لم تعد الأسئلة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي محصورة في قدرته على تغيير سوق العمل أو إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي أو التأثير في مستقبل المعرفة. فمع التوسع المتسارع في استخدام النماذج الذكية، برز سؤال بيئي أكثر حساسية يتعلق بالمياه، بعدما أصبحت مراكز البيانات العملاقة التي تشغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي تستهلك كميات متزايدة من الكهرباء والمياه اللازمة لتبريد الخوادم وإنتاج الطاقة التي تشغلها. وتحول هذا الملف خلال الفترة الأخيرة إلى قضية عامة في الولايات المتحدة، خصوصاً في الولايات التي تشهد توسعاً كبيراً في إنشاء مراكز البيانات. وشهدت ولايات مثل تكساس ونيو مكسيكو وأريزونا احتجاجات من سكان ومجموعات بيئية على التوسع في هذه المنشآت، وسط مخاوف من أن تتحول مراكز البيانات إلى منافس جديد على الموارد المائية في مناطق تعاني أصلاً من الجفاف أو الإجهاد المائي. وتبدو المخاوف مفهومة في ظل النمو غير المسبوق في البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي. غير أن السؤال العلمي لا يتمثل في معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يستهلك المياه فحسب، وإنما في تحديد حجم هذا الاستهلاك ومكان حدوثه وطبيعته، وما إذا كان يمكن احتواؤه من خلال التكنولوجيا واختيار مواقع مراكز البيانات ومصادر الطاقة. الأرقام تكشف جانباً من الصورة. فقد قدر مختبر لورانس بيركلي الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية أن مراكز البيانات في الولايات المتحدة استهلكت مباشرة نحو 66 مليار لتر من المياه في عام 2023، مقارنة بنحو 21.2 مليار لتر في عام 2014، أي أن الاستهلاك المباشر تضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال أقل من عقد. وتشير تقديرات المختبر إلى أن مراكز البيانات فائقة الحجم ومراكز الاستضافة المشتركة أصبحت تمثل الجزء الأكبر من هذا الاستهلاك. لكن الرقم السابق لا يمثل الصورة الكاملة، لأن المياه لا تدخل فقط في عملية تبريد الخوادم. فإنتاج الكهرباء التي تحتاج إليها مراكز البيانات يفرض بدوره بصمة مائية، خصوصاً عندما تأتي الطاقة من محطات حرارية تستخدم المياه في عمليات التبريد. ووفق تقديرات منشورة تستند إلى بيانات مختبر لورانس بيركلي، بلغ الاستهلاك المائي غير المباشر المرتبط بالكهرباء التي استخدمتها مراكز البيانات الأمريكية قرابة 800 مليار لتر في عام 2023، وهو رقم أكبر بكثير من الاستهلاك المباشر داخل المنشآت. وهنا تتضح إحدى أهم المفارقات في النقاش. فالمركز الذي يستهلك كمية محدودة من المياه داخل منشأته قد يكون مرتبطاً بشبكة كهرباء تعتمد على مصادر طاقة ذات بصمة مائية مرتفعة. وفي المقابل، يمكن لمركز آخر يستخدم أنظمة تبريد مائية أكثر مباشرة أن يخفض بصمته الإجمالية إذا كان يعتمد على كهرباء من مصادر أقل استهلاكاً للمياه. لذلك فإن الحديث عن "مياه الذكاء الاصطناعي" باعتبارها كمية واحدة ثابتة لكل سؤال أو عملية بحث قد يؤدي إلى تبسيط مخل للمشكلة. تداولت دراسات وتقارير أرقاماً مختلفة حول كمية المياه المرتبطة بطلبات الذكاء الاصطناعي، ومن بينها تقديرات سابقة تحدثت عن مئات الملليلترات لعدد من الاستجابات أو المهام. لكن هذه الأرقام ليست معياراً ثابتاً؛ فهي تتغير وفق النموذج المستخدم، وطول الإجابة، ونوع المعالجة، وكفاءة الخوادم، وموقع مركز البيانات، والطقس، وطريقة إنتاج الكهرباء. وفي المقابل، قدمت جوجل في أغسطس 2025 قياساً أكثر تحديداً لاستخدام نموذج جيميني، وقدرت أن الطلب النصي الوسيط في تطبيق Gemini يستهلك نحو 0.26 ملليلتر من