المليشيا الحوثية تقدم نفسها منذ سنوات بوصفها حركة تقاتل من أجل فلسطين والمسجد الأقصى، وتستخدم صور غزة والأعلام الفلسطينية والخطاب الديني في حشد أنصارها وتبرير عملياتها العسكرية في البحر الأحمر والمنطقة، غير أن الله أعطانا عقولاً نفكر بها وأن اختبار هذا الخطاب لا يكون بالشعارات التي ترفعها المليشيا في المسيرات، وإنما بما فعلته داخل اليمن وضد جيرانها، وبكيفية تعاملها مع المساجد والعلماء والنساء والمعارضين والمال العام، وبالنتيجة التي تركتها سياساتها على اليمنيين وعلى أمن دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
وتكشف الوقائع الموثقة أن المسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف سياسي مع الحوثيين، وإنما بفجوة واضحة بين خطاب يرفع عنوان نصرة المقدسات الفلسطينية وممارسة داخلية اتسمت، بحسب تقارير دولية وحقوقية، بالتضييق على الممارسات الدينية المخالفة لتفسير الجماعة، والاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، والانتهاكات ضد النساء، والاستيلاء على موارد الدولة، وفرض الجبايات، واستخدام جزء من الإيرادات العامة في تمويل الحرب.
وقد وثقت تقارير دولية أن الحوثيين يسيطرون على مناطق تضم نسبة كبيرة من سكان اليمن، وأنهم فرضوا فيها منظومة دينية وتعليمية وإدارية مرتبطة بأيديولوجيتهم، بينما تعرض المخالفون والمعارضون لضغوط واعتقالات وانتهاكات متعددة، «المصدر ـ وزارة الخارجية الأمريكية، الولايات المتحدة، التقرير الدولي للحريات الدينية في اليمن لعام 2023، 2024».
وتزداد المفارقة وضوحاً عند النظر إلى المساجد نفسها، وهي الأماكن التي يفترض أن تكون مصونة عن الصراع السياسي والمذهبي، فقد نقل التقرير الأمريكي للحريات الدينية عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن الحوثيين ارتكبوا، منذ عام 2015، أكثر من 3000 انتهاك بحق المساجد وأماكن العبادة، وأن الانتهاكات شملت قتل وخطف أئمة وخطباء والاعتداء على المصلين ومنع بعض الشعائر السنية، وأشار المصدر نفسه إلى 109 حالات قتل لرجال دين وأئمة وقيادات دينية نسبت إلى الحوثيين، مع التنبيه إلى أن هذه الأرقام واردة عن جهة حقوقية يمنية مطلعة، وليست إحصاءً أممياً مستقلاً، «المصدر ـ وزارة الخارجية الأمريكية، الولايات المتحدة، التقرير الدولي للحريات الدينية في اليمن لعام 2022، 2023»،
وهنا تظهر المفارقة الأساسية، فإذا كان المسجد الأقصى رمزاً للمقدسات الإسلامية في الخطاب الحوثي، فإن احترام المسجد لا يمكن أن يكون انتقائياً، ولا يمكن أن تكون حرمة المسجد مرتبطة بموقعه الجغرافي أو بالجهة التي تسيطر عليه، فالمسجد في صنعاء، وتعز، وعمران، وصعدة، والحديدة، وسائر المدن اليمنية، هو أيضاً بيت من بيوت الله، والمصلون اليمنيون ليسوا أقل قيمة من أي مصلين آخرين، ولذلك فإن استهداف المصلين أو منع الشعائر أو إخضاع الخطباء والأئمة للتوجيه السياسي والمذهبي يطرح سؤالاً جوهرياً عن حقيقة الخطاب الديني الذي تتبناه المليشيا، كما أن استهداف المليشيا الحوثية قبل أيام مسجد الطوال في جازان بالسعودية لن يكون الأخير لإستهداف المساجد ودليل إضافي على حقدهم على مساجد الله وإرادة قتل المصلين، وتؤكد التقارير الدولية أن القمع الديني في مناطق سيطرة الحوثيين لم يكن حالة عابرة، فقد ذكرت اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية في تقريرها الصادر عام 2025، أن الجماعة واصلت ممارسة انتهاكات ممنهجة وجسيمة للحرية الدينية، وأنها تنشر تفسيراً دينياً واحداً عبر التعليم والجيش ومراكز الاحتجاز والإعلام والمجتمع المدني، وأن من يرفض هذا التفسير قد يتعرض للترهيب أو العنف أو يضطر إلى مغادرة مناطق سيطرة الجماعة، «المصدر- اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية، الولايات المتحدة، تقرير الحرية الدينية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أغسطس 2025»،
