخارجية والتنظيمات العابرة للحدود، وأصبحت فرص التعافي أكثر واقعية، ومن هنا، فإن مساندة استقرار سوريا ليست استجابة لأزمة قائمة فحسب، بل استثمار في بيئة عربية أكثر أمنًا، تكون فيها الدولة الوطنية ومؤسساتها الضامن الأساسي للاستقرار، بدلًا من أن تتحول هشاشتها إلى مدخل لتدويل الأزمات وإطالة أمدها.
وفي المقابل، تمثل الشراكة مع المملكة فرصة مهمة أمام سوريا لاستعادة عمقها العربي، وتوسيع خياراتها السياسية والاقتصادية، والانطلاق نحو مرحلة تتقدم فيها متطلبات بناء الدولة على حساب أعباء الصراع، غير أن الاستفادة من هذه الفرصة لا تتحقق بمجرد تحسن العلاقات الخارجية؛ إذ تظل مرهونة بقدرة الدولة السورية على ترسيخ مؤسساتها، وصون وحدة أراضيها، وتعزيز سيادتها، وتهيئة بيئة سياسية واقتصادية تستعيد ثقة المواطنين والشركاء، فالدعم العربي يستطيع أن يفتح أبوابًا للتعاون، وأن يوفر فرصًا للتعافي وإعادة الإعمار، لكنه لا يمكن أن يحل محل الإرادة الوطنية أو الإصلاح المؤسسي، فكلما تقدمت سوريا في بناء مؤسسات مستقرة وقادرة، ازدادت فرص انخراط شركائها العرب في مشروعات طويلة الأجل، وكلما توافرت ضمانات الاستقرار والجدوى، أمكن تحويل التعاطف السياسي إلى تعاون عملي مستدام.
وتبرز أهمية التنسيق السعودي السوري كذلك في ظل التوترات الإقليمية والتهديدات التي تطال المنشآت المدنية والبنية التحتية والممرات الحيوية، فالمساس بأمن المدنيين أو استهداف المرافق المدنية لا يقتصر أثره على الدولة المعنية، بل يمتد إلى حركة الاقتصاد، وثقة الأسواق، وأمن الإمدادات، واستقرار المنطقة بأسرها، ومن ثم فإن المواقف السورية المعلنة تضامنًا مع المملكة إزاء هذه التهديدات تمثل مؤشرًا سياسيًا مهمًا على أهمية احترام سيادة الدول وأمنها، لكن القيمة الأعمق لهذه المواقف تتجلى في استمراريتها وترجمتها إلى تنسيق فعلي، فالمطلوب ليس بيانات تضامن عابرة، وإنما موقف عربي يستند إلى مبادئ واضحة، ويرفض تحويل أمن الدول والمنشآت المدنية إلى أدوات للضغط أو تصفية الحسابات، ويعزز التعاون في مواجهة الإرهاب والتهريب وسائر التهديدات المشتركة.
ولا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن البعدين السياسي والأمني؛ فاستقرار العلاقات يكتسب معناه الأوسع عندما ينعكس على فرص التنمية وتحسين حياة المواطنين ، وتحتاج سوريا إلى استعادة نشاطها الاقتصادي، وإعادة تأهيل بنيتها التحتية، وتوسيع فرص العمل، وهي مسارات تتطلب بيئة مستقرة وشراكات قادرة على توفير الخبرات والاستثمارات، وتستطيع المملكة بما تمتلكه من إمكانات وخبرات تنموية، أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم التعافي السوري، متى توافرت الظروف المناسبة والضمانات اللازمة، كما يمكن للتعاون في مجالات التجارة والطاقة والبنية التحتية والخدمات أن يفتح آفاقًا لمصالح متبادلة، تتجاوز المساعدات الآنية إلى مشروعات تسهم في بناء القدرة الاقتصادية وتعزيز الاعتماد على النشاط الإنتاجي، فنجاح التعافي لا يُقاس بحجم التمويل وحده، بل بقدرته على تأسيس اقتصاد أكثر قدرة على توليد الفرص، وتحسين الخدمات، وتلبية احتياجات المجتمع.
وتملك الرياض ودمشق، فرصة لتعزيز نموذج من العلاقات العربية يقوم على الواقعية السياسية واحترام السيادة وتبادل المصالح، بعيدًا عن منطق المحاور الذي كثيرًا ما عمّق الانقسامات وأطال الأزمات، فالمطلوب ليس تطابقًا كاملًا في الرؤى بشأن كل ملفات المنطقة، وإنما بناء أرضية مشتركة تسمح بإدارة الاختلاف، وتوسيع مجالات الاتفاق، ومنع التباينات من التحول إلى مصادر توتر جديدة، وهذه المقاربة تمنح الدبلوماسية العربية دورًا أكثر فاعلية؛ إذ تجعل الحوار وسيلة لتقريب المواقف، والتنسيق أداة لحماية المصالح، والتعاون الاقتصادي مدخلًا لتثبيت الاستقرار على المدى الطويل.
إن زيارة أسعد الشيباني إلى الرياض تفتح نافذة جديدة أمام العلاقات السعودية السورية، لكن القيمة الحقيقية لهذه النافذة ستتحدد بما يمر عبرها من تفاهمات ومشروعات وخطوات عملية، فاستقرار سوريا ليس شأنًا سوريًا معزولًا عن محيطه، وأمن المملكة ليس قضية محلية منفصلة عن أمن المنطقة؛ بل إن كليهما يرتبط بقدرة الدول العربية على بناء بيئة إقليمية تحترم السيادة، وتحد من التدخلات، وتمنح التنمية فرصة للتقدم على حساب الصراعات، إن الرهان على العلاقة بين الرياض ودمشق لا ينبغي أن يتوقف عند نجاح زيارة أو إيجابية لقاء، بل أن يمتد إلى تأسيس شراكة تتدرج في أهدافها، وتتسع في مجالاتها، وتثبت جدواها بالنتائج، فحين يتحول التقارب السياسي إلى تعاون مؤسسي، يصبح العمل العربي المشترك أكثر من شعار، وتغدو الشراكة بين البلدين رافعة للاستقرار، وفرصة لتعزيز أمن المنطقة وتهيئة مستقبل أكثر اتزانًا وازدهارًا لشعوبها.