تشهد أوروبا موجة احتجاجات غير مسبوقة وُصفت بأنها "ربيع أوروبي بدأ في الخريف"، حيث انفجر الغضب الشعبي من باريس إلى ميلانو وبروكسل وتيرانا ضد غلاء المعيشة وتدهور التعليم وتفاقم عدم المساواة، متحولاً من مسيرات سلمية بمئات الآلاف إلى اشتباكات دامية وأعمال نهب وحرق طالت متاجر تاريخية ومبانٍ حكومية وأوقعت مئات المصابين وآلاف الموقوفين، في مشهد يعكس أزمة ثقة عميقة بين الشارع والحكومات.
شهدت فرنسا يوماً جديدا من الفوضى العارمة، امتدت فيه أعمال الشغب والنهب من باريس إلى مرسيليا وليموج، لتطغى على احتجاجات حاشدة شارك فيها مئات الآلاف ضد غلاء المعيشة، وذلك قبل ستة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية.
فيما رفعت فتاة فرنسية لافتة تقول "كفاح الشباب من أجل إسقاط النظام"، وسط اشتعال النيران في كل مكان أطلقها مثيرو الشغب.
وفي العاصمة باريس كما في باقي المدن الكبرى، استُهدفت مئات المتاجر والمؤسسات، وانتشر الحطام وهياكل الدراجات المحترقة في الشوارع.
وقالت السلطات المحلية إن "شوارع بأكملها خُرّبت بشكل منهجي"، بحسب وكالة فرانس برس، ونفذت مجموعات صغيرة من الشبان عمليات نهب منظمة لمتاجر شهيرة مثل "جاليري لافاييت" و"لويس فيتون"، حيث عمدوا، وهم يرتدون أقنعة وقفازات، إلى تعطيل كاميرات المراقبة قبل تحطيم الواجهات الزجاجية واقتحام المتاجر.
وفي مدن مرسيليا جنوباً وليل شمالاً وبوردو جنوب غرب، اقتحم متظاهرون مباني بلديات ومحافظات وخربوها.
أما في ليموج وسط البلاد، فقد أتى حريق على جزء كبير من مبنى البلدية، وهو صرح تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر، وفق السلطات المحلية.
وقدر اتحاد تجارة التجزئة الفرنسية، أن نحو 1500 متجر تضررت السبت، في مظاهرات خرج فيها نحو 550 ألف شخص إلى شوارع فرنسا، وأُوقف خلالها أكثر من 1800 شخص.
وقال وزير الداخلية لوران نونيز إن 60 من عناصر إنفاذ القانون أصيبوا السبت، ونُقل اثنان فاقدي الوعي للمستشفى، مؤكداً تسجيل عمليات نهب أو محاولات نهب في باريس وروان ونانت وتولوز ومرسيليا، وفي مرسيليا، اقتحم شبان ملثمون يرتدون سترات بقلنسوة مبنى البلدية وخربوا تمثال ماريان، رمز الجمهورية الفرنسية.
كما دارت معارك في ساحة الجمهورية وبالقرب من محطة غار دو نورد لقطارات يوروستار المتجهة من وإلى لندن. وأغلقت المتاجر نوافذها وأبوابها، وأُغلقت عدة محطات مترو في العاصمة.
امتدت الموجة إلى إيطاليا، حيث شهدت ميلانو مظاهرة ضد غلاء المعيشة تخللتها اشتباكات مع الشرطة، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع أمام الكاتدرائية القوطية بعدما ألقى مثيرون للشغب حجارة على رجال الأمن، وفق قناة فرانس 24.
واشتبك مثيرو الشغب مع الشرطة ونهبوا متاجر وأضرموا النيران في الممتلكات بميلانو، ما أدى إلى إفراغ ساحة الدومو الشهيرة وممر التسوق الفاخر في وقت يكتظ فيه المكان عادة بالمتسوقين.
وتجمع المتظاهرون في جاليريا فيتوريو إيمانويل الثاني، مركز التسوق الفاخر، فأغلق أصحاب المتاجر أبوابهم وفرّ السياح.
وأدى العنف في المنطقة المركزية إلى إغلاق محطة مترو دومو مؤقتاً، مع إصابة واعتقال عدد من الأشخاص.
وفي بروكسل، وقف متظاهرون على سيارة مقلوبة خلال احتجاج طلابي مستوحى من فرنسا. وخرج مئات الشباب إلى شوارع العاصمة احتجاجاً على ارتفاع تكاليف التعليم وإصلاحات يخشون أن تجعل التعليم العالي أقل إتاحة، واشتبكوا مع الشرطة.
وفي باريس، رشق محتجون شرطة مكافحة الشغب بالخبز الفرنسي، وأضرم مثيرون للشغب النار في مكتب سياحي وسيارات، حيث تظاهر 110 آلاف شخص في العاصمة وحدها.
وفي تيرانا، خاض متظاهرون وقوات مكافحة الشغب معارك ضارية وسط العاصمة السبت لليوم الخامس على التوالي في احتجاجات مستمرة منذ يونيو.
وألقى متظاهرون ملثمون، كثير منهم طلاب مدارس وجامعات، الحجارة والقنابل الحارقة على الشرطة التي كانت تدافع عن وزارة التعليم، إحدى بؤر الاحتجاجات.
وردت الشرطة بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، واستخدمت الرصاص المطاطي لأول مرة وفق التقارير.
وتحولت الاحتجاجات التي بدأت صيفاً إلى حركة أوسع مناهضة للحكومة تطالب باستقالة رئيس الوزراء على خلفية مزاعم فساد.
وارتدى كثيرون أقنعة واقية من الغاز، بينما وزع متطوعون محاقن بمحلول ملحي للعين لتخفيف أثر الغاز، وسط دوي متواصل لقنابل المولوتوف ووابل من الحجارة والألعاب النارية، وأصيب عدد من الجانبين، ووُجهت تهم الإخلال بالنظام إلى 80 شخصاً، مع اعتقال المئات