الدومينيكان والجزويت وفضاءات المعرفة والتنوير في مصر layout Sun, 07/19/2026 - 08:54 ثقافة ومجتمع في قلب المشهد الثقافي المصري، تبرز مراكز معرفية نجحت في خلق مساحات تلاق فريدة، تتجاوز حدود الاختلاف العقدي لتقدم المعرفة للجميع. من بين هذه المنارات، يبرز معهد الآباء الدومينيكان ومركز الجزويت الثقافي، وهي مؤسسات تنطلق من مرجعيات مسيحية واضحة، لكنها اختارت أن تفتح أبوابها وفضاءاتها الفكرية لكل الباحثين والمثقفين، وعلى اختلاف معتقداتهم، على حد سواء. تحولت هذه المراكز عبر العقود إلى جسور إنسانية حقيقية، تعنى بفهم الآخر وتوفر بيئة بحثية وثقافية قائمة على الاحترام المتبادل والحيادية العلمية، وكان هذا داعيا لدخول أروقة الدومينيكان والجزويت، لفهم واستكشاف الكيفية التي تترجم بها هذه المؤسسات هويتها الدينية إلى عطاء ثقافي وإنساني يتسع للجميع في مصر. حراس التراث بالملابس البيض تبدو واحة شديدة الوداعة في قلب القاهرة الصاخب، كعالم مسالم غير بعيد عن المدينة الإسلامية القديمة ومعهد البحوث، دون أن تشكل بمرجعيتها الدينية أي نشاز أو غرابة. غالبا سيكون هذا هو الانطباع الأول الذي سيشترك فيه جميع من يزور مكتبة الدومينيكان، خاصة إن صادف لحظة عبورهم للممر الطويل ذي البلاطات التي تنمو حولها الحشائش والذي يؤدي إلى باب المكتبة، وجود بعض الرهبان بملابسهم البيض، يجلسون في حديقة الدير الملحقة به المكتبة، التي تعد قبلة لطلاب الدراسات الإسلامية. في لقاء معه، يحكي الأب ماتيوس دومنجس، مدير مكتبة المعهد الدومنيكاني للدراسات الشرقية، أن طائفة الدومينيكان نشأت في القرن الثالث عشر في جنوب فرنسا، ومنها بدأت حملات تبشيرية انطلقت في العديد من أجزاء العالم المعمور آنذاك. وفي الواقع كانت القدس في القرن التاسع عشر واحدة من أهم محطات الدومينيكان في العالم العربي، بجانب مدن محورية أخرى مثل إسطنبول وتونس وبغداد والموصل، وقد ابدى الرهبان الدومينيكان شغفا بالمعرفة وب التراث العربي، وكانت قراءاتهم لابن رشد وابن سينا، الفيلسوفين المسلمين، من أسباب تعرفهم إلى أرسطو وفلسفته. ياسمين عبدالله مراكز ثقافية وبحثية تفتح أبوابها للجميع واجهة "معهد العالم العربي" في باريس، 3 يناير 2024 "المجلة" تستكشف مدى فعالية وحضور المراكز الثقافية العربية في العالم أدركت الشعوب والدول مبكرا أهمية المراكز الثقافية كمرتكز... رئيس معهد العالم العربي جاك لانغ يحضر تظاهرة لجمعية نسائية تدعو الى السلام والعدالة على خلفية حرب غزة، في باحة معهد العالم العربي في باريس، في 27 يناير 2024. رئيس معهد العالم العربي جاك لانغ لـ "المجلة": السعودية من أكثر البلدان سحرا وإدهاشا باريس: يرتبط اسم جاك لانغ في فرنسا بمشاريع ثقافية كبيرة... من منشورات مجمع الملك سلمان للغة العربية. باريس تناقش آفاق العربية... أول لغة تُدرّس في فرنسا هناك وهم سيطر على بعض المنتسبين إلى الأوساط الثقافية فصاروا... مصر التنوير القاهرة 18 يوليو , 2026 Region الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ظل المعهد وثيق الصلة بالأوساط الأكاديمية، وارتبطت شهرة مكتبته عبر العقود بمجتمع الأساتذة وكبار الباحثين في الدراسات الإسلامية لكن نقطة التحول، بحسب الأب ماتيوس، كانت في ثلاثينات القرن الماضي، عندما قام أحد الدومينيكان في فرنسا، ماري دومينيك شينو، بالتفكر في العديد من المسائل اللاهوتية، ومنها مسألة دراسة الأديان الأخرى ك الإسلام ، الذي كان معروفا في تلك الفترة، بالتحديد من منتصف القرن العشرين، على أنه مشكلة ثقافية وسياسية واجتماعية، وليس كدين وروحانية خاصة وإيمان وعقيدة. وبينما يمكن المراقب من الخارج أن يرصد تفاصيل حياة المسلمين اليومية وتفاعلهم في ما بينهم، وتعاملاتهم مع الآخر، فإن التساؤل الأعمق يظل عما يختلج في وجدانهم: بم يشعرون؟ وما هو الشكل الحقيقي لإيمانهم؟ وهل هناك نقاط التقاء بين إيمان المسيحي وإيمان المسلم؟ لأن الحقيقة أنهما مختلفان، وهو اختلاف واقعي وحاضر لا يمكن إغفاله أو إنكاره، حتى وإن انطلقنا من أرضية عامة تجمعنا باعتبارنا مؤمنين بالإله ذاته، ومكرمين للأنبياء أنفسهم، ومن هذه النقطة بالذات جاءت فكرة إنشاء المعهد في عام 1953 بناء على توافق مع تطلع من الفاتيكان لإيجاد مؤسسة علمية رصينة داخل الكنيسة الكاثوليكية، تعنى بفهم الإسلام من داخله، والاقتراب من جوهره عبر دراسة مصادره وينابيعه الأساس. خيارات بحثية وفي ما يخص سياق المعهد في القاهرة، يقول الأب ماتيوس إن نواة التأسيس الأولى بدأت قبل التأسيس الرسمي. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، شرع الإخوة الآباء في حركة واسعة لجمع التدوينات والنصوص الإسلامية ، ومنذ اللحظات الأولى لتدشين المعهد، باتت هذه الحصيلة مقصدا لأساتذة الجامعات المصرية الذين توافدوا للاطلاع والبحث، حتى أن قاعة الاطلاع في المكتبة تحمل اسم أحدهم، وهو رائد الحوار بين الأديان، الراحل الدكتور علي السمان. وربما لهذا السبب، ظل المعهد وثيق الصلة بالأوساط الأكاديمية، وارتبطت شهرة مكتبته عبر العقود بمجتمع الأساتذة وكبار الباحثين في الدراسات الإسلامية. قاعة المطالعة في المعهد الدومينيكاني للدراسات الشرقية بالقاهرة يتولى المعهد أيضا رعاية باحثي الماجستير والدكتوراه، ومن هذا المنطلق، تلتزم المكتبة تقديم نوعية محددة من المصادر لخدمة سياق بحثي واضح، فانصب الخيار على نصوص الألفية الأولى من الهجرة المكتوبة باللغة العربية دون غيرها، لتكون البحوث هنا مركزة، عميقة، وموجهة بدقة. وبنظرة على نشاط الدومينكان في القاهرة، سنجد أنه ينقسم إلى المعهد والمكتبة. ويعد معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومينيكان (Idéo) مركزا بحثيا مرموقا في أوساط الباحثين في الفلسفة والمخطوطات الإسلامية المتنوعة، وينصب جل اهتمامه على مادة دراسية جامعة، وهي النصوص التأسيسية للإسلام خلال القرون العشرة الأولى، والممتدة عبر طيف واسع من المجالات المتخصصة. الأمير تشارلز خلال زيارته للمركز الثقافي اليسوعي في الإسكندرية ويسهم أعضاء المعهد في رفد المجلات العلمية، لا سيما مجلة المعهد المرموقة "ميدايو" (MIDÉO) التي وضع لبنتها الأولى الأب جورج شحاتة قنواتي عام 1953، المفكر المصري الذي سلك طريق الرهبنة ضمن جماعة الدومينيكان في بلجيكا وفرنسا، قبل أن ينال درجة الدكتوراه في الفلسفة واللاهوت، ليتولى بعد ذلك إدارة معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومينيكان بالقاهرة، والذي أثرى المكتبة العربية والعالمية بمصنفات رائدة، من بينها: مؤلفات ابن سينا، ومؤلفات ابن رشد، و"تاريخ الصيدلة والعقاقير عند العرب"، بالإضافة إلى دراستيه المهمتين، "المسيحيون في مصر"، و"المسيحية والحضارة العربية". وقد توجت هذه الجهود العلمية بإصدار العدد الأول من مجلة المعهد في عام 1954، وتعاقب على رئاسة تحريرها نخبة من