دخل الذكاء الاصطناعي إلى حياة أبنائنا قبل أن تقرر المدارس ماذا تفعل به فالطالب يستطيع اليوم أن يسأل أداة للذكاء الاصطناعي التوليدي فتحل له مسألة، أو تلخص كتاباً، أو تكتب تقريراً، أو تنتج صورة في ثوان، ولذلك لم يعد تساؤلنا: هل ندخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة؟ فهو موجود بالفعل خارجها وداخل أجهزة الطلاب بل يجب أن يكون تساؤلنا المشروع هو: هل ينبغي أن نعلّم الطالب الذكاء الاصطناعي نفسه، ثم سؤال أهم: ماذا نعني أصلاً بتعليمه؟
وقبل الإجابة ينبغي أن نزيل شيئاً من الخلط الذي يحيط بهذا الموضوع فليس كل استخدام للتقنية تعليماً للذكاء الاصطناعي، وليس كل تعليم للذكاء الاصطناعي تعليماً للذكاء الاصطناعي «التوليدي» الذي أحدث الضجة الآخيرة في عالمنا اليوم، ولكي نتحدث عن هذا الخلط نوضح أولاً أن استخدام الحاسوب والبرامج والمنصات التعليمية ينتمي إلى «المهارات الرقمية» وتعليم الطالب التسلسل والشروط والخوارزميات يدخل في التفكير الحاسوبي، أما تعليم الذكاء الاصطناعي فهو أن يعرف كيف يتعلم النظام الرقمي من البيانات، وكيف يصنف الصور، ولماذا يخطئ في التعرف إلى الوجوه أو الكلام أحياناً، وما أثر نوعية البيانات في نتائجه. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي (مثل ChatGPT وأدوات توليد الصور والصوت) فهو ذلك الذي يستطيع إنشاء محتوى جديد، وهذا التفريق ضروري، لأننا عندما نقول إن دولة ما بدأت «تعليم الذكاء الاصطناعي» لأطفال المدارس قد يتبادر إلى الذهن أنها وضعت ChatGPT في أيدي الأطفال، بينما قد يكون ما يتعلمونه هو شيء آخر.
ومن أشهر الأطر الدولية في هذا المجال مبادرة AI4K12 الأمريكية، التي تطور منذ عام 2018 إرشادات لتعليم الذكاء الاصطناعي من رياض الأطفال حتى نهاية المرحلة الثانوية، ولا تبني هذه المبادرة تصورها حول أداة بعينها، وإنما حول خمس أفكار رئيسة: كيف تدرك الحواسيب العالم من حولها، وكيف تمثل المعلومات وتستدل بها، وكيف تتعلم من البيانات، وكيف تتفاعل مع الإنسان، ثم ما الآثار الاجتماعية للذكاء الاصطناعي، وقد قسمت هذه المعارف بحسب المراحل K-2 و3-5 و6-8 و9-12، وهذا يقودنا إلى تفريق آخر لا يقل أهمية وهو: التعلم عن الذكاء الاصطناعي من جهة وأن نفهم كيف يختلف عن التعلم باستخدام الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، فيمكن أن يتعلم الطالب كيف تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي ولماذا تخطئ من دون أن يستخدمها في أداء واجبه، ويمكن في المقابل أن يستخدم طالب ChatGPT يومياً دون أن يعرف شيئاً ذا قيمة عن كيفية عمله أو حدود موثوقيته، وهناك مستوى ثالث حيث يتعلم الطالب تصميم نموذج أو تطبيق يستخدم الذكاء الاصطناعي، وهذه أهداف تربوية مختلفة ينبغي ألا توضع جميعاً في سلة واحدة، لكن هل هناك مبرر أصلاً لأن يتعلم جميع الطلاب شيئاً عن الذكاء الاصطناعي، أرى أن المبرر هنا أقوى من مجرد الحديث المتكرر عن «وظائف المستقبل». فالذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية مهنية خاصة بالمتخصصين بل أصبح وسيطاً ينتج المعلومات التي يقرأها الطالب والصور التي يراها والنصوص التي يتعامل معها، وقد يدخل في أنظمة التوصية والاختيار والتقويم واتخاذ القرار، ومن الصعب أن نعد طالباً مثقفاً رقمياً إذا كان يستخدم هذه الأنظمة ولا يعرف كيف تتعلم من البيانات، ولماذا يمكن أن تخطئ أو تتحيز، وكيف يختبر صحة مخرجاتها، ولهذا تؤكد مبادرة AI4K12 أن الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يبقى «صندوقاً أسود» أمام الطالب، بل ينبغي أن يفهم المتعلم بصورة تناسب عمره كيف تعمل هذه الأنظمة، وما حدودها وآثارها الاجتماعية، وفي الواقع فإني شخصيا أعتقد أن من يتخلف عن فهم كيف يعمل الذكاء الاصطناعي أو على الأقل لا يعرف كيف يقوم بتشغيله والإفادة منه يعتبر قد دخل بوابة أمية جديدة.
