«الدواء الأيرلندي».. ازدهار اقتصادي يواجه اختبار «الرسوم الأمريكية»
- ثالث أكبر مُصدّر للمنتجات الدوائية في العالم- 9 من أكبر 10 شركات أدوية عالمياً في أيرلندا- 50 % من إجمالي صادرات البلاد أدوية 2025- الرسوم الأمريكية تهدد بتسريح 75 ألف موظف بالقطاعرسّخت أيرلندا مكانتها خلال ما يزيد على نصف قرن واحدة من أبرز القوى العالمية في صناعة الأدوية، بعدما تحولت من اقتصاد هامشي يعاني البطالة والهجرة إلى ثالث أكبر مُصدّر للمنتجات الدوائية في العالم. فمن «بوتوكس» إلى «مونجارو»، وبينهما الكثير، تلتقي مجموعة من أبرز الأدوية الأكثر انتشاراً عالمياً في مصانع أيرلندية شكّلت ركيزة لصعود اقتصادي لافت. غير أن هذا النجاح حمل معه تحدياً متنامياً، إذ ازداد اعتماد الاقتصاد الأيرلندي على شركات الأدوية المتعددة الجنسيات، ما جعل البلاد أكثر تعرضاً لتقلبات قطاع واحد ولتحولات التجارة العالمية المتسارعة والرسوم الحمائية.من اقتصاد منغلق إلى بوابة صناعية عالميةحتى خمسينات القرن الماضي، اتسم الاقتصاد الأيرلندي بالحمائية الشديدة، مع رسوم جمركية مرتفعة وسياسات قائمة على إحلال الواردات، ما أضعف القدرة التنافسية للصناعة المحلية. وكانت النتيجة بطالة مرتفعة وموجات هجرة واسعة.ليأتي التحول المفصلي عام 1956، حين أقرت الحكومة إعفاءً ضريبياً على أرباح الصادرات وصل إلى 100%، بالتزامن مع خفض الرسوم الجمركية وتوسيع دور هيئة التنمية الصناعية الأيرلندية.منذ البداية، رأت الهيئة في قطاع الأدوية فرصة استراتيجية. فالأدوية منتجات مرتفعة القيمة وسهلة النقل نسبياً، بينما كان الطلب العالمي عليها يتسارع مع توسع أنظمة الرعاية الصحية في أوروبا وأمريكا.وبين عامي 1958 و2010، استقطبت أيرلندا أكثر من 50 منشأة جديدة لتصنيع الأدوية، قادتها شركات مثل فايزر وبريستول مايرز سكويب وروش، ما مهد الطريق لتصبح البلاد مقراً لتسع من أكبر عشر شركات أدوية في العالم.الضرائب والموقع والتعليم... ثلاثية الجذباعتمدت أيرلندا على مزيج جذب استثماري فعّال: نظام ضريبي تنافسي استقر لاحقاً عند 12.5% للشركات، موقع استراتيجي داخل السوق الأوروبية لكونها دولة ناطقة بالإنجليزية، واستثمار واسع في التعليم والتدريب التقني ورفع سن التعليم الإلزامي.هذه العوامل صنعت بيئة جذبت الاستثمارات الأمريكية والبريطانية، ثم خلقت ما يشبه «العناقيد الصناعية» في مناطق مثل كورك ودبلن، حيث تركزت شركات الأدوية والتقنيات الطبية والبحث العلمي ضمن منظومات مترابطة. ليبلغ عدد العاملين في قطاع المنتجات والتحضيرات الدوائية بحلول 2025 نحو 75 ألف موظف، بزيادة 15% خلال عامين فقط.الدخل القومي المعدّل لم يكن صعود القطاع الدوائي في أيرلندا من دون ثمن اقتصادي واضح، فالحضور الكثيف للشركات المتعددة الجنسيات أدى إلى تضخم أرقام الناتج المحلي الإجمالي، لدرجة دفعت الحكومة إلى اعتماد «الدخل القومي المعدّل» كمؤشر أدق لقياس الاقتصاد المحلي.ورغم ذلك، ظل حجم القطاع مذهلاً. ففي عام 2019 شكّلت صادرات الأدوية نحو ربع الدخل القومي المعدّل، وبحلول 2025 تجاوزت النسبة 40%. وفي العام نفسه مثّلت الأدوية أكثر من 50% من إجمالي صادرات البلاد.أما الإيرادات الضريبية للشركات فقفزت من 6.9 مليار يورو في 2015 إلى 32.9 ملياراً في 2025.مخاطر الاعتماد على قطاع واحدسبب هذا النجاح الكبير هشاشة متزايدة. فشركات الأدوية تواجه دورياً ما يُعرف بـ«منحدر براءات الاختراع»، حين تفقد الأدوية الكبرى حمايتها القانونية وتدخل في منافسة مباشرة مع البدائل المكافئة، ما يضغط على الإيرادات. وأيرلندا اختبرت ذلك بالفعل عام 2013، حين انعكس تراجع إيرادات القطاع على الحسابات الوطنية.كما حذر المجلس المالي الأيرلندي في 2026 من اعتماد الدولة على الإيرادات الضريبية القادمة من ثلاث شركات متعددة الجنسيات فقط، اثنتان في التكنولوجيا وواحدة في الأدوية، والتي شكّلت معاً نحو 46% من حصيلة ضريبة الشركات في 2024.الرسوم الأمريكية وإعادة رسم سلاسل الإمدادالتحدي الأبرز اليوم لا يقتصر على الأدوية نفسها، بل يمتد إلى البيئة الجيوسياسية. فأيرلندا تعتمد منذ عقود على الاستثمار الأجنبي المباشر، خصوصاً من الولايات المتحدة. لكن عالم ما بعد التوترات التجارية وتصاعد السياسات الحمائية يفرض واقعاً مختلفاً.الحكومة الأيرلندية حذرت من احتمال فقدان 75 ألف وظيفة إذا فرضت واشنطن رسوماً جمركية على الأدوية. وفي الوقت نفسه، بدأت الشركات بالفعل بمراجعة سلاسل الإمداد والتفكير في «إقليمية الإنتاج»، أي توزيع التصنيع بحسب المناطق لتقليل المخاطر التجارية.ماذا بعد «الأدوية الكبرى»؟حتى الآن، لا تظهر مؤشرات انسحاب واسعة. فشركة «نوفو نورديسك» أعلنت مطلع 2026 توسيع عملياتها في أيرلندا، مستفيدة من الطلب العالمي القوي على أدوية إنقاص الوزن وعلاجات GLP-1. لكن التحديات الداخلية تبقى موجودة، وأبرزها توفير المهارات والكفاءات في سوق يشهد منافسة عالمية محتدمة على المواهب العلمية والتقنية.يمكن القول، إن الرهان الأيرلندي نجح لعقود في تحويل البلاد إلى قوة صناعية عالمية، لكنه سبب أيضاً اعتماداً اقتصادياً عميقاً على شركات أجنبية وقطاع بالغ الحساسية.ومع تباطؤ محتمل في تدفقات الاستثمار الأجنبي وتغير قواعد التجارة الدولية، تبدو إيرلندا أمام اختبار جديد: كيف تحافظ على موقعها العالمي، وتؤسس في آن واحد شركات محلية قادرة على تحقيق النمو بعيداً عن الاعتماد المفرط على عمالقة الدواء؟الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل الاقتصاد الأيرلندي لعقود مقبلة.