المياه، أي ما يعادل قرابة خمس قطرات، وفق منهجية الشركة لقياس الأثر البيئي لعمليات الاستدلال. ولا يعني ذلك أن كل طلب للذكاء الاصطناعي يستهلك خمس قطرات من المياه بالضبط، كما لا يعني أن الأرقام الأكبر المتداولة خاطئة بالضرورة. فالاختلاف يعكس اختلاف طرق القياس وحدود الحساب. وهذا التفصيل مهم، لأن المقارنة بين طلب واحد وبين إجمالي استهلاك مركز بيانات أو قطاع كامل يمكن أن تعطي انطباعات مضللة إذا لم تؤخذ في الاعتبار البنية التحتية التي تقف خلف الخدمة. المشكلة الحقيقية تبدأ من التراكم قد تبدو كمية المياه المرتبطة بطلب فردي ضئيلة، لكنها تصبح ذات أثر مختلف عندما تتحول الخدمة إلى بنية رقمية يستخدمها مئات الملايين من الأشخاص، وعندما تتضاعف قدرات النماذج وتنتقل تطبيقات الذكاء الاصطناعي من الإجابة عن الأسئلة إلى تشغيل وكلاء ذكيين وإنتاج الصور والفيديو وتحليل البيانات وتنفيذ المهام بصورة مستمرة. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات ارتفع بنحو 17 في المئة خلال عام 2025، فيما نما استهلاك مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع بكثير. وتتوقع الوكالة أن يتضاعف استهلاك الكهرباء لمراكز البيانات عالمياً بحلول 2030، بينما يمكن أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي بنحو ثلاث مرات خلال الفترة نفسها. وهذه الزيادة تعني أن السؤال المتعلق بالمياه لن يختفي حتى لو انخفض استهلاك كل عملية حوسبة على حدة. فالتحسن في الكفاءة قد يواجهه ارتفاع هائل في حجم الاستخدام، وهي ظاهرة معروفة في الاقتصاد والتكنولوجيا عندما يؤدي انخفاض تكلفة الخدمة إلى زيادة الطلب عليها. وتشير دراسة نشرت في مجلة Nature Sustainability وقادها باحثون من بينهم فنغتشي يو من جامعة كورنيل إلى أن التوسع المتوقع في خوادم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة يمكن أن يؤدي بحلول عام 2030 إلى استهلاك يتراوح بين 731 و1125 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، أي نحو 731 إلى 1125 مليار لتر، إذا استمرت اتجاهات النمو الحالية. وتقدر الدراسة كذلك إمكانية خفض البصمة المائية بما يصل إلى 86 في المئة من خلال الجمع بين اختيار المواقع المناسبة وتسريع إزالة الكربون من شبكة الكهرباء وتحسين الكفاءة التشغيلية. وهذا الرقم لا يعني أن الذكاء الاصطناعي سيستهلك تلقائياً هذه الكمية في كل الأحوال، بل يمثل سيناريوهات لنمو البنية التحتية الأمريكية. وتكمن أهمية الدراسة في أنها تنقل النقاش من سؤال "كم تستهلك الآلة؟" إلى سؤال أكثر أهمية: "أين نبني الآلة وكيف نشغلها؟". الموقع الجغرافي يمكن أن يكون جزءاً كبيراً من الحل إن بناء مركز بيانات ضخم في منطقة تعاني أصلاً من الجفاف والإجهاد المائي قد يخلق ضغطاً محلياً أكبر بكثير من بناء المنشأة نفسها في منطقة تتوافر فيها المياه وتملك قدرة أكبر على تحمل الطلب الإضافي. ولهذا أصبحت جغرافيا مراكز البيانات جزءاً من النقاش حول استدامة الذكاء الاصطناعي. ولا يتعلق الأمر بالمياه وحدها. فاختيار موقع المركز يحدد أيضاً مصدر الكهرباء المتاحة، ودرجة الحرارة المحيطة، والحاجة إلى التبريد، ومدى الاعتماد على محطات الغاز أو الفحم أو مصادر الطاقة المتجددة. وتؤكد الدراسات الحديثة أن الانتقال إلى مصادر الطاقة الشمسية والرياح يمكن أن يخفض جزءاً من البصمة المائية غير المباشرة المرتبطة بإنتاج الكهرباء، لأن بعض تقنيات الطاقة المتجددة لا تحتاج إلى كميات المياه نفسها التي تحتاج إليها محطات التوليد الحرارية. وهنا يصبح التحول في قطاع الطاقة جزءاً من الحل لمشكلة مياه الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ، وإنما