الدماء العربية فضحت الحوثي – إبراهيم أبوهيف

هناك أحداث لا تكشف حجم الخطر وحده، وإنما تكشف أيضًا حقيقة من يصنعه، وطبيعة الشعوب التي تتعرض له، وما تختزنه العلاقات بينها من روابط تتجاوز السياسة والجغرافيا، ولعل الاعتداءات الحوثية التي استهدفت المملكة العربية السعودية خلال الأيام الماضية وضعت هذه المعاني جميعها أمام اختبار إنساني بالغ القسوة، فقد امتزجت على أرض الرياض دماء سعودية ومصرية وفلسطينية وعربية، وامتد الحزن إلى أسر من جنسيات أخرى.

لم يكن امتزاج الدماء في مطار الملك خالد الدولي مجرد نتيجة مأساوية لاعتداء إرهابي، فقد حملت جنسيات الضحايا دلالة سياسية تكشف جانبًا من حقيقة المشروع الحوثي، إذ أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني وفاة اثني عشر شخصًا وإصابة 309 آخرين في اعتداء العاشر من أكتوبر، بينهم أربعة سعوديين، ومقيمون من مصر وفلسطين والأردن وسوريا والسودان وبنغلاديش والولايات المتحدة، وهي أسماء أوطان لم تجمع أبناءها مواجهة عسكرية، وإنما جمعتهم الحياة والعمل والسفر على أرض المملكة، حتى جاءت صواريخ الجماعة الإرهابية لتجعل من أسرهم شركاء في الفقد، ومن دمائهم شهادة على أن العدوان الذي يستهدف السعودية يمتد أثره إلى شعوب كثيرة، وأن أمن المملكة يحمل في داخله أمان ملايين البشر الذين يعيشون ويعملون ويقصدون أراضيها.

تزداد هذه الحقيقة وضوحًا حين ننظر إلى طبيعة الخطاب الذي تتبناه جماعة الحوثي، فقد جعلت من فلسطين والعروبة والإسلام عناوين متكررة لتحركاتها، وحاولت توظيف ما تحمله هذه القضايا والروابط من مكانة في وجدان الشعوب، لكن أسماء ضحايا الرياض جاءت لتضع هذا الخطاب أمام حقيقة لا تستطيع الجماعة تجاوزها، فالفلسطيني الذي سقط في الاعتداء لم يكن بعيدًا عن فلسطين التي ترفع الميليشيا اسمها، والعربي الذي فقد حياته لم يكن خارج العروبة التي تستدعيها، والمسلم الذي كان يعيش آمنًا على أرض المملكة لم يكن منفصلًا عن الأمة التي تزعم الجماعة الدفاع عنها، لتصبح الدماء التي أريقت أبلغ من الخطابات، وتكشف أن استدعاء هوية الشعوب لا يمنح أي جماعة حق تعريض أبنائها للموت أو التصرف في أمنهم ومستقبلهم.

في محافظة البحيرة المصرية، كان لهذه المأساة وجه يعرفه الناس أكثر مما يعرفون تفاصيل البيانات العسكرية، عزة رمزي محمد حسن، مضيفة الطيران الشابة التي خرجت تبحث عن رزقها ومستقبلها في المملكة، وتركت في بيت أسرتها والدًا اعتادت الاتصال به والاطمئنان على صحته، حتى كانت آخر مكالماتها تسأله عن يده المصابة وما إذا كان يحتاج إلى شيء، ولم تكن تدري أنها ستصبح واحدة من ضحايا الاعتداء، وأن والدها الذي كان ينتظر صوتها سيتلقى خبر رحيلها، وفي المملكة ودعت أسر سعودية أبناءها، كما توزعت الأحزان بين أسر فلسطينية وأردنية وسورية وسودانية وآسيوية، فامتدت المأساة من مطار الرياض إلى بيوت لا يعرف أصحابها بعضهم، لكنهم أصبحوا يحملون الألم نفسه، ألم الإنسان الذي خرج إلى حياته المعتادة فلم يعد.

للسعودية في حياة هذه الشعوب مكانة تفسر لماذا يتجاوز ما يصيبها حدودها الجغرافية، فهي بلاد الحرمين الشريفين، ومهوى أفئدة المسلمين، وأرض ارتبطت بها أرزاق ملايين الأسر ومراحل مهمة من حياة أبنائها، ففي بيت عدد من غير السعوديين ذكرى أب أمضى أعوامًا في الرياض، وفي بيت آخر صور رحلة إلى مكة والمدينة، وفي ذاكرة شاب شوارع جدة والدمام التي عرفها قبل أن يعود إلى وطنه، وفي بيوت سعودية ذكريات معلمين وأطباء وزملاء وأصدقاء في عدة دول، ومن هذه التفاصيل التي صنعتها الحياة اليومية تكون رصيد إنساني يتجاوز ما يمكن أن تختصره الأرقام الاقتصادية أو الاتفاقيات الرسمية، وأصبحت للمملكة مكانة في وجدان عدد من الدول تعرفها الأسر قبل أن تتحدث عنها المنصات، وتحفظها سنوات العشرة قبل أن تعيد الأزمات إظهارها.

