الدين والفتنة: من التمزق إلى الخلاص – صالح الشادي

شهدت أوروبا حروباً دينية طاحنة، مزقت القارة سنوات طويلة، وكانت في جوهرها صراعات سياسية على النفوذ والسلطة أكثر منها صراعات على العقيدة.

ثم تكرر المشهد في كوسوفو، حيث تحول الصراع العرقي إلى حرب دينية، وفي الهند، حيث استخدمت بريطانيا سياسة «فرّق تسد» لتقسيم شبه القارة، فانتهى الأمر بتهجير وقتل واغتصاب على نطاق هائل. وفي السودان، فُصل الجنوب عن الشمال تحت عنوان الانقسام الديني، بعد حروب أهلية استمرت عقوداً.

وفي مصر وبعض الدول، استُخدم الخطاب الديني في الصراع السياسي، حتى تحول الدين من جامعة إلى أداة تفريق.

ثم جاءت الثورة الخمينية في إيران لتضيف طبقة جديدة من الانقسام، إذ رفعت شعار «تصدير الثورة»، وبنَت شبكة من الميليشيات في العراق ولبنان وسوريا واليمن، فتحولت المنطقة إلى ساحات مفتوحة للاستنزاف.

وتفاقم الانقسام الشيعي السني حتى وصل إلى القتل والتفتيت في العراق ولبنان واليمن وسوريا، بينما ظلت الدولة الصهيونية تراقب وتستفيد، ساعية إلى فرض أمر واقع يخدم مشروعها التوسعي. وهكذا لم يعد الدين وسيلة للربط والتقارب، بل أصبح في أيدي الخبثاء وسيلة للتفكيك والإضعاف والتشرذم، يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويحرّفون مقاصد الشريعة، ويخوضون فيما مضى، ويحيون قصص الماضي المتناقلة تحريفاً وتصريفاً.

ما الذي يحدث؟ وكيف السبيل إلى الخلاص؟ الأمر لم يعد يُطاق، والأحداث تزداد سوءاً، والمشكلة الكبرى أن كل طائفة أو مذهب أو طريقة يعتقدون أنهم وحدهم على صواب، وأن غيرهم مجانب للحق، إن لم يكن كافراً. أجيال تربت على مفاهيم خاطئة صارت من المسلمات التي لا جدل فيها ولا نقاش، وزُيّن لهم الشيطان أعمالهم، فتداخلت لعبة السياسة بعاطفة الدين، وتحول الخلاف من رحمة فكرية إلى نقمة دموية.

لقد حذّر العلماء قديماً من التفسير بالرأي الذي يجعل صاحبه يلبس على خصمه، فينزل القرآن على وفق مذهبه ورأيه، لا على وفق مراد الله. هذا الانحراف فتح الباب أمام كل ذي هوى ليستدل بما يحلو له على ما يريد، قال تعالى:

{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.

وتغذّى هذا الانحراف بتوظيف قصص الماضي وتضخيم الروايات التاريخية المتنازع عليها، فتحولت الخلافات اللاهوتية القديمة إلى وقود لحاضر متوقد، ثم صارت تُلقّن للأجيال بلا جدل ولا نقاش، حتى صار كثيرون يعتقدون أن عقيدتهم لا تكتمل إلا بكراهية الآخر.

والحل يبدأ من كشف هذه الآلية الخبيثة التي حوّلت الدين من رحمة إلى نقمة، ومن {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} إلى ذريعة للقتل والتهجير. فالأزمة ليست في النصوص، بل في العقول التي تتلاعب بها، وفي المصالح التي تستثمرها. وقد التفتت السعودية إلى هذا الخطر، فنادت إلى الوسطية والاعتدال، ودعت إلى حوار الأديان والثقافات، وحاولت تسديد الفجوات ولمّ الشمل، رغبة منها في وقف النزيف وإعادة الاعتبار للمشتركات الجامعة. لكن هذه الجهود، على أهميتها، ظلت في كثير من الأحيان جهوداً آنية، مرتبطة بظرف أو مبادرة أو مؤتمر، ولم تتحول إلى مشروع إقليمي دائم ومؤسسي يفرض إيقاعاً جديداً في التعامل مع الخلاف.

ولم تجد حماساً لدى كثير من الدول التي كانت ترى في الانقسام وسيلة للسيطرة، وفي إبقاء الجروح مفتوحة أداة لإدارة الصراع لا لحلّه.

فبعض القوى الإقليمية والدولية لا تريد للمنطقة أن تلتئم، لأنها تعلم أن الوحدة إذا تحققت أغلقت أمامها أبواب النفوذ.

