لسنوات طويلة ظل الطب النفسي من أكثر التخصصات الطبية اعتماداً على التقييم البشري المباشر، مستنداً في التشخيص على المقابلات السريرية وملاحظة السلوك والأعراض، لكن مع اقتحام تقنيات الذكاء الاصطناعي المجال الطبي برمته، بدأ هذا الواقع في التغير تدريجياً، ليطرح سؤالاً حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل مجال الطب النفسي، وإلى أي مدى سيغير طريقة التشخيص والعلاج؟مع تزايد الأبحاث التي تشير إلى قدرة الخوارزميات على رصد مؤشرات الأعراض، أظهرت دراسات أجرتها فرق بحثية في جامعات ومراكز طبية عالمية، من بينها جامعة ستانفورد أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات السلوكية والصحية واستخراج أنماط يصعب على الإنسان ملاحظتها، ما يساعد على رصد مؤشرات مرتبطة بالاكتئاب والقلق واضطراب ثنائي القطب والفصام في مراحل مبكرة.**media[7947197,7947198]**كما حظيت تقنيات تتبع حركة العين باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة، إذ أظهرت مراجعة علمية نُشرت نتائجها في مجلة International Journal of Medical Informatics أن نماذج الذكاء الاصطناعي المعتمدة على بيانات حركة العين حققت نتائج واعدة في التمييز بين الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد وغير المصابين به، ما يعزز فرص الكشف المبكر والتدخل العلاجي في سن مبكرة.تطبيق عمليوجدت التوجهات العالمية طريقها إلى التطبيق العملي داخل المؤسسات الصحية، لاسيما بمؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، ممثلة في مستشفى الأمل للصحة النفسية، التي تقود تحولاً نوعياً مدفوعاً بمبادرات علاجية مبتكرة تهدف إلى تطوير نماذج الرعاية النفسية وتحسين تجربة المرضى، بما يدعم اتخاذ قرار علاجي مبكر ودقيق.وتؤكد الدكتورة نور المهيري، مدير إدارة الصحة النفسية في مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة تدعم رحلة التشخيص والعلاج، بفضل قدرته على تحليل البيانات الصحية الضخمة ورصد الأنماط السلوكية والتقلبات المزاجية ومؤشرات النوم والنشاط اليومي، بما يسهم في تعزيز دقة التقييم السريري وتوفير معطيات إضافية تدعم اتخاذ القرار الطبي المبني على البيانات.وتوضح أن الدراسات الحديثة تمكن الاستفادة من هذه التقنيات في رصد مؤشرات مبكرة لاضطرابات مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ثنائي القطب، إضافة إلى تقييم احتمالات الانتكاس لدى مرضى الفصام وبعض عوامل الخطِرة المرتبطة بالسلوك الانتحاري، حيث إن هذه المؤشرات لا تمثل تشخيصاً نهائياً، وتبقى في طور أدوات مساندة تدعم التقييم الإكلينيكي.البُعد الإنسانيتضيف نور المهيري، أن الحفاظ على البُعد الإنساني في العملية العلاجية يبقى ضرورياً باعتبار أن العلاقة المباشرة بين الطبيب والمريض تبقى ركناً أساسياً في العلاج النفسي، ولا يمكن للتقنيات الرقمية أن تحل محله، موضحة أهمية وجود أطر تنظيمية وقانونية تحدد آليات استخدام هذه التقنيات والمسؤوليات المهنية المرتبطة بها.واختتمت مدير إدارة الصحة النفسية في مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، قائلة إن المؤسسة تعمل على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عدد من المجالات الداعمة لعمليات التشخيص والعلاج، من بينها تطوير أنظمة دعم القرار الطبي، واستخدام أدوات التحليل التنبئي لرصد المخاطر الصحية، إلى جانب التوسع في الخدمات الصحية الرقمية والاستشارات الطبية عن بُعد.تبرز تجربة مستشفى الأمل للصحة النفسية بوصفها إحدى أبرز التجارب المحلية في هذا المجال، إذ يعد أول مستشفى متخصص معتمد دولياً من اللجنة الدولية المشتركة (JCI) في مجال الصحة النفسية على مستوى الشرق الأوسط، كما أنه حاصل على الاعتماد الدولي للصحة والسلامة المهنية من هيئة التصنيف البريطانية.ويوضح الدكتور عمار حميد البنا، مدير المستشفى، أن المؤسسة تعمل على دمج الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي ضمن برامج علاجية مبتكرة تهدف إلى تطوير نماذج الرعاية النفسية وتحسين تجربة المرضى، من بينها مشروع «الذكريات الاصطناعية»، الذي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لمساعدة كبار السن على استعادة الذكريات وتحفيز التفاعل المعرفي، بما يدعم الصحة النفسية ويحسن جودة الحياة. ويضيف أن المستشفى يوظف أدوات تحليل البيانات الضخمة وتقنيات تتبع حركة العين للكشف المبكر عن اضطرابات النمو العصبي، وعلى رأسها اضطراب طيف التوحد، ما يسهم في تعزيز دقة التشخيص وتسريع التدخل العلاجي في المراحل الأولى.