"هيدا شيعي"،"هيدا مسيحي" وكم من عبارات تُخبّى مخاوف تبني حائطاً بين لبناني وآخر. عبارات تمحي الأمان ويسيطر عليها القلق. عبارات تخلق الانقسام وتُميت التضامن. عبارات تُعزّز الفروق وتُضعف الأنسنة. هذه هي حالة اللبناني الذي لا يزال خائفاً من أخيه في الوطن. وقد ولد هذا الخوف واستكنّ في الذاكرة الجماعية اللبنانية منذ سنة 1918، عندما انقسم اللبنانيون بين فئتَيْن: مؤيد لإعلان دولة لبنان الكبير وداعم لانضمامه إلى سوريا. ما ولّدَ هذا الشرخ في الرأي السياسي كان الطائفية، ولا تزال اليوم حاكمة في القرارات المصيرية للبنان. لم يتغير المشهد: ففي حين يرى معظم اللبنانيون الاستقلال عن إيران منفذاً لتنفّس الحرية، يعتقد الآخرون أنّ لا سبيل للخلاص إلّا بالالتحاق بدولة إقليمية سيطرت أيديولوجيتها المذهبية على سياستها. وفي الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم يوم الأحد الفائت، أكّد على استمرار "الحزب" بالتمسّك بالسلاح قائلاً "دختوا ورح تدوخوا " كما تكلّم بمصطلحات ينتقد فيها قرارات الدولة دافعاً إياها التخلي عن المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية في واشنطن. "اتركوا المفاوضات المباشرة واذهبوا إلى التفاوض غير المباشر". هكذا أراد قاسم من خلال خطابه تعليم الدولة ماذا عليها أن تنفّذ وفقاً لمصالح حزبه، ووضع النقاط على الحروف. لا يزال خطاب قاسم، بعد كل ما مرّ به الجنوب، البقاع والضاحية الجنوبية من مآسٍ، يتضمّن جذور الأيديولوجية الدينية المتمثلة بتكرار مصطلحات النصر والجهاد، وبقوله "أنزلَ الله علينا النصر". أمام هذا الواقع، لا بدّ من التساؤل حول أهمية تنفيذ مبدأ الدولة المدنية حيث يكون للدولة حقّ حصري في بسط سيادتها. فما مفهوم وجذور الدولة المدنية؟ وإلى أي حدّ يمكن للبنان أن يكون دولة مدنية وسط هذا الانقسام؟ يمثّل مفهوم الدولة المدنية أنموذجاً لنظام سياسي-اجتماعي يرتكز على تحقيق المساواة والاستقرار. تتميز الدولة المدنية بخضوع جميع الأفراد والمؤسسات لسيادة القانون، ما يعزز المحاسبة والمساءلة وتفصل بين السلطات الثلاث لتجنيب الدولة الفساد وسوء الإدارة. توفّر الدولة المدنية، إلى جانب ذلك، حسّ المواطنة بين أفراد الشعب الواحد وتحمي الحقوق والحريات الأساسية من دون تمييز ديني أو عرقي. ومن أهم ركائزها فصل الدين عن السياسة إذ إنّ لا يحق لأي شخصية دينية التدخل بالقرارات الرسمية. شهد التاريخ تحولات جذرية في الأنظمة السياسية أدّت ببعض الحضارات إلى تعزيز الفصل بين الدين والسلطة. وقد نشأ هذا المفهوم في المجتمع الإغريقي مع ظهور الديمقراطية في أثينا وتطّور في العصر الروماني حين وُضِعَت قواعد شكّلت مفهوم "دولة القانون" ليصبح فصل الدين عن السلطة ركيزة الدولة المدنية بين 1789-1799 في خلال الثورة الفرنسية التي ساهمت في التحرر من الطبقية وتعزيز المساواة من دون تدخّل مرجع ديني. بحسب كتاب "أهمية المجتمع المدني" للمؤلفَيْن ستيفين ديلو وتيموثي ديل، إنّ العيش في مجتمع مدني يُبعد الأفراد والجماعات من التدخلات التعسفية للدولة المركزية. ويضيف المؤلفان أنّ في الدولة المدنية ترسيخ لـ"الفضيلة المدنية"، التي تعزز احترام المواطنين للقوانين والسلطات السياسية. ووفقاً للفيلسوف والمفكّر السياسي جون لوك، إنّ الدولة المدنية توفّر ما يسمّى بـ"التسامح الديني" الذي يضمن حرية المعتقد والرأي ويسمح للأفراد بالدفاع عن هوياتهم الثقافية من دون الشعور بالغبن والاضطهاد على يد طرف آخر ما دام الجميع تحت سقف القانون والمساواة. فإذا ربطنا بين النظرية والواقع اللبناني، نلاحظ أنّ هناك هُوّة بين شعور معظم اللبنانيين لا سيما غالبية الطائفة الشيعية بالاضطهاد حيال الدولة وإرادة الفئة الأخرى في بناء دولة تضمن المواطنة والعدالة الاجتماعية بين جميع أفرادها ومؤسساتها. أكّد أستاذ القانون الدستوري أمين صليبا، في مقابلة لصحيفة "إندبندنت عربية" أن الدستور اللبناني ينصّ على أنّ لبنان دولة مدنية ويضمن حماية ممارسة المعتقدات بأكملها. وأضاف:"احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية شكّل مأخذاً على الدستور من قبل بعض المُنظّرين في مفهوم الدولة المدنية". وأشار صليبا إلى أنّ سوء تطبيق الدستور وإخضاعه لمصالح فئة معينة قد فصله عن مفهوم الدولة المدنية. بناءً على ذلك، يبقى تطبيق الدولة المدنية في لبنان رهينة المصالح الشخصية، متطلّباً إصلاحات سياسية واقتصادية على المدى البعيد.