فى مشهد يعكس طبيعة الدور الذى باتت تلعبه الدولة المصرية فى الداخل والخارج تتقاطع مسارات التنمية الاقتصادية مع التحركات السياسية والدبلوماسية، لتؤكد القاهرة أنها تخوض معركة متوازية لبناء اقتصاد حديث قادر على المنافسة، وترسيخ دورها كقوة إقليمية تسعى إلى تثبيت الأمن والاستقرار فى محيطها، فبينما تواصل مصر تنفيذ واحدة من أكبر خطط تطوير البنية التحتية فى تاريخها، عبر تحديث الموانئ وشبكات النقل والطرق، تتحرك دبلوماسيًا مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية لمواجهة موجات التصعيد التى تهدد أمن المنطقة.
جاء اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسى لمتابعة الموقف التنفيذى لمشروعات تطوير موانئ سفاجا ودمياط والإسكندرية والسخنة ومشروعات النقل الجماعى الحديثة ليؤكد أن ملف اللوجستيات أصبح أحد المحاور الرئيسية فى استراتيجية الدولة لتحويل الموقع الجغرافى لمصر إلى قيمة اقتصادية مضافة، وخلال الاجتماع الذى عقده الرئيس مع الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، والفريق مهندس كامل الوزير وزير النقل واللواء أمير سيد أحمد مستشار رئيس الجمهورية للتخطيط العمرانى تمت متابعة تطورات مشروعات النقل المختلفة، وفى مقدمتها تطوير الموانئ، والقطار الكهربائى السريع، ومونوريل شرق وغرب النيل، ومشروع الأتوبيس الترددى السريع على الطريق الدائرى.
وأكد الرئيس ضرورة الالتزام بالجداول الزمنية المحددة للانتهاء من تلك المشروعات، مع تطبيق أعلى معايير الجودة، بما يضمن تحقيق الهدف الأكبر وهو بناء منظومة نقل متكاملة تدعم حركة التجارة والاستثمار.
وخلال الاجتماع تمت مناقشة تطورات عدد من المشروعات الكبرى، وفى مقدمتها القطار الكهربائى السريع، ومونوريل شرق وغرب النيل، ومشروع الأتوبيس الترددى السريع BRT على الطريق الدائرى، وشدد الرئيس على أهمية الإسراع فى تنفيذ مشروعات النقل الجماعى الأخضر المستدام، باعتبارها ركيزة أساسية لدعم التنمية العمرانية والصناعية والسياحية، فضلًا عن دورها فى تحسين جودة الحياة وتقليل الضغط على شبكات الطرق التقليدية، كما شهد الاجتماع استعراض خطة صيانة ورفع كفاءة عدد من الطرق والكبارى، إلى جانب الإجراءات الخاصة بحل مشكلة التكدس المرورى على كوبرى أكتوبر، مع التأكيد على سرعة إنجاز الأعمال وفق أعلى مستويات الكفاءة.
ويرى الدكتور محمد الجوهرى الخبير الاقتصادى رئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية أن هذه المشروعات تمثل تحولًا من مفهوم تطوير الطرق والموانئ إلى بناء "منظومة اقتصادية متكاملة"، تقوم على الربط بين الإنتاج والأسواق العالمية، واصفًا المرحلة الراهنة بأنها "مرحلة البناء والدعم اللوجستى" الشامل لكافة قطاعات الدولة، مُضيفًا أن التركيز على تطوير شبكات الطرق والكبارى، وتحديث البنية التحتية، وتوسيع مجرى قناة السويس، وتأسيس المصانع والمشروعات القومية العملاقة، يمثل خطوة استراتيجية حتمية للتمهيد وتعبيد الطريق أمام مسيرة الاقتصاد الوطنى خلال السنوات المقبلة، مُشددًا على أن تطوير الموانئ يمثل عنصرًا أساسيًا فى جذب الاستثمارات وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصرى، مُشيرًا إلى أن الدولة لم تعد تتعامل مع النقل باعتباره خدمة فقط، وإنما باعتباره قطاعًا منتجًا ومحركًا للنمو.