يعتمد على شبكة ضخمة من الرقائق والخوادم ومراكز البيانات ومحطات الكهرباء وشبكات النقل والتبريد. وكلما أصبحت هذه المنظومة أكثر كفاءة وأقل اعتماداً على المياه، انخفضت بصمتها البيئية. أما الجانب الآخر من المعادلة فيتمثل في تقنيات التبريد. الخوادم الحديثة، وخاصة وحدات معالجة الرسوميات والرقائق المستخدمة في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، تنتج مستويات عالية من الحرارة. وكلما ارتفعت كثافة الحوسبة داخل الخوادم، أصبح التخلص من الحرارة أكثر تحدياً. في الأنظمة التقليدية، يمكن استخدام أبراج التبريد التي تعتمد على تبخير المياه للتخلص من الحرارة. وتمتاز هذه الطريقة بكفاءة جيدة في تقليل استهلاك الكهرباء، لكنها تستهلك المياه. أما أنظمة التبريد الهوائي أو الأنظمة المغلقة فتقلل استهلاك المياه، لكنها قد تتطلب طاقة إضافية في بعض الظروف. وهذه المفاضلة بين الماء والطاقة تعد من أهم القضايا الهندسية في تصميم مراكز البيانات الجديدة. فخفض استهلاك المياه ليس دائماً مجانياً من الناحية الطاقية، والعكس صحيح. التكنولوجيا بدأت تغير هذه المعادلة تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى على تطوير أنظمة تبريد مباشر للرقائق، بحيث يتم نقل الحرارة من سطح المعالج بدلاً من تبريد الهواء داخل المنشأة بأكملها. وتتيح الأنظمة المغلقة تدوير السائل المستخدم في التبريد بدلاً من استهلاك مياه جديدة باستمرار. وتقول مايكروسوفت إن تصميمات مراكز البيانات الجديدة التي أطلقتها منذ عام 2024 لدعم أحمال الذكاء الاصطناعي تستخدم نظام تبريد مباشر للرقائق في حلقة مغلقة، بما يسمح بتبريد الأجهزة دون تبخير المياه. وتقدر الشركة أن التصميم يمكن أن يتجنب استخدام أكثر من 125 مليون لتر من المياه سنوياً لكل مركز بيانات مقارنة بالتصميمات التي تعتمد على التبريد التبخيري. كما تشير الشركة إلى أن متوسط كفاءة استخدام المياه في مراكز بياناتها بلغ 0.27 لتر لكل كيلوواط ساعة في عام 2025، مقارنة بـ2.3 لتر لكل كيلوواط ساعة في أجيالها الأولى من مراكز البيانات، أي تحسن يقارب 90 في المئة. وتتبع أمازون مساراً مشابهاً. وتقول الشركة إن مراكز بياناتها حققت في عام 2025 كفاءة استخدام للمياه بلغت 0.12 لتر لكل كيلوواط ساعة، وإنها أصبحت أكثر كفاءة بنحو سبع مرات من متوسط القطاع وفق منهجية القياس التي تستخدمها. كما أعلنت أنها وصلت إلى 75 في المئة من الطريق نحو هدف تحقيق "إيجابية مائية" بحلول 2030، أي إعادة كميات من المياه إلى المجتمعات والبيئة تفوق ما تستهلكه عملياتها المباشرة. لكن الوعود والاستثمارات التقنية لا تلغي الحاجة إلى الرقابة والشفافية. إحدى المشكلات الأساسية في ملف المياه هي تفاوت البيانات المتاحة للجمهور. فالاستهلاك لا يتساوى بين مركز وآخر، كما أن بعض الشركات تنشر مؤشرات للكفاءة ولا تنشر بالضرورة تفاصيل كاملة عن كل منشأة أو كل مصدر للمياه. وهذا يجعل المقارنة بين الشركات والمناطق أمراً معقداً. كما أن الفرق بين سحب المياه واستهلاكها يمثل نقطة مهمة في فهم الأرقام. فقد تسحب المنشأة كمية من المياه من شبكة أو مصدر محلي، ثم تعيد جزءاً منها بعد استخدامها، بينما يمثل الاستهلاك الكمية التي لا تعود إلى المصدر نفسه، وغالباً بسبب التبخر. ولذلك فإن استخدام مصطلح "الاستهلاك" و"السحب" بصورة متبادلة يمكن أن يضخم أو يقلل من فهم حجم التأثير الفعلي. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تكون المنشأة في منطقة تعاني من شح المياه. فالمشكلة البيئية ليست دائماً في إجمالي كمية المياه على المستوى الوطني، وإنما في الضغط الذي تفرضه منشأة ضخمة على حوض مائي أو شبكة مياه محلية. وقد تكون كمية تبدو محدودة على المستوى الوطني ذات تأثير ملموس على مدينة أو مجتمع صغير إذا تزامن استهلاكها مع موجة جفاف أو انخفاض في المخزون الجوفي. تستهلك مراكز البيانات كمية من المياه فالزراعة تظل من أكبر مستخدمي المياه في كثير من الاقتصادات، ولا يمكن وضع مركز بيانات واحد في مقارنة مباشرة مع قطاع زراعي كامل. السؤال الأكثر دقة هو: هل يضيف مركز البيانات طلباً مائياً جديداً إلى منطقة تعاني أصلاً من الإجهاد المائي؟ وهل يستخدم مياه الشرب أم المياه المعالجة؟ وهل توجد بنية تحتية كافية؟ وهل تتحمل شبكة المياه المحلية الطلب الجديد؟ وهل تعوض الشركة المجتمع عن المياه التي تستهلكها؟ كما أن استخدام المياه المعالجة أو المعاد تدويرها يمكن أن يقلل الضغط على مصادر مياه الشرب. وتقول أمازون إنها تستخدم المياه المعاد تدويرها في 24 مركز بيانات حول العالم، وتعتزم توسيع استخدامها في أكثر من 120 موقعاً في الولايات المتحدة بحلول عام 2030. وفي المقابل، تتجه مايكروسوفت إلى تقليل الحاجة إلى المياه من الأصل من خلال تصميم مراكز بيانات لا تعتمد على التبخر في عملية التبريد، إضافة إلى استخدام المياه المعالجة ومشروعات إعادة تغذية الأحواض المائية. المشهد إذن لا يتجه في اتجاه واحد. هناك من جهة توسع هائل في الطلب على الذكاء الاصطناعي، وارتفاع في عدد مراكز البيانات، وزيادة في كثافة الحوسبة، وحاجة متصاعدة إلى الكهرباء والتبريد. ومن جهة أخرى، هناك تحسن سريع في كفاءة الرقائق والخوادم وأنظمة التبريد، وتوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة والمياه المعالجة، وتغير في طريقة تصميم مراكز البيانات. ولهذا فإن الإجابة عن سؤال: "هل يتسبب الذكاء الاصطناعي في أزمة مياه على كوكب الأرض؟" تحتاج إلى قدر من الدقة. الذكاء الاصطناعي ليس المصدر الأكبر لاستهلاك المياه عالمياً، ولا تشير البيانات المتاحة إلى أن مراكز البيانات وحدها ستقود إلى أزمة مياه عالمية. لكن التوسع المتسارع في الذكاء الاصطناعي يضيف طلباً جديداً على المياه والطاقة، ويمكن أن يصبح هذا الطلب مشكلة حقيقية في المناطق التي تعاني من الجفاف أو ضعف البنية التحتية المائية. الخطر الأكبر ليس في ملايين الأسئلة الفردية التي يطرحها المستخدمون على النماذج الذكية، وإنما في البنية التحتية الضخمة التي تقف خلفها، وفي السباق العالمي لإنشاء مراكز بيانات أكبر وأكثر كثافة وقدرة على تشغيل نماذج متقدمة. وكلما انتقلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي من الاستخدام المحدود إلى التشغيل المستمر داخل السيارات والمصانع والمكاتب والهواتف وأنظمة البحث والوكلاء الرقميين، سيزداد الطلب على الحوسبة. وقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن تحسين الكفاءة لكل مهمة لا يمنع بالضرورة ارتفاع الاستهلاك الإجمالي، لأن عدد المهام واستخدامات الذكاء الاصطناعي يتزايدان بسرعة. المعادلة المقبلة ستكون بين السرعة والاستدامة إذا استمرت شركات التكنولوجيا في بناء مراكز البيانات بالطريقة التقليدية نفسها، وفي المواقع نفسها، وبالاعتماد على مصادر كهرباء ومياه كثيفة الاستهلاك، فإن البصمة المائية للذكاء الاصطناعي ستتسع. أما إذا اقترنت زيادة القدرة الحوسبية بتطوير الرقائق، وتحسين كفاءة مراكز البيانات، واستخدام التبريد المغلق، وإعادة تدوير المياه، والاستفادة من المياه المعالجة، واختيار المواقع وفق معايير مائية ومناخية دقيقة، وربط المنشآت بمصادر طاقة منخفضة الاستهلاك للمياه، فإن نمو الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحدث ببصمة مائية أقل بكثير.