الباحثين، منهم ريجيس موريلون، وإميليو بلاتي، وإيمانويل بيساني، ويتولى دينيس هالفت هذه المسؤولية منذ عام 2021. كما يضع المعهد بين يدي الباحثين مكتبة زاخرة تشكل مركزا بحثيا يضم أكثر من مائة وخمسين ألف مجلد، ونحو ألف وثمانمائة دورية متخصصة تغطي مجالات معرفية واسعة، بدءا من علوم اللغة والقرآن والتفسير، وصولا إلى الفلسفة، والتصوف، والفقه، والتاريخ. وتحتوي المكتبة على أكثر من عشرين ألف نص من المصادر الأساس للتراث العربي الإسلامي، إلى جانب دراسات حديثة بلغات شرقية وأوروبية متعددة، مما يتيح للمطلعين مواكبة مستجدات البحث الأكاديمي المعاصر، بالإضافة إلى الاستفادة من أطروحات الدكتوراه المتاحة داخل قاعاتها. ومنذ الثامن من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2002، استقر هذا الكنز المعرفي في مبنى جديد يستوعب قرابة أربعين قارئا وباحثا يوميا، ووظفت المكتبة التقنية الإلكترونية عبر توفير فهرس رقمي يسهل عمليات البحث والوصول لتأمين بيئة هادئة ملائمة للمطالعة والتدوين، يدعمها هيكل إداري وتقني متكامل يضمن استمرارية تقديم هذه الخدمات المعرفية بشكل منظم. يضع المعهد بين يدي الباحثين مكتبة زاخرة تشكل مركزا بحثيا يضم أكثر من مائة وخمسين ألف مجلد، ونحو ألف وثمانمائة دورية متخصصة إلى جانب أنشطته الأكاديمية والجامعية، يشارك المعهد بفاعلية في حوار الأديان، فعلى صعيد المؤسسات الدينية القاهرية، يرتبط المعهد بوشائج وثيقة مع جامعة الأزهر، توجت بتوقيع اتفاقية تعاون مشترك في عام 2015، كما يحرص المعهد على إدامة علاقات طيبة مع الكنيسة القبطية، ويشارك أعضاء المعهد في المؤتمرات الأكاديمية وينظمون الندوات العلمية في شتى بقاع الأرض، كما يسعدهم الإسهام في المحاضرات والمناظرات الموجهة لجمهور المثقفين العام. الجزويت وجسور الروحانية إلى فضاء التنوير يمكن القول إن طفولة وشباب العديد من القاهريين، بل والسكندريين وأهالي المنيا، ترتبط ارتباطا وثيقا بالجزويت وأنشطتهم الصيفية التي ساهمت في تشكيل وعي أجيال متعاقبة. للجزويت في مصر نشاط ممتد منذ عام 1879 عبر مجالات التعليم والثقافة، بدأ أولا من خلال مدرسة العائلة المقدسة العريقة بفروعها المختلفة، ثم بتأسيس مركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية عام 1954، وتلاه تأسيس جمعية النهضة العلمية والثقافية بالقاهرة عام 1998 لدعم الفنون والسينما البديلة. المركز الثقافي اليسوعي في الإسكندرية وبطرح بعض الأسئلة على الأستاذ سامح سامي، المدير التنفيذي لجمعية النهضة العلمية والثقافية (جزويت القاهرة) ورئيس تحرير مجلة "الفيلم" —الذي تفضل مشكورا بالإجابة عنها باستفاضة وسعة صدر— بات من الممكن فهم الكثير عن تاريخ الجزويت وطبيعة نشاطهم الثقافي والمدني في مصر. يقول: "ترجع فكرة تأسيس جمعية النهضة العلمية والثقافية إلى عام 1995، حين عقد أول اجتماع بدعوة من الرئيس الإقليمي للرهبنة اليسوعية- في ذلك الوقت- الأب بولس سركيس اليسوعي بممثلين من مصر ولبنان وسوريا وعقد الاجتماع في بيروت، وهدفه هو رغبة الرئيس الإقليمي في أن يدخل اليسوعيون معترك لغة الصورة من طريق إنتاج أفلام هادفة لتكوين الشباب والشابات، ويكون للرهبنة دور رائد في هذا المجال، على غرار دورها المهم الذي لعبته بإنشائها المطبعة الكاثوليكية ودار نشرها (المشرق) في نشر الثقافة العربية بزواياها المختلفة". ويضيف: "تأسست الجمعية عام 1998، بعد ثلاث سنوات