الخير في قفص الاتهام

يناقش المقال تحولًا اجتماعيًا عميقًا انتقل فيه المجتمع من اعتبار فعل الخير أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى تفسير، إلى حالة يُستقبل فيها الإحسان بالشك والتساؤل عن الدوافع والمصالح الخفية، بفعل تراكم التجارب السلبية ودور وسائل التواصل في إبراز "الخير الاستعراضي" وحالات الخداع. ويحذر الكاتب من أن هذا المناخ…

منذ زمن ليس ببعيد، كانت البديهيات الأخلاقية مستقرة في وجدان المجتمع؛ فالخير يُفعل لذاته، والشر يُدان دون حاجة إلى نقاش طويل. كانت الأفعال السيئة هي التي تُستدعى لتقديم التبريرات، ويُحاصر فاعلها بأسئلة: لماذا فعلت؟ وما الذي دفعك؟ أما اليوم، فقد انقلب المشهد على نحو لافت؛ إذ باتت الأفعال الجيدة هي التي تُقابل بالاستغراب، وتُحاصر أحيانًا بسيل من الشكوك والتساؤلات: ما مصلحته؟ ماذا يريد؟ هل وراء هذا المعروف غاية خفية؟

هذا التحول ليس عابرًا، بل يعكس تغيرًا عميقًا في البنية النفسية والاجتماعية للمجتمعات. لقد أصبح الشك هو القاعدة، وحسن الظن استثناءً يحتاج إلى شجاعة. ومع تكرار التجارب السلبية، وتنامي صور الاستغلال المقنّع بالخير، تشكّلت لدى الأفراد حالة من الحذر المفرط، جعلتهم يعيدون تفسير حتى أبسط صور العطاء بعيون مرتابة.

في الماضي، كان الفعل الأخلاقي جزءًا من الهوية الاجتماعية، لا يحتاج إلى تبرير لأنه متسق مع منظومة القيم السائدة. أما اليوم، فقد تراجعت مركزية القيم المشتركة، وحلّ محلها نوع من الفردية الحادة، حيث يُقاس كل فعل بميزان المنفعة الشخصية. ونتيجة لذلك، أصبح الإحسان يُفسّر أحيانًا بوصفه استثمارًا، والكرم يُقرأ كوسيلة لتحقيق نفوذ، وحتى الصدق قد يُشكك فيه إذا لم يخدم مصلحة ظاهرة.

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مضاعفًا في هذا التحول؛ فهي من جهة أبرزت نماذج من “الخير الاستعراضي” الذي يُمارس لأجل الظهور، ومن جهة أخرى عمّمت حالات الخداع والتزييف، مما رسّخ قناعة ضمنية بأن “ليس كل ما يبدو خيرًا هو كذلك”. وهنا بدأت العدوى النفسية تنتشر: كل فعل جميل يُفترض فيه الشك حتى يثبت العكس.

لكن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في الشك، بل في الأثر التراكمي لهذا المناخ؛ إذ قد يتردد الإنسان في فعل الخير خشية التأويل أو الاتهام، وقد يتراجع عن مبادرة إنسانية خوفًا من سوء الفهم. وهنا نخسر شيئًا ثمينًا: العفوية الأخلاقية. ذلك الدافع النقي الذي كان يحرك الإنسان نحو الخير دون حسابات معقدة.

إن أخطر ما في هذا التحول أنه يعيد تشكيل الضمير الجمعي؛ فحين يصبح الخير محل ريبة، فإننا نهدد الأساس الذي تقوم عليه الثقة الاجتماعية. والمجتمع الذي يفقد ثقته المتبادلة، يتحول تدريجيًا إلى بيئة باردة، تحكمها الحسابات لا القيم، والمصالح لا المبادئ.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نقف عند التشخيص فقط، بل يجب أن نعيد التوازن. ليس المطلوب أن نعود إلى سذاجة مطلقة، ولا أن ننكر وجود الاستغلال، بل أن نُحيي ثقافة التوازن: أن نحسن الظن دون غفلة، وأن نُقدّر الخير دون أن نُحمّله دائمًا نوايا خفية. فالأصل في القيم أن تُعاش لا أن تُشتبه.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل فرد:

هل سنسمح لهذا الزمن أن يُقنعنا بأن الخير يحتاج إلى دفاع، أم سنبقى أوفياء لفطرة تعرف أن النور لا يحتاج إلى تبرير ليكون نورًا؟