تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، فقد تضافرت خلالها جهود مختلف التشكيلات والقيادات في ملحمة عسكرية خاض فيها المصريون معركة استعادة الأرض والكرامة، ودفعوا من أجلها أثمانا غالية من دمائهم، حتى استعادوا جزءا عزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة مصر على تحويل إرادة التحرير إلى واقع، وإعادة بناء قواتها المسلحة بعد سنوات من الصراع، وصولا إلى لحظة العبور التي أعادت إلى الجيش المصري ثقته وقدرته على المبادرة وتحقيق أهدافه.
وفي قلب هذه الملحمة، برزت أسماء عدد من القادة الذين أسهموا في الإعداد للمعركة وإدارتها، وكان من بينهم الرقيب أول محمد عبد العاطي.
ولد البطل محمد عبد العاطي بإحدى قرى محافظة الشرقية في نوفمبر عام 1950، ونشأ منذ صغره متمتعا بجرأة واضحة ونظرة ثابتة ملؤها الأمل والتصميم.
تفوق في دراسته، ثم تقدم إلى منطقة التجنيد التابعة له، راغبا في الانضمام إلى صفوف القوات المسلحة، والمشاركة في معركة التحرير والثأر لشهداء الوطن.
كان محمد عبد العاطي يتمنى أن يقبل في القوات المسلحة، حتى ينال شرف المشاركة في معركة التحرير ضد العدو، والثأر للأرواح التي فقدتها مصر في ميادين القتال.
وبعد اجتيازه الاختبارات، وزع على سلاح المدفعية، وما إن وصل إلى مركز تدريب المدفعية حتى بدأ مرحلة التدريب الأساسي، التي مثلت نقطة التحول من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية، بما تحمله من انضباط والتزام واستعداد دائم لتحمل المسؤولية.
وخلال هذه المرحلة، تميز محمد عبد العاطي بأخلاقه وثقافته وتمسكه بالتقاليد العسكرية والانضباط، وتم ترشيحه ضمن مجموعة من خيرة الجنود للتدريب على الصواريخ المضادة للدبابات، وكان حريصا على تنفيذ خطوات التدريب بدقة.
وعندما أصاب الهدف من أول صاروخ خلال اختبارات الرماية بالذخيرة الحية، تم اختياره ضمن مجموعة الموجهين، وتكرر نجاحه في العديد من الاختبارات، قبل أن ينضم إلى إحدى الوحدات، حيث توالت التدريبات وتنوعت وفقًا لوظائف أفراد الطاقم، ليؤكد في كل مرة أنه أهل للعمل على هذا النوع من الصواريخ.
وأصبح البطل محمد عبد العاطي يحظى بمكافآت تشجيعية ومنح وهدايا، تقديرا لكفاءته ومهارته في التدريب، حتى بلغ نجاحه ذروته في مسابقة بين وحدات التشكيل باستخدام الذخيرة الحية، وأمام كبار القادة والضباط والصف والجنود، أصاب الهدف من الصاروخ الأول، في إنجاز لافت لم يحققه غيره، وصدق يومها على ترقيته إلى درجة رقيب.
ولم يتوقف عند هذا النجاح، بل واصل التدريب للحفاظ على مستواه، ليصبح نموذجا يحتذى به، ويسهم في رفع الروح المعنوية ومستوى الكفاءة القتالية لدى أفراد وحدته.
لم تتوقف إنجازات محمد عبد العاطي عند هذا الحد، إذ حصل على لقب أفضل رام في مسابقة للجيش الثاني الميداني، بعد أن أجرى الرماية من فوق تبة رملية بارتفاع 30 مترا، في أحد البيانات العملية لاستخدام الصاروخ المضاد للدبابات في ضرب الأهداف الثابتة والمتحركة.
وحظي أداؤه بتقدير رئيس الأركان في ذلك الوقت، ليؤكد مرة أخرى تفوقه في استخدام السلاح ودقة إصابته للأهداف.
بعد ذلك، صدق على ترقيته إلى درجة وكيل رقيب أول، ليصبح بهذه الترقية أقدم ضابط صف في السرية، ويضرب المثل في الانضباط والكفاءة أمام جميع أفرادها.
وظل محمد عبد العاطي ينتظر اللحظة التي طالما حلم بها؛ لحظة العبور العظيم وتحرير سيناء ورفع علم مصر عليها بعد غياب طويل.
وكان لاستشهاد عدد من أبناء قريته وأصدقائه وأقاربه خلال عام 1967 أثر بالغ في نفسه، وزاد ذلك من إصراره على الثأر للأرواح الطاهرة التي أزهقت، فكان يرى في خدمته العسكرية فرصة للمشاركة في معركة استرداد الأرض والكرامة.
