أزعجني ما كتبه أحد المعارضين السياسيين الناصريين حين وصف السابع من أكتوبر بأنه "7 أكتوبر العظيم"، فقررت أن أكتب هذا المقال.
أما ذلك السياسي الذي توقف طويلًا عند "7 أكتوبر العظيم"، متجاوزًا 6 أكتوبر عمدًا أو تجاهلًا، ذلك العبور المصري العظيم، فهو لا يكشف فقط عن موقف سياسي، بل يفضح خللًا أعمق في الوعي والذاكرة والانتماء. فحمدًا لله أنه لم يكن رئيسًا لنا، فمَن يتجاهل رموز الذاكرة الوطنية لا يُؤتمن على صونها.
فالفارق هنا ليس بين تاريخين فحسب، بل بين من يعرف كيف يحفظ لحظات مجده الوطني، ومن يسمح لها أن تتراجع إلى الظل. كان الأولى، وهو يتحدث عن جولات الصراع وذاكرة المواجهة، أن ينحني أولًا أمام يوم مصري خالص، يوم استعادت فيه الأمة كرامتها، وأثبت فيه الجيش المصري أن الإرادة إذا اجتمعت مع التخطيط صنعت المعجزة.
فتجاهل السادس من أكتوبر ليس مجرد إسقاط لتاريخ على الورق، بل هو إسقاط لرمز وطني كبير من الوجدان، وكأننا نُدرَّب رويدًا رويدًا على نسيان انتصاراتنا بأيدينا، بينما يواصل العدو فرض روايته، ويعمل على ترسيخها في السياسة والإعلام والتعليم، ساعيًا إلى تزوير الوعي وتوجيه الذاكرة بما يخدم أهدافه. العدو يؤرخ برؤيته وروايته، ونحن أولى بذاكرتنا.
وهنا تتجلى المأساة: لا في قوة روايته، بل في ضعف تمسكنا نحن بروايتنا، وفي هذا الصمت الذي يترك أمجادنا عرضة للنسيان والتشويه.
ولعلنا، إذا أردنا أن نفهم كيف تحيا الأمم بذاكرتها، فعلينا أن نتأمل ما تفعله تركيا كل عام في العاشر من نوفمبر، في ذكرى وفاة مصطفى كمال أتاتورك، فسواء اتفقنا أو اختلفنا حول أتاتورك، تبقى الطريقة التي تُصان بها الذاكرة الوطنية، وتُغرس في وجدان الأجيال جديرةً بالتأمل.
ففي تمام الساعة 09:05 صباحًا، وهي لحظة وفاته، تُطلق صفارات الإنذار في أنحاء البلاد، فتدخل الدولة كلها في مشهد مهيب من التوقف والاحترام.
تتوقف السيارات في الشوارع والميادين، ويترجل كثير من السائقين من مركباتهم أو يقفون بجوارها في صمت، وتتجمد حركة المارة للحظات، وكأن الزمن نفسه ينحني أمام الذاكرة.
في المدارس يقف الطلاب والمعلمون دقيقة صمت، وفي المؤسسات وأماكن العمل يتوقف الجميع عن الحركة، وترتفع صور أتاتورك في الساحات والمباني والنوافذ والشرفات، فيما تكسو الأعلام واللافتات المشهد العام، فيتحول اليوم كله إلى درس حي في معنى الوفاء للرموز المؤسسة في تاريخ الدولة.
لا يفعل الأتراك ذلك بوصفه إجراءً شكليًا، بل باعتباره جزءًا من بناء الوجدان الوطني، وتذكيرًا متجددًا للأجيال بأن الأمم الحية لا تترك تاريخها للصدفة، ولا تسمح لذاكرتها أن تذبل.
ومن هنا يبرز سؤال مؤلم لدينا: إذا كانت شعوب تحسن صيانة ذاكرتها بهذه الجدية، فأين نحن من يوم ينبغي أن تقف له الأجيال إجلالًا، لا لأنه مجرد ذكرى حرب، بل لأنه يوم كتب فيه المصريون واحدة من أروع صفحات المجد بالعقل والدم والإرادة؟
كل ذلك يطرح سؤالًا لا يقل أهمية عن النصر نفسه: لماذا لا يتحول أكتوبر في وعينا العام إلى مشروع ذاكرة وطنية دائمة؟ ولماذا يظل أحيانًا مجرد مناسبة موسمية في حين يواصل العدو فرض روايته وتسويقها عبر التعليم والإعلام والبحث العلمي، بما يضمن بقاءها ويخدم أهدافه ويشوّه وعي الأجيال؟
إن الفارق بين الأمم لا يُقاس فقط بما أنجزته في الماضي، بل أيضًا بقدرتها على حماية هذا الإنجاز من النسيان.
فالمشكلة أن التاريخ، إذا لم يُورَّث، يضيع. وإذا لم تكتبه الأمة بوعيها، كتبه الآخرون من منظورهم.
وفي زمن الفضاء الإلكتروني، لم تعد الرواية الأكثر صدقًا هي التي تنتصر دائمًا، بل الرواية الأكثر حضورًا وتكرارًا وتنظيمًا. ومن هنا تصبح مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والنادي، والمسجد، والجامعة مسئولية مباشرة في بناء ذاكرة وطنية حية، لا تكتفي بترديد الشعارات، بل تشرح للأجيال كيف انتصر جيشهم، ولماذا ظل هذا الانتصار علامة فارقة في تاريخ المنطقة.
وليس مطلوبًا أن نحول الذاكرة الوطنية إلى طقس جامد، بل إلى وعي متجدد؛ فالأمم الحية تعرف أن ذاكرتها جزء من أمنها القومي، وأن تربية الأجيال على احترام لحظات المجد ليست رفاهية، بل ضرورة.
إن أكتوبر يحتاج اليوم إلى أكثر من احتفال؛ يحتاج إلى استرداد. يحتاج إلى لغة جديدة تخاطب الشباب، وإلى سردية قوية تنافس الضجيج والإشاعة والتشويه.
فالشباب الآن لم يعد يشاهد أو يسمع إلا ما تفرضه عليه ثقافة "الريلز" والمقاطع الخاطفة التي لا تتجاوز ثلاثين ثانية، ولذلك صار لزامًا أن نخاطبه باللغة التي يفهمها، وبالأدوات التي تصل إليه، دون أن نفرط في جوهر المعنى ولا في عظمة التاريخ.
ويحتاج إلى أن نقول بوضوح إن جيشنا العظيم لم يصنع فقط نصرًا عسكريًا، بل صنع نموذجًا في الذكاء والتخطيط والانضباط والإيمان بالوطن. ويحتاج كذلك إلى أن نسأل بصدق: أين جيل اليوم من معرفة هذه الأمجاد؟
إن أكتوبر يحتاج من الدولة، ومن جميع مؤسساتها، إلى نفير وطني حقيقي، وإلى خطة استراتيجية تضمن خلود هذه الذكرى في الوعي العام، لا بوصفها ماضيًا نحتفي به فقط، بل باعتبارها جزءًا من الأمن القومي للمستقبل
وسأختتم مقالي بمقولة للفيلسوف والمفكر الإسباني-الأمريكي جورج سانتايانا: “من لا يتذكر الماضي، محكوم عليه أن يكرره”.