هذا مقتطف من كتاب (الإتقان) للكاتب الأمريكي روبرت غرين
الذكاء الاجتماعي: مفتاح الإتقان في العمل والحياة
في عالم تتشابك فيه العلاقات الإنسانية وتتداخل المصالح، يبرز الذكاء الاجتماعي كأداة لا غنى عنها للنجاح والتفوق. فمن يعرقل جهودك أو يسعى إلى التخريب خفية، متظاهرًا أمامك بالمودة والألفة، يحتاج منك نظرة ثاقبة تتجاوز المظهر الخارجي إلى جوهر الأفعال. وفي حال تهرب منك، أو ماطل في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإنجاز شيء مهم، أو جعلك تشعر بالذنب أو التردد من غير سبب واضح، أو تصرف بصورة مؤذية جاعلاً الأمر يبدو حادثًا عرضيًا؛ فإنك على الأرجح تتعرض لهجوم سلبي عدواني.
إن تطوير الذكاء الاجتماعي لا يقتصر أثره على مساعدتك في إدارة العلاقات مع الآخرين، بل إن اكتسابه يؤثر إيجابًا في طرائق تفكيرك وفي إبداعك عمومًا. لننظر إلى بنيامين فرانكلين مثالاً؛ فقد هُذب في تعامله مع الناس القدرة على التركيز في التفاصيل التي تجعل كل منهم فريدًا من نوعه، وكذا الاتصال بتجاربهم ودوافعهم. لقد عمل على بناء منزلة عالية من الحساسية تجاه دقائق الطبيعة البشرية، وتجنب الميل الشائع إلى إصدار أحكام عامة على الناس، ونجح في توطين نفسه على الصبر لدرجة غير مألوفة وعلى الانفتاح العقلي في تعامله مع الأشخاص من مختلف الثقافات والخلفيات.
تذكر: الدماغ البشري هو جهاز مترابط في داخله، ومترابط أيضًا مع أعضاء الجسد. لقد تطورت أدمغتنا جنبًا إلى جنب مع قوانا وقدراتنا المتوسعة لأننا من الرئيسيات الاجتماعية. ولهذا فإن صقل الخلايا العصبية المرآة بغرض تحسين الاتصال بالآخرين أصبح له تطبيقات لا تقل أهمية عن أشكال أخرى من التفكير. إن القدرة على التفكير في داخل الأشياء والظواهر هي جزء لا يتجزأ من الإبداع، بدءًا بشعور فاراداي بالكهرباء، وانتهاءً بتجارب أينشتاين الفكرية.
بوجه عام، فإن أعظم العباقرة الذين أتقنوا فنونهم وبرعوا على مر التاريخ، مثل: ليوناردو، وموزارت، وداروين، أظهروا طريقة في التفكير تمتاز بالمرونة والحساسية، وتطورت لديهم جنبًا إلى جنب مع توسيع ذكائهم الاجتماعي. أما أولئك الذين هم أكثر جمودًا في تفكيرهم، ويتجهون إلى الداخل في تعاملاتهم، فيمكنهم تحقيق بعض النجاح في حقولهم، ولكن عملهم غالبًا يفتقر إلى الإبداع والانفتاح والحساسية تجاه التفاصيل التي تصبح أكثر وضوحًا مع مرور الوقت.
قصة إيغناز سِملُوايس: مأساة العبقري المنعزل
في عام 1846م، بدأ طبيب مجري يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ويدعى إيغناز سِملُوايس، عمله مساعدًا في قسم التوليد بجامعة فينا. منذ بداية عمله كان رجلاً مهووسًا؛ إذ كانت حمى النفاس هي المرض الكبير الذي تعانيه أقسام الولادة بأوروبا في ذلك الوقت. في المستشفى الذي عمل فيه، كانت أم واحدة من كل ست أمهات تلقى حتفها بسبب هذا المرض بعد مدة قصيرة من الولادة.
حين شُرحت جثثهن، اكتشف الأطباء أن قيحًا أبيض اللون ذا رائحة كريهة كان موجودًا فيهن جميعًا، بالإضافة إلى عدد كبير من الأنسجة المتعفنة. وبعد رؤية آثار هذا المرض كل يوم تقريبًا، لم يكن سِملُوايس يفكر في أي شيء آخر، وقرر أن يخصص وقته لحل هذا اللغز من أصله.
في ذلك الوقت، كان التفسير الأكثر شيوعًا لسبب المرض هو وجود جسيمات محمولة في الهواء تدخل الجسم عن طريق الرئتين. ولكن سِملُوايس لاحظ - مثلما فعل عدد قليل من الأطباء- أن نسبة الإصابة بالمرض كانت أعلى بين النساء اللاتي تولى توليدهن أطباء مقارنة بمن ولدتهن قابلات. وبعد الكثير من التفكير والبحث، توصل إلى استنتاج مروع: الاتصال المباشر من اليد إلى اليد بين الطبيب والمريض هو الذي يتسبب في هذا الوباء.