إن السبيل إلى الخلاص يبدأ بمراجعة صادقة للمفاهيم، وفتح باب الاجتهاد الجماعي الذي يفرّق بين الثابت والمتغير، ويحرر الخطاب الديني من الأساطير والحكايات التي شوّهته.

وإحياء منهج التجديد لا يعني التفريط في الثوابت، بل يعني التمييز بين ما هو من الدين حقاً وما هو من تراكمات التاريخ.

والسبيل الثاني هو استعادة المشتركات الجامعة؛ فالمسلمون جميعاً يعتقدون بالله الواحد، وبالرسول الكريم، وبالقرآن الكريم، ويصلّون نحو القبلة ذاتها، ويصومون الشهر ذاته، ويحجّون البيت الحرام. هذه المشتركات كافية لو طلبت الوحدة، ولكن الانقسام لا يصنعه الفرقاء وحدهم، بل يستفيد منه أعداء الأمة الذين يعملون بمبدأ «فرّق تسد».

أما السبيل الثالث فهو تفكيك ثقافة التكفير وإحلال ثقافة التسامح المذهبي. فالتكفير الذي يسلكه بعض أتباع كل مذهب تجاه الآخرين يجرّد صاحبه من الإيمان قبل أن يجرّد خصمه، ويحوّل الدين إلى ساحة معارك لا تنتهي.

وقد كان الشافعي يقول: «مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب». فلا ينبغي أن يكون الخلاف نقمة إذا ظل في حدوده العلمية، ولكنه يصبح كارثة إذا تحوّل إلى تكفير وقتال. والسبيل الرابع هو تحرير العقل المسلم من التبعية والانقياد.

فمن تربى على أن فلاناً على صواب مطلق وأن غيره على كفر مطلق، لم يعد قادراً على النظر في الأدلة ووزن الأمور بميزان العقل السليم. والقرآن يخاطب العقل في أكثر من سبعين موضعاً، ويحثّ الإنسان على النظر والتفكر والتدبر، لا على الترديد والتقليد. ولا يكفي أن تنادي دولة بالوسطية، أو تدعو إلى حوار الأديان، ما لم يتحول ذلك إلى مناهج تعليمية، وخطاب إعلامي، وسياسات تقوم على المواطنة والعدل، وتمنع توظيف الدين في الصراعات السياسية.

إن الخلاص لا يأتي من استعادة الماضي، ولا من الانتصار للطائفة، ولا من إرضاء القوى الخارجية، بل من إدارة الاختلاف إدارة رشيدة. قال تعالى:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}.

فالاختلاف واقع، والقدرة على إدارته حضارة. والمسلمون مطالبون اليوم بأن يجتمعوا على قواسمهم المشتركة، لا على نقاط الخلاف، وأن ينصرفوا إلى ما ينفع الناس ويمكّن لهم في الأرض. فالدين لله، والوطن للجميع، والخلاص يبدأ من الاعتراف بأن المشكلة ليست في النص، بل في التوظيف، ولا في التنوع، بل في تحويله إلى سلاح.

شهدت أوروبا حروباً دينية طاحنة، مزقت القارة سنوات طويلة، وكانت في جوهرها صراعات سياسية على النفوذ والسلطة أكثر منها صراعات على العقيدة.

ثم تكرر المشهد في كوسوفو، حيث تحول الصراع العرقي إلى حرب دينية، وفي الهند، حيث استخدمت بريطانيا سياسة «فرّق تسد» لتقسيم شبه القارة، فانتهى الأمر بتهجير وقتل واغتصاب على نطاق هائل. وفي السودان، فُصل الجنوب عن الشمال تحت عنوان الانقسام الديني، بعد حروب أهلية استمرت عقوداً.

وفي مصر وبعض الدول، استُخدم الخطاب الديني في الصراع السياسي، حتى تحول الدين من جامعة إلى أداة تفريق.

ثم جاءت الثورة الخمينية في إيران لتضيف طبقة جديدة من الانقسام، إذ رفعت شعار «تصدير الثورة»، وبنَت شبكة من الميليشيات في العراق ولبنان وسوريا واليمن، فتحولت المنطقة إلى ساحات مفتوحة للاستنزاف.

وتفاقم الانقسام الشيعي السني حتى وصل إلى القتل والتفتيت في العراق ولبنان واليمن وسوريا، بينما ظلت الدولة الصهيونية تراقب وتستفيد، ساعية إلى فرض أمر واقع يخدم مشروعها التوسعي. وهكذا لم يعد الدين وسيلة للربط والتقارب، بل أصبح في أيدي الخبثاء وسيلة للتفكيك والإضعاف والتشرذم، يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويحرّفون مقاصد الشريعة، ويخوضون فيما مضى، ويحيون قصص الماضي المتناقلة تحريفاً وتصريفاً.