وقد بدأت بعض الأنظمة التعليمية بالفعل الانتقال من المبادرات المحدودة إلى سياسات أوسع. ففي سبتمبر الماضي أعلنت دائرة التعليم والمعرفة في أبوظبي توسيع مبادرة للثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى أكثر من 170 مدرسة خاصة، تمتد من رياض الأطفال حتى نهاية المرحلة الثانوية. واللافت أن الدائرة لا تتحدث عن مجرد تعليم استخدام الأدوات، وإنما عن مسار يبدأ ببناء التفكير النقدي والمنطقي، ثم ينتقل تدريجياً إلى تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي وتصميم حلول باستخدامه وفهم حوكمته ومسؤوليته. ولدينا لم يبدأ الأمر بنفس الطريقة (أقصد من أسفل المراحل التعليمية إلى أعلاها) وإنما بتركيز على المرحلة الثانوية، فقد أصدرت وزارة التعليم وسدايا في أبريل 2025 مقرراً بعنوان «مدخل إلى الذكاء الاصطناعي» لطلاب وطالبات الصف الثالث الثانوي، كما أصدرت قبل ذلك في يناير من العام نفسه دليلاً إرشادياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العام، يتناول آلية عمله ومخاطر استخدامه والاستخدام الأخلاقي له، بل وأسس صياغة الأوامر الموجهة إلى أدواته.
وخلاصة القول أن إجابة تساؤل مقالتنا هو نعم، ينبغي أن يتعلم الطالب عن الذكاء الاصطناعي؛ لأن الجهل بطريقة عمل تقنية تؤثر في المعرفة والقرار لم يعد خياراً تربوياً سليماً. لكن هذه الإجابة تفتح باب سؤال أصعب: ماذا نعلم الطفل في السادسة، وماذا نعلم طالب المتوسطة، ومتى نسمح له باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بنفسه؟ وهل يبدأ التعليم بالشاشة والأداة أم يمكن أن يبدأ من دون شاشة أصلاً؟ هذا ما سأتناوله في الجزء الثاني من هذه المقالة بإذن الله.
دخل الذكاء الاصطناعي إلى حياة أبنائنا قبل أن تقرر المدارس ماذا تفعل به فالطالب يستطيع اليوم أن يسأل أداة للذكاء الاصطناعي التوليدي فتحل له مسألة، أو تلخص كتاباً، أو تكتب تقريراً، أو تنتج صورة في ثوان، ولذلك لم يعد تساؤلنا: هل ندخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة؟ فهو موجود بالفعل خارجها وداخل أجهزة الطلاب بل يجب أن يكون تساؤلنا المشروع هو: هل ينبغي أن نعلّم الطالب الذكاء الاصطناعي نفسه، ثم سؤال أهم: ماذا نعني أصلاً بتعليمه؟
وقبل الإجابة ينبغي أن نزيل شيئاً من الخلط الذي يحيط بهذا الموضوع فليس كل استخدام للتقنية تعليماً للذكاء الاصطناعي، وليس كل تعليم للذكاء الاصطناعي تعليماً للذكاء الاصطناعي «التوليدي» الذي أحدث الضجة الآخيرة في عالمنا اليوم، ولكي نتحدث عن هذا الخلط نوضح أولاً أن استخدام الحاسوب والبرامج والمنصات التعليمية ينتمي إلى «المهارات الرقمية» وتعليم الطالب التسلسل والشروط والخوارزميات يدخل في التفكير الحاسوبي، أما تعليم الذكاء الاصطناعي فهو أن يعرف كيف يتعلم النظام الرقمي من البيانات، وكيف يصنف الصور، ولماذا يخطئ في التعرف إلى الوجوه أو الكلام أحياناً، وما أثر نوعية البيانات في نتائجه. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي (مثل ChatGPT وأدوات توليد الصور والصوت) فهو ذلك الذي يستطيع إنشاء محتوى جديد، وهذا التفريق ضروري، لأننا عندما نقول إن دولة ما بدأت «تعليم الذكاء الاصطناعي» لأطفال المدارس قد يتبادر إلى الذهن أنها وضعت ChatGPT في أيدي الأطفال، بينما قد يكون ما يتعلمونه هو شيء آخر.