كان سِملُوايس على أعتاب اكتشاف علمي كبير، ولكن رئيس القسم يوهان كالين، وهو من أكثر الرجال المحافظين، رفض نظريته. أصر كالين على أن سِملُوايس ما هو إلا طبيب عديم الخبرة ومتطرف يريد أن يحدث اضطرابًا في المؤسسة الطبية.
ولمَّا قام سِملُوايس بنشر نظريته، شعر كالين بالغضب؛ ذلك أن فحوى النظرية تؤكد أن الأطباء يقتلون مرضاهم. رفض كالين تجديد عقد سِملُوايس، وترك الشاب من دون وظيفة. بدلاً من أن يركز على تأليف كتاب وتجارب منضبطة لدعم نظريته، انغمس سِملُوايس في معركة شخصية مع كالين. نشر سلسلة من المحاضرات، لكنها كانت مليئة بالهجوم على خصومه بدلاً من تقديم حجج علمية مقنعة.
في عام 1860م، وبضغط من الزملاء، قرر سِملُوايس تأليف كتابه. لكن الكتاب تضخم ليصبح 600 صفحة من النقد اللاذع والأفكار المكررة، وتحولت حججه إلى جدل عنيف وتعريض بالأطباء الذين عارضوه واصفًا إياهم بالقتلة والمجرمين. خرج خصومه من عزلتهم، وتمكنوا من الطعن بحججه، وحتى حلفاؤه السابقون تخلوا عنه. أصبح سلوكه أكثر تكلفًا وشذوذًا، حتى فصل من المستشفى، وأضحى مفلسًا، وتخلى عنه الجميع، وتوفي عام 1865م عن عمر يناهز 47 عامًا.
في عام 1602م، بدأ الإنجليزي وليام هارفي يفكر في وظيفة القلب متشككًا في النظريات التقليدية التي تعود إلى جالينوس في القرن الثاني. كانت النظريات السائدة ترى أن الدم يُصنع في الكبد والقلب، وينتقل عبر الأوردة ليُستهلك، ولا يعود مرة أخرى.
أزعج هارفي سؤال واحد: ما كمية الدم الموجودة في الجسم؟ كيف يمكن للجسم أن ينتج هذه الكمية الكبيرة من الدم ويستهلكها؟ طوال السنوات التي تلت ذلك، ازدهرت حياته المهنية في الطب، وبلغت ذروتها بتعيينه طبيبًا خاصًا للملك جيمس الأول.
أدرك هارفي أن نظريته الجديدة راديكالية وستُسقط مفاهيم راسخة منذ قرون. بدلاً من التسرع في النشر، وضع إستراتيجية دقيقة:
- أخر نشر نتائجه حتى يرسخ نظريته ويجمع المزيد من الأدلة.
- أشرك زملاء في تجاربه، واستقصى آراءهم، وكسب معظمهم إلى جانبه.
- كان دبلوماسيًا في القصر الملكي، وتجنب الانحياز والمكائد.
- نشر كتابه بأسلوب علمي واضح، دون أي نقد شخصي لأقرانه.
في المقابل بين القصتين، نجد أن سِملُوايس تجاهل الذكاء الاجتماعي تمامًا، فكان كل ما هو مهم في نظره هو الحقيقة. ومن فرط حماسته استعدى كالين، وخسر منصبًا مهمًا يمكنه من نشر أفكاره.
أما هارفي فكان يدرك أنه حتى العلماء يجب أن يكون لديهم حساسية تجاه الآخرين. نشر نتائجه في كتاب محكم السبك، قوي الحجج، سهل القراءة، ثم ترك كتابه ليتحدث عن نفسه.
إن عملك هو أعظم وسيلة تملكها للتعبير عن ذكائك الاجتماعي. فأنت حين تكون على قدر من الكفاءة، وتراعي التفاصيل الدقيقة فيما تفعله، فإنك تستثير تفكير المجموعة كلها وتُعزز قضيتها. وحين يكون ما تكتبه أو تقدمه واضحًا وسهل المتابعة، فإنك تُظهر اهتمامك بمن يستمع إليك. وحين تشرك الآخرين في مشروعاتك وتتقبل ملحوظاتهم ونقدهم برفق ولين، فإنك تكشف ارتياحك لديناميكية المجموعة.
الجزء الثاني: إستراتيجيتا «اصنع الشخصية التي تناسب طبيعتك» و»انظر إلى نفسك بعيون الآخرين».
الإستراتيجية الثانية: اصنع الشخصية التي تناسب طبيعتك
قصة تيريسيتا فرنانديز: رحلة البحث عن الذات
في مرحلة مبكرة من حياتها، كانت تيريسيتا فرنانديز تشعر أنها تراقب العالم من حولها من مسافة بعيدة. عاشت بداية صباها في مدينة ميامي، وكانت تراقب الكبار وتتنصت على أحاديثهم، في محاولة لفك أسرار عالمهم الغريب. في المدرسة الثانوية، لم تجد في أي من الزمر الشبابية ما يتواءم مع طبيعتها، فآثرت البقاء في الخارج.