الذكاء الاصطناعي في العمل المتحفي

إلى أي مدى تستطيع فرق العمل المتحفي مواكبة مخرجات أدوات الذكاء الاصطناعي والتحقق من دقتها؟ سؤال لا يزال غائباً عن الحوار المتحفي، رغم أن المتاحف تواجهه كل يوم. فالمهام الروتينية التي كانت تستغرق ساعات باتت تُنجَز في دقائق، غير أن الوقت الذي يوفّره الإنتاج قد يقابله وقت إضافي للمراجعة. الذكاء الاصطناعي أداة تسريع تضاعف ما ينجزه الفريق، لكنها لا تضاعف عدد الخبراء القادرين على مراجعته. وهذا التفاوت بين سرعة الآلة وبطء الخبرة البشرية هو ما سيحدد مستقبل هذه التقنية في المتاحف، أكثر من أي قائمة بتطبيقاتها المفيدة. لكن هذه الفجوة لا تتسع بالقدر نفسه في كل المهام. في الصون المادي، تبدو الفجوة محدودة، إذ تحلّل الأنظمة بيانات الرطوبة والحرارة والإضاءة، وتتنبأ بتدهور القطعة قبل ظهوره للعين المجردة، ويبقى دور الخبير واضحاً في تلقّي التنبيه واتخاذ قرار بالتدخل، لأن المهمة رقمية وقابلة للقياس. وكذلك في الفهرسة، إذ يقترح الذكاء الاصطناعي تصنيفات أولية لآلاف القطع، ويراجعها أمين المجموعة قبل اعتمادها، فتظل سرعة الآلة محكومة بإيقاع المراجعة البشرية. لكن الفجوة تتسع سريعاً عندما تنتقل الآلة من «رصد البيانات» إلى «صياغة المعرفة»، أي حين تَكتب المحتوى التاريخي والفني للقطع. لأن النماذج اللغوية في ادوات الذكاء الاصطناعي معروفة بميلها إلى «الهلوسة» فتقوم بتوليد معلومات مقنعة لكنها غير دقيقة أو مختلَقة. وهو ما حدث في متحف ناشر للفنون بجامعة ديوك الأمريكية «Nasher Museum of Art»، أطلق المتحف تجربة فريدة تحت عنوان «تصرف كما لو كنت قيماً فنياً» وأُعطيت الصلاحية الكاملة للذكاء الاصطناعي لاختيار الأعمال الفنية من مخازن المتحف وكتابة بطاقات الشرح لها. اختارت اداة الذكاء الاصطناعي لوحة تجريدية، بدون عنوان، مكونة من ألوان الأكريليك على الورق للتشكيلية دورثي دينر «Dorothy Dehner» لعام 1962م، وشرحها بأنها «منحوتة آسرة» بدل «لوحة ثنائية الأبعاد» بالإضافة الى وصف عام مغلوط. ولم تنكشف هذه الأخطاء إلا بمراجعة متخصصة قرر بعدها الفريق عدم تصحيح الخطأ، بل وإضافة الشروح التصحيحية بجوار النصوص المغلوطة لتوضح للجمهور هلوسات الذكاء الاصطناعي بهدف ابراز حدود التكنولوجيا وأهمية الرقابة البشرية. والمهم في هذه الحادثة ليس الخطأ ذاته، فالبشر يخطئون أيضاً، لكن لأن الآلة أنتجته بثقة لا تقل عن ثقتها حين تكون مُحقّة؛ إذ لا تملك الآلة القدرة على تمييز المعلومة المتحقَّق منها من المختلَقة، وهذا ما يجعل مراجعة مخرجاتها بطيئة بطبيعتها مهما تسارع إنتاجها. ويزداد الأمر حساسية إذا تذكّرنا أن ما يكتبه المتحف لا يُقرأ كما تُقرأ أي معلومة عابرة، فالزائر يستقي من معروضات المتحف مطمئناً إلى أن ما فيها من معرفة قد مرّ على أهل الاختصاص، وربما نقله بعد ذلك في بحث أو درس أو حديث مع غيره، فتخرج المعلومة من القاعة محمّلة باسم المتحف وثقة جمهوره به. ولهذا فإن الخطأ الذي يتسلل إلى هذه النصوص لا يُحسب على الأداة التي أنتجته وإنما على المؤسسة التي سمحت بنشره. لذا ينبغي أن تضع المتاحف في اعتبارها وهي تتوسع في استخدام هذه التقنيات، أن الناس لم يقصدوها يوماً لأنها الأسرع في تقديم المعرفة، وإنما لأنهم يثقون بما تقدّمه. وهذه الثقة التي بنتها مع الجمهور عبر سنوات طويلة من البحث والتدقيق تستحق أن تُصان بعناية، ولو كان الثمن أن يتأخر النص أياماً قبل أن يأخذ مكانه بجوار القطعة.