الذكاء الاصطناعي يدخل انتخابات إسرائيل… من يصنع رأي الناخب؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

فيديوات مصطنعة ورسائل على قياس الناخب ومحاولات للتأثير في إجابات روبوتات الدردشة... كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل معركة الانتخابات الإسرائيلية؟

بين فيديوات مصطنعة تستهدف الخصوم ومحاولات التأثير في إجابات روبوتات الدردشة، يدخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى انتخابات إسرائيل المقررة في تشرين الأول/أكتوبر المقبل. وتتسع المنافسة لتشمل صناعة المشاهد والروايات التي يتلقاها الناخب، والتأثير في المصادر التي يلجأ إليها لفهم خياراته السياسية.

وستكون هذه أول انتخابات إسرائيلية منذ هجمات 7 تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبتها في غزة والمنطقة. وإلى جانب الجدل حول أداء الحكومة ورئيسها بنيامين نتنياهو خلال إحدى أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ البلاد الحديث، تبرز أسئلة عن قدرة الناخب على التمييز بين الوقائع والمحتوى المصطنع، وحدود الرقابة على استخدام هذه الأدوات.

وقد بدأ الذكاء الاصطناعي يتحول إلى سلاح في المواجهة بين السياسيين أنفسهم. فنشر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق وزعيم حزب "ياشار" غادي آيزنكوت مقطعاً مولّداً بهذه التقنية، يظهر فيه نتنياهو نائماً في سريره، فيما تظهر على الشاشة تحذيرات من هجوم لـ"حماس".

لقطة شاشة لمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، نشره السياسي الاسرائيلي غادي آيزنكوت، تُظهر مقطع فيديو تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي يظهر نتنياهو نائمًا في سريره. (منصة اكس)

لقطة شاشة لمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي نشره سموتريتش تُظهر مقطع فيديو تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي لقضاة يُجرون في الشوارع بعد احتجاجهم على الحكومة. (منصة اكس)

وتكشف الأرقام حجم الظاهرة. فبحسب بحث تابع للجامعة المفتوحة في إسرائيل، جرى إنشاء نحو منشور واحد من كل 8 منشورات مرتبطة بالانتخابات أو تعديله باستخدام الذكاء الاصطناعي، فيما يقف "الليكود" وراء 46% من إجمالي هذه المنشورات.

ويتجاوز الاستخدام صناعة الصور والفيديوات إلى سعي حملات انتخابية لتحسين ظهور مرشحيها في إجابات روبوتات الدردشة، وسط مخاوف من نشر معلومات مضللة أو التشكيك في شرعية الانتخابات، بحسب "وول ستريت جورنال". وأمام سرعة انتشار المحتوى، تبدو الرقابة في سباق مع التكنولوجيا.

يرى مدير مرصد الوظيفة العامة والحكم الرشيد ومدير ماستر الإعلام والتواصل السياسي في جامعة القديس يوسف، البروفسور باسكال مونان، في حديث إلى "النهار"، أن الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف آليات التواصل السياسي جذرياً، من خلال الانتقال من التخطيط الاستراتيجي الطويل الأمد إلى الاستجابة في الوقت الفعلي.

تقليدياً، كانت الحملات الانتخابية تعتمد على إنتاج الملصقات والمنشورات والإعلانات التلفزيونية، بما يتطلبه ذلك من وقت للموافقة عليها وميزانيات ضخمة. أما اليوم، فيوضح مونان أنه بفضل الأدوات التوليدية، يستطيع فريق الحملة تصميم عشرات الصيغ لرسالة سياسية أو مقطع ساخر، وقياس استجابة الجمهور لها ونشرها خلال دقائق وبتكلفة ضئيلة.

وتتيح هذه السرعة، وفق مونان، استهدافاً سلوكياً بالغ الدقة، إذ تكيّف الخوارزميات العناصر المرئية والنبرة والحجج مع مخاوف مجموعات صغيرة جداً من الناخبين وقيمها واهتماماتها.

كذلك، يعيد ظهور "التزييف العميق" الصوتي والمرئي صوغ إدارة الأزمات، مع اضطرار الفرق السياسية إلى مواجهة صور مزيفة للواقع، إلى جانب الرد على حجج الخصوم. وفي مواجهة التدفق الفوري للمحتوى المصطنع، يجد مونان أن الجهات التنظيمية وهيئات مراقبة الانتخابات "تجد نفسها عاجزة هيكلياً"، بسبب بطء تكيّف الأطر القانونية مع التطور التكنولوجي.

ويعزو مونان قوة التأثير النفسي لهذه الأدوات إلى قدرتها على تجاوز الحذر الذي يبديه الناخب عادة تجاه الإعلان السياسي. فالناخب يدرك أن الإعلان التقليدي رسالة ترويجية، ما يدفعه إلى التعامل معه بشيء من الريبة والتحليل النقدي.

أما المحتوى المصطنع شديد الواقعية أو المصمم وفق اهتمامات المتلقي، فيندمج بصورة طبيعية في تدفق منشورات التواصل الاجتماعي، ويطمس، بحسب مونان، الحدود بين المعلومات الوقائعية والرأي والتلاعب.

ومن خلال مخاطبة مشاعر الخوف والسخط والانتماء الهوياتي، يرى أن هذا المحتوى يكتسب قدرة كبيرة على تشويه صورة المرشح. وتتجاوز المنافسة عندها الإقناع ببرنامج سياسي إلى "إغراق الفضاء الإعلامي بروايات بصرية مؤثرة تترسخ في الذاكرة البصرية للجمهور".

من جهته، يرى رئيس الاتحاد الدولي للتكنولوجيا والاتصالات، الدكتور محمد الكيالي، في حديث إلى "النهار"، أن تأثير الذكاء الاصطناعي في خيارات الناخبين يمتد إلى تشكيل الإدراك السياسي على مستويات عدة. ويبرز بينها "الاستهداف الدقيق"، الذي يسمح بتوليد آلاف النسخ من الرسائل السياسية، لتتلاءم كل نسخة مع اهتمامات شريحة محددة من الجمهور ومخاوفها.

ويذهب الكيالي إلى بُعد آخر في هذه المنافسة، يتمثل في استهداف الذكاء الاصطناعي نفسه بوصفه "وسيطاً معرفياً". فمع ظهور بوابات معرفية مرتبطة بمحركات البحث وتقنيات لتحسين الظهور في إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي، يتسع مجال التأثير ليشمل البيانات والمصادر التي تستند إليها هذه الأدوات.

وقد ينعكس ذلك، وفق الكيالي، على الإجابات التي يتلقاها المستخدم، وصولاً إلى "التوجيه الضمني للناخب"، عبر حجب حقائق موضوعية تتعلق بمرشح أو خصم سياسي، أو تقديم معلومات مزيفة أو مضللة. وهنا تصبح المعركة الانتخابية متصلة أيضاً بكيفية تكوين الإجابة التي يقرأها الناخب حين يسأل عن مرشحيه.