المريض الذي يسكن منطقة جبلية ويعاني آلاماً حادة في البطن، لا يحتمل الانتظار حتى ينتقل إلى المستشفى الذي يبعد عنه ساعة، ويحتاج إلى تشخيص سريع وحل غير تقليدي، وهو ما يوفره جهاز روبوتي متطور للتصوير بالموجات فوق الصوتية، يتيح إجراء الفحوص التشخيصية عن بُعد مدعوماً بآليات الذكاء الاصطناعي.المريض نفسه أو غيره قد يحتاج إلى الكشف لاحقاً عن صحة قلبه، لكنه بدلاً من معرفة تشخيص حالته الراهنة، ستمكنه أدوات الذكاء الاصطناعي من التنبّؤ المبكر بأمراض القلب ومعرفة مدى استعداده للإصابة بها، في الوقت نفسه قد تساعد التقنيات نفسها أسرة أخرى على اكتشاف إصابة طفلها بالتوحّد في سن مبكّرة، بما يفتح الباب للتدخل المبكّر والعلاج المناسب.هذه النماذج ضمن قائمة طويلة لاختراقات علمية تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في إعادة تعريف مفهوم الرعاية الصحية والخدمات العلاجية، وإدارة المؤسسات الصحية، بما يمنح الأطباء باختلاف تخصصاتهم فرصاً أكبر للتعمق في تفاصيل الحالات المرضية، ويعزز دقة التشخيص وجودة الرعاية.«الخليج» تضيء على أبرز التطبيقات التي تغير من ملامح الرعاية الصحية التي تبنتها «مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية» ضمن إطار وطني أوسع يشمل تطوير الأدوات وتحسين الحياة.روبوت الأشعة عن بُعدفي بعض الحالات الطبية تكون سرعة التشخيص أهم عوامل علاج المريض، فالمسافة بينه وبين المستشفى قد تكلفه حياته، لاسيما إن كان يسكن المناطق الجبلية أو البعيدة من المدن ذات التحديات التشغيلية، وهنا تظهر أهمية عملية التشخيص عن بُعد بما يدعم السرعة ولا يخل بالدقة، وهو ما يوفره جهاز روبوتي متطور للتصوير بالموجات فوق الصوتية، تم تشغيله بمركز «الجير الصحي» برأس الخيمة، التابع لمؤسسة الإمارات للخدمات الصحية.يتيح الجهاز إجراء الفحوص التشخيصية عن بُعد تحت إشراف مباشر من طبيب متخصّص في المستشفى المرجعي، من دون الحاجة إلى نقل المريض لمسافات طويلة، إذ يسلّط على المريض في المركز الصحي، بينما يتولى طبيب الأشعة في المستشفى المرجعي التحكم في الفحص وقراءة النتائج لحظياً، ما يتيح اتخاذ قرار تشخيصي سريع، خاصة في الحالات الطارئة.**media[8054604]**تقول الدكتورة أمينة الجسمي، مديرة إدارة الأشعة في المؤسسة، إن التقنية تمنح الطبيب سيطرة كاملة على عملية الفحص، مع درجة دقة مرتفعة توازي دقة أجهزة الأشعة العادية، إذ يتمكن الطبيب من التعامل مع صور الأشعة والتحكم في الجهاز عن بُعد ومن ثم يشخص الحالة فوراً ويقرر ما إذا كانت تستدعي التحويل العاجل أو يمكن التعامل معها في المركز الطبي.وتوضح ل«الخليج» أهمية سرعة التشخيص، بأنه في بعض الحالات مثل الاشتباه في التهاب الزائدة الدودية لدى الأطفال يؤدي تأخر نقل المريض، من دون تشخيص إلى مضاعفات.وتشير إلى أن الجهاز جرى تطبيقه في المركز، وتدرس المؤسسة توسيع نطاقه ليشمل عدداً أكبر من المراكز البعيدة، مع بحث إمكانية استخدامه مستقبلاً في منازل كبار المواطنين.التنبّؤ بأمراض القلبتتجاوز أدوار الذكاء الاصطناعي في عالم الطب حد التشخيص، وتذهب به إلى التنبّؤ بالمرض، إذ تتبنّى مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، برنامجاً متقدماً للكشف المبكّر عن أمراض القلب، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، في خطوة تستهدف خفض عوامل الخطورة قبل تطور المرض، عبر رصد المؤشرات الصحية ابتداءً من عمر 18 عاماً. ويعتمد البرنامج على تحليل البيانات الصحية والشخصية للمريض، بما يشمل التاريخ المرضي ونمط الحياة وعوامل الخطورة، ليعدّ النظام الذكي خطة تدخل علاجية ووقائية فردية لكل حالة.