الخشوع في الصلاة .. كيفيته ودعاؤه المُستجاب

الخشوع في الصلاة، من الأمور التي يرغب فيها كل مسلم يعاني شرود الذهن وهو واقف بين يدي الله عزوجل، فقلّما يسلم مسلم من السرحان أو التفكير في أمور الدنيا، لذا نرصد في التقرير التالي كيفية الخشوع في الصلاة، والسبل التي تعينك عليه.

ينبغي على المسلم الراغب في أن تكون صلاته في خشوع الحرص على تصفية قلبه من عوالق تلك الأمور قبل الشروع بتكبيرة الإحرام، فيكون حاضر القلب في صلاته من التكبير إلى التسليم، بحيث لا يفكر في غير صلاته، ويعمل على مجاهدة النفس في ذلك - ولو طال الأمد - حتى يصلي صلاة تامة كاملة.

قال الإمام الغزالي رحمه الله: "اعلم أن تخليص الصلاة من الشوائب والعلل، وإخلاصها لله تعالى، وأداؤها بالشروط الظاهرة والباطنة من خشوع وغيره، سبب لحصول أنوار القلب ... فليحذر الإنسان مما يفسدها ويحبطها، فإنها إذا فسدت فسدت جميع الأعمال، إذ هي كالرأس للجسد". ينظر "إعانة الطالبين".

وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من السنن تعويضا لما قد ينقص الأجر في صلاتنا، جاء في "مغني المحتاج": "والحكمة في السنن تكميل ما نقص من الفرائض بنقص نحو خشوع كترك تدبر قراءة".

روى الإمام أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ»، قَالَ: " يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ).

ومن فضل الله علينا أن الصلاة ما دامت مستوفية لشروطها وأركانها فهي صحيحة، ولا يبطلها قلة الخشوع فيها، لكن يقلل من أجرها، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) المؤمنون/1-2.

وهناك جملة من الأمور التي تساعدك على الخشوغ في الصلاة منها: الاستعداد للصلاة بعد دخول وقتها من ترديد أذان، وحسن وضوء والاستشعار بمن ستقف بين يديه في الصلاة، والحرص على صلاة الجماعة، ومعرفة أركان وسنن الصلاة، واستحضار ما تقرؤه في الصلاة من قرآن وذكر، مع سؤال الله دائما أن يرزقك الخشوع، وأن يجنبك المعاصي، فقد تكون هي سبب حرمان الخشوع.

أوضح مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، 6 خطوات بسيطة يستطيع بها المسلم أن يصل إلى الخشوع في الصلاة، وذلك على النحو الآتى:

1. حسن الاستعداد للصلاة بإسباغ الوضوء والملبس المناسب.

3. اختيار مكان مناسب للصلاة بعيدًا عن التشويش.

4. استحضار عظمة الله وكأنك واقف بين يديه سبحانه.

وفي حكم الخشوع في الصلاة؛ هل هو سنة أم فرض؟، أم يعتبر من فضائلها ومكملاتها، اختلف الفقهاء على رأيين:

القول الأول: ذهب جمهورُ الفقهاءِ إلى أنّ الخشوعَ في الصلاةِ سُنّةٌ من سننِ الصلاةِ، بدليلِ صحةِ صلاةِ من يُفكّرُ في الصلاةِ بأمرٍ دنيويٍّ، ولم يقولوا ببطلانِ صلاةِ من فكَّر في صلاتهِ.

واستدلوا بما رواه أبو هريرة - رضي اللهُ عنهُ-: «أنَّ النبيَّ -عليه الصّلاة والسّلام- رأى رجلًا يعبثُ بلحيتهِ في الصلاةِ فقال: لو خَشعَ قلبُ هذا لخشعت جوارحُهُ»؛ وما يُفهَم من الحديث أنَّ هناكَ أفعالًا تُكرهُ في الصلاةِ لأنها تُذهبُ الخشوعََ، وعلى المصلِّي البُعدَ عنها وتجنّبها، كالعبثِ باللحيةِ أو الساعةِ، أو فرقعةُ الأصابعِ، كما يُكرهُ للمصلِّي دخول الصلاةِ وهناك ما يشغلهُ عنها، كاحتباسِ البولِ، أو الجوعِ أو العطشِ، أو حضورِ طعامٍ يشتهيهِ.

القول الثاني: ذهب أصحاب هذا القول إلى أن الخشوع في الصلاة واجب؛ وذلك لكثرة الأدلة الصحيحة على ذلك، ومنها قوله تعالى: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ»، وقوله –تعالى-: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ»، والخشوع الواجب في الصلاة الذي يتضمّن السكينة والتواضع في جميع أجزاء الصلاة، ولهذا كان الرسول -عليه الصّلاة والسّلام- يقول في ركوعه: «اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري، ومُخّي، وعظمي، وعصبي»، فجاء وصف النبي -عليه الصّلاة والسّلام- بالخشوع أثناء ركوعه، فيدل على سكونه وتواضعه في صلاته.

وقد فسر بعض العلماء قوله –تعالى-: «الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ» بأن الخشوع في القلب، وفي قول آخر: (معنى الخشوع أي: الرّهبة لله تعالى)، وقيل: عدم الالتفات في الصلاة، وغضّ البصر، والخوف من الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك أيضًا خشوع الصوت؛ فإذا كان الخشوع في الصلاة يُعتَبر عند بعض العلماء واجبًا، والذي يعني السّكون، فمن نقر في صلاته نقر الغراب لم يخشع في صلاته، وكذلك من رفع رأسه من الركوع ولم يستقرّ قبل أن ينخفض لم يسكن بفعله هذا، ومن لم يسكن في صلاته لم يخشع في ركوعه وسجوده، ومن لم يخشع في صلاته يُعتَبر آثمًا عاصيًا.

الأصل في طلب الخشوع في الصلاة ما دلَّ عليه في القرآن الكريم والسُّنةِ النبوية، حيث قالَ –تعالى- في كتابهِ العزيز: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ»؛ فالمؤمنون هم الذين يخشعون في صلاتهم، ومعنى الخشوعِ هنا: لينُ القلبِ وكف الجوارحِ.

ومن السُّنِة النبويةِ قولهُ -عليه الصّلاة والسّلام: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»؛ أي: استحقّ بفعله هذا الجنّة، وأصبحت واجبةً له.

وفي بيان حكم عدم الخشوع في الصلاة، قال الشيخ عويضة عثمان مدير إدارة الفتوى الشفوية بدار الإفتاء المصرية، إن حديث النفس ولو طال في الصلاة لا يبطلها، وإن عروض الفكر للمصلي في أثنائها لا يؤثر في صحتها ولكنه يكره.

وأوضح «عويضة» في تصريح له، أن الاستغفار عقب الصلاة يجزئ عن عدم خشوعنا أثناء أداء الفريضة، مؤكدًا أنه يجب علينا عدم إعادة الصلاة التي لم نخشع فيها، مستشهدًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن إعادة الصلاة في يوم مرتين». أخرجه النسائي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.