لا يجوز أن تختزل جماعة الحوثي اليمن في مشروعها المسلح أو أن تصادر حق شعبه في الحياة والأمن والاستقرار، فاليمن بتاريخ أبنائه ومكانته العربية أوسع من الجماعة التي تتحكم بالسلاح في أجزاء من أراضيه، ومصلحة اليمنيين الحقيقية أن تستعيد بلادهم أمنها ومؤسساتها وأن يتوقف توظيفها في اعتداءات تهدد أمن المنطقة، وهو ما يجعل مواجهة الإرهاب الحوثي متصلة بحماية حياة الشعوب وصون سيادة الدول وإعادة الاعتبار لحق الإنسان في الأمان.

في نهاية المشهد، تبقى الدماء التي أريقت على أرض المملكة شاهدًا على جريمة الحوثي بحق المدنيين، ويبقى الفلسطيني الذي سقط في الاعتداء دليلًا على زيف استغلال الجماعة لقضيته، وتبقى عزة رمزي ابنة مصر التي رحلت بعيدًا عن بيت أبيها، ومعها ضحايا سعوديون وعرب ومن جنسيات أخرى تركوا خلفهم أسرًا تحمل الفقد.

لقد فضحت الدماء العربية حقيقة جماعة الحوثي الإرهابية، حين أصبحت الشعوب التي تستدعيها في خطابها من بين الشعوب التي أصابها عدوانها.

هناك أحداث لا تكشف حجم الخطر وحده، وإنما تكشف أيضًا حقيقة من يصنعه، وطبيعة الشعوب التي تتعرض له، وما تختزنه العلاقات بينها من روابط تتجاوز السياسة والجغرافيا، ولعل الاعتداءات الحوثية التي استهدفت المملكة العربية السعودية خلال الأيام الماضية وضعت هذه المعاني جميعها أمام اختبار إنساني بالغ القسوة، فقد امتزجت على أرض الرياض دماء سعودية ومصرية وفلسطينية وعربية، وامتد الحزن إلى أسر من جنسيات أخرى.

لم يكن امتزاج الدماء في مطار الملك خالد الدولي مجرد نتيجة مأساوية لاعتداء إرهابي، فقد حملت جنسيات الضحايا دلالة سياسية تكشف جانبًا من حقيقة المشروع الحوثي، إذ أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني وفاة اثني عشر شخصًا وإصابة 309 آخرين في اعتداء العاشر من أكتوبر، بينهم أربعة سعوديين، ومقيمون من مصر وفلسطين والأردن وسوريا والسودان وبنغلاديش والولايات المتحدة، وهي أسماء أوطان لم تجمع أبناءها مواجهة عسكرية، وإنما جمعتهم الحياة والعمل والسفر على أرض المملكة، حتى جاءت صواريخ الجماعة الإرهابية لتجعل من أسرهم شركاء في الفقد، ومن دمائهم شهادة على أن العدوان الذي يستهدف السعودية يمتد أثره إلى شعوب كثيرة، وأن أمن المملكة يحمل في داخله أمان ملايين البشر الذين يعيشون ويعملون ويقصدون أراضيها.

تزداد هذه الحقيقة وضوحًا حين ننظر إلى طبيعة الخطاب الذي تتبناه جماعة الحوثي، فقد جعلت من فلسطين والعروبة والإسلام عناوين متكررة لتحركاتها، وحاولت توظيف ما تحمله هذه القضايا والروابط من مكانة في وجدان الشعوب، لكن أسماء ضحايا الرياض جاءت لتضع هذا الخطاب أمام حقيقة لا تستطيع الجماعة تجاوزها، فالفلسطيني الذي سقط في الاعتداء لم يكن بعيدًا عن فلسطين التي ترفع الميليشيا اسمها، والعربي الذي فقد حياته لم يكن خارج العروبة التي تستدعيها، والمسلم الذي كان يعيش آمنًا على أرض المملكة لم يكن منفصلًا عن الأمة التي تزعم الجماعة الدفاع عنها، لتصبح الدماء التي أريقت أبلغ من الخطابات، وتكشف أن استدعاء هوية الشعوب لا يمنح أي جماعة حق تعريض أبنائها للموت أو التصرف في أمنهم ومستقبلهم.