من المحاولات المستمرة، وكان الآباء اليسوعيون أصحاب المبادرة في تأسيسها، فقد كانوا خمسة أعضاء مؤسسين برفقة بعض المصريين المسلمين والمسيحيين المشجعين للعمل المدني، وكان هدفهم ورسالتهم فتح المجال للشباب والشابات للتعبير عن أنفسهم من طريق مختلف الفنون من سينما ومسرح وفنون تشكيلية، بروح تنموية للمساهمة في خلق جيل يحب بلده ويتحرر ويعمل على تحرير أخوته من كبت مواهبهم وإدخال البهجة والمحبة والمصالحة في قلوبهم، وهي تعمل مع الفئات المهمشة بكل أنواعها من الأطفال إلى الشباب البالغين، وتتميز بمرونتها وانفتاحها على المجتمع بروح العطاء والتنوير والمصالحة". ومنذ تأسيسها، لعبت الرهبنة سواء في العالم أو في مصر - منذ أواخر القرن التاسع عشر- دورا محوريا في التعليم، والتنشئة الروحية، والحوار الثقافي، والعمل الرسولي في جميع أنحاء العالم. ولا يزال شعارها يلهم أجيالا متعاقبة: لمجد الله الأعظم، ومن هنا العمل الثقافي والفني هو امتداد منطقي ضمن رسالة الرهبنة اليسوعية (الجزويت) في مصر. احتفال بالذكرى الستين لتأسيس المعهد الدومينيكاني للدراسات الشرقية في القاهرة امتداد فلسفي وروحاني والفكرة، بحسب سامح سامي، لم تكن "تغييرا" في الدور الديني، بل هي امتداد طبيعي وفلسفي للروحانية اليسوعية التي تؤمن بالانفتاح على العالم، وخدمة المجتمع دون تمييز، والبحث عن الله "في كل الأشياء"، خاصة أن الفضاء الثقافي والتعليمي هو المساحة الأرحب التي يمكن من خلالها بناء الإنسان، وتحرير وعيه، وتقديم خدمة حقيقية للمجتمع المصري، عبر السينما، والمسرح، والفن، وهي ليست أدوات ترفيهية، بل هي وسائل لبناء الفكر وتعميق الإنسانية، وتأسيس التنوير. لكن كيف تحولت المراكز التابعة للجزويت إلى فضاءات حرة ومفتوحة للجميع دون أي تمييز؟ يجيب سامح سامي: "نجاحنا في بناء جسور الثقة مع المثقفين والفنانين لم يأت بين يوم وليلة، بل كان ثمرة اتساق كامل بين ما نعلنه وما نمارسه على الأرض. المعادلة بسيطة جدا: الجزويت مكان يتسع للجميع. هنا، يسقط أي تصنيف ديني، سياسي، أو طبقي. عندما يأتي الفنان أو الشاب المبدع إلى مقر الجمعية في الفجالة، يجد مساحة حرية تحترم عقله وموهبته، دون وصاية فكرية أو محاولة لـ"توجيهه" أيديولوجيا. نحن لا نطلب من أحد تسليم بطاقة مثلا تثبت إلى ماذا ينتمي أو يفكر، بل أساس تعاملنا مع الجميع هو الفن والحرية والاستقلال الثقافي. إيمان تام بأن الفن لغة حوار إنسانية". تعمل المبادرة مع الفئات المهمشة بكل أنواعها من الأطفال إلى الشباب البالغين، وتتميز بمرونتها وانفتاحها على المجتمع بروح العطاء والتنوير والمصالحة وعن أبرز التحديات اللوجستية والفكرية التي تواجه إدارة هذا المشهد الثقافي المستقل، يقول سامح سامي: "إدارة مشهد ثقافي مستقل ومستمر لسنوات طويلة يضعنا أمام نوعين من التحديات: التحديات اللوجستية والمادية: الاستدامة المالية هي الهاجس الأكبر لأي كيان مستقل. إنتاج الأفلام، وإقامة العروض المسرحية، وتشغيل أربع مدارس فنية متخصصة (السينما، الرسوم المتحركة، مدرسة ناس للمسرح الاجتماعي)، بالإضافة إلى مسرح ستوديو ناصيبيان ومجلة الفيلم والورش الحرة، كل هذا يتطلب تمويلا ضخما ومستقرا. التوفيق بين مجانية أو رمزية الخدمات التي نقدمها وبين تكلفة التشغيل المرتفعة وتحديث المعدات يمثل ضغطا مستمرا". 19 يوليو , 2026 story cover Off Label No label Promotion Article Off Show on issuepdf page Off