والأكثر دلالة أن وزارة الخارجية الأمريكية أفادت، استناداً إلى بيانات مشروع رصد الأحداث ومواقع النزاع المسلح، بأن 90 في المائة من نحو 1100 حادثة قمع ديني مسجلة في اليمن بين يناير 2020 ومارس 2022 وقعت في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وشملت الممارسات فرض الأيديولوجيا الحوثية على التعليم والمجال الديني وفرض ما وصفه التقرير بالضرائب الدينية، إضافة إلى قمع بعض الممارسات المرتبطة بالتيار السني، «المصدر- وزارة الخارجية الأمريكية، الولايات المتحدة، التقرير الدولي للحريات الدينية في اليمن لعام 2023، 2024»،
ولا تقف المسألة عند حدود المساجد والخطاب الديني، فالوثائق الدولية تتحدث عن نمط أوسع من القمع، ففي عام 2024 وثقت وزارة الخارجية الأمريكية 42 حالة قتل خارج نطاق القضاء نسبت إلى الحوثيين من أصل 74 حالة حققت فيها اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان خلال الفترة من أغسطس 2023 إلى يوليو 2024، كما أورد التقرير حادثة اقتحام مسلحين حوثيين مسجداً في محافظة المحويت وإطلاق النار عشوائياً، ما أدى إلى مقتل رجل وامرأة، «المصدر- وزارة الخارجية الأمريكية، الولايات المتحدة، التقرير السنوي عن ممارسات حقوق الإنسان في اليمن لعام 2024، 2025»، وإذا كان شعار المليشيا يتحدث عن نصرة المظلومين، فإن سجل السجون يفتح باباً آخر للمقارنة، فقد وثقت منظمة العفو الدولية حالات اعتقال تعسفي واختفاء قسري وتعذيب ومحاكمات غير عادلة في سجون الحوثيين، من بينها قضية القاضية والناشطة الحقوقية فاطمة العرولي التي صدر بحقها حكم بالإعدام بعد محاكمة وصفتها المنظمة بأنها جائرة، كما وثقت المنظمة اعتقال القاضي عبدالوهاب قطران لأكثر من 5 أشهر في مركز احتجاز تديره أجهزة الحوثيين في صنعاء قبل الإفراج عنه، «المصدر- منظمة العفو الدولية، بريطانيا، اليمن: مدافعة حقوق الإنسان فاطمة العرولي معرضة لخطر الإعدام، 1 فبراير 2024»، و»المصدر- منظمة العفو الدولية، بريطانيا، اليمن: الإفراج عن القاضي عبدالوهاب محمد قطران بعد الاحتجاز التعسفي، 20 يونيو 2024».
أما ما يتعلق بانتهاك الأعراض والاعتداءات الجنسية، فهذه ليست اتهامات إعلامية عابرة يمكن إطلاقها بلا دليل، بل توجد حالات وثقتها آليات الأمم المتحدة، فقد حققت مجموعة الخبراء البارزين بشأن اليمن في أوضاع نساء احتُجزن في مراكز سرية تديرها جماعة الحوثي في صنعاء، ووثقت تعرض 6 نساء للاغتصاب من جانب عناصر حوثية، كما وثقت تعرض امرأتين لأشكال أخرى من العنف الجنسي، وخلصت إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد باستمرار ارتكاب أطراف النزاع، ومنها الحوثيون، أعمال عنف قائم على النوع الاجتماعي قد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب، «المصدر- الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، تقرير فريق الخبراء البارزين بشأن اليمن، سبتمبر 2020»
كما وثقت الأمم المتحدة حالات خطف واحتجاز لنساء وفتيات على أيدي قوات أمن تابعة للسلطات الحوثية ومقاتلين حوثيين في صنعاء والحديدة، وكان بعضهن يحتجزن لأشهر، وهي ممارسات قالت الأمم المتحدة إنها تعرض النساء لخطر العنف الجنسي وتحمل آثاراً اجتماعية ونفسية خطيرة، «المصدر- الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، التقرير التفصيلي لفريق الخبراء البارزين بشأن اليمن، 2019».