في صباح السادس من أكتوبر عام 1973، صدر أمر القتال لفصيلة عبد العاطي، محددا مهمتها، وجاء يوم العبور، وكان الجميع على أهبة الاستعداد، وقد أعد كل فرد نفسه لمهمته، بينما كانت الساعات تمر ثقيلة، والجميع يترقب لحظة العبور.
وعند الثانية ظهرا من السادس من أكتوبر، جاءت ساعة عبور عبد العاطي ورجاله، عبروا قناة السويس وسط التهليل والتكبير ولهيب النيران، وما إن وصلوا إلى الضفة الشرقية للقناة حتى اندفع عبد العاطي مع فصيلته خلف القائد إلى الموقع المحدد لهم، والذي كان يبعد عن القناة نحو ثلاثة كيلومترات.
وسرعان ما جرى تأكيد مهمة كل فرد، وفي اليوم نفسه شوهدت فصيلة عبد العاطي وهي تحتل موقعا على مسافة كيلومتر ونصف، لتبدأ الفصيلة في تنفيذ مهامها، وتتمكن من تدمير ثلاث دبابات للعدو تباعا.
وفي صباح السابع من أكتوبر، شاهد عبد العاطي ورجاله أربع طائرات مقاتلة للعدو وهي تتساقط، وكان لهذا المشهد أثر بالغ في رفع معنوياتهم وتعزيز ثقتهم بقدرتهم على مواصلة القتال.
وبعد ذلك، صدرت الأوامر بتنفيذ كمين في منطقة تبعد نحو عشرة كيلومترات عن الحد الأمامي للقوات المصرية، بهدف تدمير القوات المدرعة للعدو المشاركة في الهجوم المضاد.
وعندما اقتربت الفصيلة من منطقة الكمين، احتلت تبة عالية على طريق العريش، وبدأ أفرادها في تجهيز مواقعهم واتخاذ إجراءات الإخفاء، وما كادت الفصيلة تنتهي من استعداداتها حتى رصد عبد العاطي نحو 13 دبابة تقترب من الموقع.
بدأ عبد العاطي المعركة بإطلاق صاروخه الأول باتجاه إحدى الدبابات، وتمكن من تدمير ثماني دبابات، بينما نجح زملاؤه في تدمير الدبابات الخمس الأخرى.
واستمرت المعركة نحو نصف ساعة، وخلالها كادت الطائرات الإسرائيلية تقصف مواقعهم، بينما ظل الرجال في مواقعهم يواجهون النيران، وتتعالى هتافاتهم الله أكبر.
وبعد انتهاء المعركة، انتقلت الفصيلة إلى موقع آخر، وفي صباح التاسع من أكتوبر فوجئ عبد العاطي بعربة مجنزرة للعدو، فبادر باستهدافها بصاروخ مباشر، وتمكن من تدميرها، ما أدى إلى مقتل وإصابة جميع من كانوا على متنها.
ثم صدرت الأوامر إلى فصيلة عبد العاطي بالانتقال إلى موقع تبادلي، وتم نقل ثلاثة أطقم مجهزة بالذخيرة، بينما بقي عبد العاطي في موقعه لتأمينه، لحين اكتمال استعداد باقي الفصيلة.
وفي تلك الأثناء، اقتربت سبع دبابات معادية من الوحدة المجاورة لوحدته، وبدأت في قصف الموقع بالنيران، وعلى الفور، استعد عبد العاطي للقتال، ولم يكن معه سوى ستة صواريخ، فأطلقها الواحد تلو الآخر، وتمكن من إصابة ست دبابات، بينما لاذت الدبابة الأخيرة بالفرار.
وفي الثاني عشر من أكتوبر، فوجئ بقذائف الدبابات المعادية تنهال من حوله، فبدأ يراقب مصدر النيران، حتى اكتشف دبابة تختفي خلف دبابة أخرى، وظل يتابعها حتى انتهت من إطلاق نيرانها، ثم بادر بإطلاق صاروخ عليها.
وفي مساء الرابع عشر من أكتوبر، حاولت قوات العدو اقتحام مواقع القوات المصرية بقوة مكونة من ثلاث دبابات وعربتين مجنزرتين، فتمكن عبد العاطي ورجاله من تدمير الدبابات الثلاث وإحدى العربتين المجنزرتين، بينما فرت العربة الأخرى.
وتوالت المعارك يوما بعد يوم، وظل عبد العاطي ورجاله متمسكين بمواقعهم، يذودون عنها ويواجهون محاولات العدو، ويلقنونه درسا في الصمود والثبات.
واستمر الموقف على هذا النحو حتى جاء وقف إطلاق النار، لتتوقف المعارك بعد أن سجل محمد عبد العاطي خلال أيام القتال سلسلة من الإصابات المباشرة في صفوف الدبابات الإسرائيلية.