«الرواية».. ذاكرة اللغة في الإنسان

تختزن الكلمات من أعمار البشر ما تعجز الذاكرة الفردية عن حمله؛ ففي كل لفظة أثرٌ من حياة مضت، وصورةٌ تناقلتها الأجيال، وتجربةٌ استقرت في الوجدان حتى غدت جزءًا من رؤية الإنسان للعالم. وحين تنتظم الكلمات في رواية، تستيقظ حكايات تتجاوز تجربة الكاتب، وتلامس ما يختزنه الإنسان من مشاعر وأسئلة وصور. تستوقفنا لفظة «الرواية» في أصلها اللغوي؛ فهي متصلة بمادة «روى»، التي تدور معانيها حول نقل الماء وإيصاله، كما ارتبطت بنقل الحديث والخبر. وفي هذا الامتداد الدلالي ما يفتح بابًا للتأمل؛ فالرواية إيصالٌ لتجربة من نفس إلى نفس، ونقلٌ لحياة من زمن إلى زمن، وحمْل معنىً قد يظل حبيسَ نفسٍ حتى تمنحه الكلمات صورةً قابلة للبقاء. غير أن اللغة التي يكتب بها الروائي تسبقه في الوجود؛ فقد حملت قبل قلمه أسماء الأماكن، وأصوات الأمهات، وأمثال الجدات، ونداءات الأسواق، وأغاني الأفراح، ومراثي الفقد. واختزنت في مفرداتها طرائق الناس في الحب والخوف والرجاء، وفي وصف الأشياء وتسميتها، وفي التعبير عن أحوال النفس وتقلبات الحياة. وحين يكتب الروائي، فإنه يدخل إلى هذا المخزون الإنساني، يستدعي بعضه، ويعيد تشكيل بعضه الآخر، ويمنح الكلمات المألوفة سياقات جديدة تكشف طاقات كانت كامنة فيها. وقد يتجاوز المكان في الرواية حدود الجغرافيا ليصبح علامةً على الانتماء أو الفقد، ويغدو الحوار باللهجة المحلية نافذةً على بيئة اجتماعية كاملة. فالكلمة لا تؤدي معناها المباشر وحده؛ إذ تستطيع أن تستدعي زمنًا مضى، أو تكشف جانبًا خفيًّا من الشخصية، أو تفتح أمام القارئ بابًا إلى تجربة لم يعشها. في «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، تتجاوز المدينة اسمها الجغرافي لتغدو سؤالًا عن الوطن والهوية وأثر الاقتلاع في الإنسان. وفي «العصفورية» لغازي القصيبي، تنهض السخرية والمفارقة بالكشف عن تناقضات الفكر والمجتمع. ويرسم نجيب محفوظ القاهرة بتحولاتها الاجتماعية في ثلاثيته «بين القصرين» و»قصر الشوق» و»السكرية»، وبدوها تكشف عن اختلاف الأجيال وتبدل القيم. وهكذا يمنح كل روائي مفرداته وشخصياته قدرةً على التعبير عن عالم يتجاوز حدود الحكاية. وتكتسب الرواية قيمتها أيضًا من قدرتها على حفظ ملامح الحياة اليومية؛ فقد تستعيد روايةٌ اسمًا لمكان قديم، أو لفظةً تراجعت عن الاستعمال، أو عادةً أخذت تختفي مع تغير المجتمع. ومن خلال هذه التفاصيل، يتعرف القارئ إلى حياة أجيال سبقته، ويرى كيف ترك الزمن أثره في الناس وأحوالهم. واللافت أن الرواية قد تمنح القارئ معنى جديدًا كلما عاد إليها؛ فما يقرأه المرء في مرحلة من عمره قد يتسع دلاليًّا بعد سنوات، حين تتغير تجربته وتتبدل نظرته إلى الحياة. فالنص الأدبي يظل قادرًا على استثارة أسئلة جديدة، لأن العلاقة بين العمل وقارئه تتجدد بتجدد التجربة الإنسانية. إن الرواية، في أعمق تجلياتها، ذاكرةٌ تستيقظ في الكلمات، ومشاعرُ تستقر في وجدان الإنسان. وأن بعضها يُعد انتصارًا ثقافيًّا مهّد لانتصارات تاريخية واستطبابات نفسية، ويبقى دور الكاتب محوريًّا في الإصغاء إلى مفرداتٍ، يمنحها حياةً تتجاوز زمن كتابتها، فتظل الحكاية قادرةً على ملامسة أرواحنا.