وأضـاف أن مشــروعات النقــل الجمــاعى الحديثة لم تعد مجرد حلول لتخفيف الزحام، لكنها أصبحت جزءًا من رؤية أوسع تقوم على تحقيق التنمية العمرانية المستدامة، ويأتى تنفيذ القطار الكهربائى السريع والمونوريل ومشروع BRT ضمن خطة تستهدف إعادة تشكيل خريطة الحركة داخل المدن وربط مناطق التنمية الجديدة بالمراكز الاقتصادية، لافتًا إلــــى أن إدخــــــال وســـــائل النقـــل الذكيـــة والصديقة للبيئة يُغير شكل المدن المصرية، ويخلق فرصًا جديدة للتوسع العمرانى بعيدًا عن التكدس التقليدى، مُختتمًا بأن مشروعات النقل الحديثة تُمثل عنصرًا رئيسيًا فى نجاح خطط التنمية العمرانية، لأنها تربط المدن الجديدة بمراكز النشاط الاقتصادى وتزيد من جاذبيتها للاستثمار، مُشددًا على أهمية الإسراع فى استكمال مشروعات النقل الجماعى، باعتبارها ضرورة لتحسين جودة الحياة وتقليل الضغط على شبكات الطرق.
على المستوى الخارجى جاء الاتصال الذى أجراه الرئيس السيسى مع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ليؤكد طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة وباريس، حيث أعرب الرئيس عن تضامن مصر الكامل مع فرنسا عقب الحرائق التى شهدتها بعض المناطق الفرنسية، مقدمًا التعازى فى الضحايا ومتمنيًا الشفاء للمصابين، وأكد الرئيس استعداد مصر لتقديم كافة أوجه الدعم الممكنة، فى رسالة تعكس عمق العلاقات بين البلدين، بينما ثمّن الرئيس الفرنسى الموقف المصرى، مؤكدًا أن العلاقات بين القاهرة وباريس تشهد تعاونًا متناميًا فى مختلف المجالات.
وتناول الاتصال تطورات الأوضاع الإقليمية، خاصة الحرب مع إيران، والأوضاع فى لبنان وليبيا والأراضى الفلسطينية المحتلة، حيث أكد الجانبان ضرورة اللجوء إلى الحلول السياسية والسلمية للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمى.
كما بحث الرئيسان حادث سفينتى ميناء دمياط، حيث أعرب ماكرون عن تضامن فرنسا مع مصر فى مواجهة تداعيات هذا الحادث.
ويرى الدكتور حسن سلامة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن العلاقات المصرية الأوروبية أصبحت تقوم على إدراك متبادل لأهمية الدور المصرى فى تحقيق الاستقرار الإقليمى، خاصة فى ظل التحديات المتصاعدة فى الشرق الأوسط، مُضيفًا أن القاهرة أصبحت تمثل نقطة توازن مهمة فى ملفات المنطقة، بسبب قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، والحفاظ على قنوات الحوار المفتوحة، لافتًا إلى أن الاتصال بين الرئيس السيسى والرئيس الفرنسى تناول تطورات الأوضاع فى المنطقة، خاصة الحرب مع إيران، والأوضاع فى لبنان وليبيا والأراضى الفلسطينية المحتلة، حيث أكد الجانبان ضرورة تسوية النزاعات بالطرق السلمية حفاظًا على الأمن والاستقرار، وهو النهج الثابت والعنوان الرئيسى لكافة تحركات الدبلوماسية المصرية.
وبحث الرئيس مع رئيس الوزراء الإسبانى بيدرو سانشيز تداعيات حادث سفينتى ميناء دمياط، حيث أعرب سانشيز عن تضامنه مع مصر، مؤكدًا رفضه لأى تصعيد يهدد أمن المنطقة، وأكد الرئيس السيسى خلال الاتصال أن الجهات المختصة تباشر التحقيقات فى الحادث، مشددًا على خطورة استمرار التصعيد الإقليمى، وضرورة تكاتف الجهود الدولية لوقف دائرة التوتر.
كما أعرب الرئيس السيسى عن تضامن مصر مع إسبانيا إثر الحرائق التى شهدتها بعض المناطق الإسبانية، مقدمًا التعازى فى الضحايا ومتمنيًا الشفاء للمصابين، كما هنأ رئيس الوزراء الإسبانى بفوز منتخب بلاده ببطولة كأس العالم لكرة القدم.
ويرى الدكتور أحمد سيد أحمد الخبير فى الشئون الدولية أن التحرك المصرى فى الأزمات الإقليمية يقوم على مبدأ أساسى وهو دعم الحلول السياسية والحفاظ على مفهوم الدولة الوطنية، مشيرًا إلى أن القاهرة تمتلك خبرة طويلة فى إدارة الأزمات الإقليمية، مؤكدًا أن السياسة الخارجية المصرية تستند إلى التوازن والحفاظ على المصالح الوطنية، مع دعم الاستقرار الإقليمى ومنع اتساع دائرة الصراعات.