اختلاف العواملوتوضح د. أسما البلوشي، من الرعاية الصحية الأولية بالمؤسسة، أن البرنامج يختلف عن النماذج التقليدية المعمول بها عالمياً، حيث تبدأ بعض الأنظمة في الولايات المتحدة وأوروبا، بعمليات الفحص عند سن الأربعين، بينما خفضت سنّ البداية في الإمارات إلى 18 عاماً، لاختلاف عوامل الخطورة وبداية ظهور المؤشرات المبكّرة لأمراض القلب في أعمار أصغر.**media[8054606]**وتضيف أن الذكاء الاصطناعي يحلّل البيانات ويقدّر مستوى الخطر خلال السنوات العشر المقبلة، ومن ثم اقتراح خطة تدخل مخصصة تسهل على الطبيب اتخاذ القرار، وتختصر الوقت، وتخفض الكلفة، مع نسبة دقة تصل إلى نحو 90% وفق النتائج الأولية.تحول استراتيجيوأكدت أن البرنامج يعكس تحولاً استراتيجياً من نموذج الرعاية العلاجية إلى نموذج الرعاية الوقائية، بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية لجودة الحياة 2031. مشيرة إلى أن التطبيق جارٍ ضمن مراحل مدروسة، مع استكمال الدراسات والتوسّع التدريجي خلال السنوات المقبلة.«ميثاء».. ممرضة رقمية لاستقطاب الكفاءاتليست مجرد منصة توظيف رقمية، بل وكيل افتراضي بهوية إماراتية يتحدث ويحاور ويقيّم ويقترح المسارات المهنية، «ميثاء» نظام ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعي لإدارة واستقطاب وتخطيط المسار المهني لأطقم التمريض، ضمن رؤية جديدة لإعادة هندسة إدارة القوى العاملة في القطاع الصحي.تعتمد «ميثاء» على مقابلات فيديو مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتقييم المهارات التقنية ومهارات التواصل، وأدوات تحليل تنبّئية قادرة على رصد الفجوات المهارية قبل تحولها إلى تحديات تشغيلية. كما تُجري عمليات تحقق آلي من المؤهلات ضمن أطر تنظيمية متعددة، مع الاحتفاظ بسجلات تدقيق دقيقة تضمن الامتثال الكامل.المشروع الذي تتبنّاه المؤسسة وتنفذه بالشراكة مع مجموعة «تيرن» المتخصصة في البنية التحتية للقوى العاملة في قطاع الرعاية الصحية، هو الأول في العالم.**media[8054602]**ويقول أفيناف نيغام، المؤسس والرئيس التنفيذي، إن الممرضة الرقمية ميثاء منصة متكاملة لإدارة قوى العمل في التمريض، بدءاً من استقطاب الكفاءات، مروراً بتقييم مهاراته والتحقق من المؤهلات، وصولاً إلى التخطيط الطويل الأمد واستشراف الاحتياجات المستقبلية.اكتشاف التوحّد من عمر عام ونصففي ميدان الطب النفسي حل الذكاء الاصطناعي معضلة أخرى عبر الكشف المبكر عن اضطراب طيف التوحّد من عمر عام ونصف، بما يعزز فرص التدخل المبكّر ويواجه التحدي الأكبر المتمثل في تأخر سن الكشف عن التوحد، إذ يصل بعض الأطفال إلى سن الرابعة أو الخامسة وأحياناً الثامنة، من دون تشخيص واضح.وتعتمد التقنية الجديدة التي تتبنّاها المؤسسة على إجراء فحص معياري عبر عرض مقاطع فيديو للأطفال تتضمن أشكالاً وأشخاصاً مع استخدام تقنيات تتبع حركة العين لقياس أنماط الاستجابة البصرية والسلوكية وهي منهجية مطبقة في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، مع مواءمتها ثقافياً لتناسب البيئة المحلية.وتطبق هذه التقنية في مراكز الرعاية الأولية، مع وجود نسخة منزلية بتطبيق ذكي يتيح للأهل إجراء التقييم من المنزل.نتائج واعدةيوضح د. عمار حميد البنّا، مدير مستشفى «الأمل للصحة النفسية» التابع للمؤسسة، أن هذه التقنية طوّرت بمشروع بحث مشترك بالتعاون مع جامعة دبي، والنتائج الأولية «واعدة»، والمشروع لا يزال في إطار بحثي ومن المتوقع استكمال العيّنة خلال النصف الثاني من هذه السنة قبل إعلان نتائج نهائية.**media[8054603]**ويؤكد أن المشروع يسعى مستقبلاً إلى خفض سن الفحص تدريجياً ليشمل أعماراً أصغر، مع دراسة إمكانية إدخال أدوات تقييم مبكرة بدءاً من أشهر العمر الأولى، بمؤشرات علمية مقننة ومبتكرة.