كان على الحوثيين أن يتوقفوا طويلًا أمام موقعهم في حسابات التاريخ والجغرافيا، وفي الخريطة الجيوسياسية والتوازنات الاستراتيجية الإقليمية والدولية، قبل أن يخوضوا مغامراتهم الصبيانية بالتمدد خارج مناطق سيطرتهم، وقبل أن يتوهموا أن في وسعهم كسر إرادة المملكة العربية السعودية، الدولة المحورية في الإقليم والعالم، فها هي عملية «فجر اليمن» التي تخوضها الدولة اليمنية بدعم من التحالف بقيادة المملكة، وفي ظل مظلة الدفاع المشترك التي أتاحتها اتفاقية مكة، تكشف لمن أراد أن يرى أن الميليشيا التي ظنت أن الزمن في صالحها بدأت تدرك أنه لم يكن يومًا حليفًا لمن يبني مشروعه على السلاح وحده، وأن الجغرافيا التي احتمت بها طويلًا في الجبال والوديان لا تصنع انتصارًا، وإنما تؤجل لحظة الحساب، وأن التاريخ الذي يتجاهله أصحاب المشاريع العدمية يحتفظ بسجل دقيق لمن غامر ضد هذه الأرض ولمن انتهى به الأمر، وليس في ذلك السجل صفحة واحدة تقول إن من تحدى المملكة خرج منتصرًا.
والحقيقة الجغرافية الأولى التي ينبغي أن تُقرأ بهدوء أن المملكة ليست دولة صغيرة محاصرة بين حدود ضيقة، وإنما قارة مصغرة تمتد على أكثر من مليوني كيلومتر مربع، تطل على الخليج العربي شرقًا وعلى البحر الأحمر غربًا، وتستند إلى عمق صحراوي شاسع يمنحها ما يسميه علماء الاستراتيجيا العمق الاستراتيجي، فلا يمكن لأي قوة أن تضربها ضربة واحدة تشل قرارها أو تعطل شرايينها، فهي تملك مراكز ثقل متعددة، وموانئ على بحرين، وطرق إمداد متنوعة، وخطوط أنابيب تربط حقول الشرق بميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يجعل أي محاولة لخنقها من جهة واحدة محاولة فاشلة سلفًا، أما الحوثيون فيتحركون في رقعة جبلية معزولة، تحيط بها جغرافيا لا تخدمهم، وتتوزع جبهاتها على تضاريس وعرة تمنحهم القدرة على الاستنزاف ولا تمنحهم القدرة على الحسم، وهذا الفارق بين من يملك العمق ومن يملك المتراس هو أول دروس الجغرافيا التي لم يحسن الحوثيون قراءتها.
وإلى جانب القوة الجغرافية تقف حقيقة حضارية لا يملك خصوم المملكة مثلها، فهذه الدولة ليست كسائر الدول، وإنما هي قلب العروبة الحضارية، وحاضنة الحرمين الشريفين، ووجهة قلوب نحو ملياري مسلم يتجهون إلى قبلتها في كل صلاة، ولذلك فإن المساس بأمنها ليس مساسًا بحدود دولة فحسب، وإنما مساس بخط أحمر في وجدان أمة بأكملها، وقد قدمت الميليشيا الدليل على ذلك حين وصلت مغامراتها إلى محاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيّرة، وهي محاولة أدانها مجلس الوزراء السعودي ومجلس وزراء الداخلية العرب، والدول العربية والإسلامية، لأنها كشفت لكل ذي بصيرة طبيعة جماعة لا تتورع عن الاقتراب من أقدس بقعة على وجه الأرض بالسلاح، وهي الجماعة نفسها التي تتحدث ليل نهار عن الدين والمظلومية، فمن يوجه سلاحه نحو حرم آمن يضع نفسه خارج إجماع الأمة، ويستدعي عليه غضبًا لا تحسبه الميليشيات في معادلاتها الضيقة.
ولا تقف قوة المملكة عند حدود الجغرافيا والمكانة الروحية، فهي اليوم اقتصاد كبير ضمن مجموعة العشرين، يملك ثقلًا في أسواق الطاقة العالمية لا يتوفر لسواه، ويمتلك صندوقًا سياديًا يُعد من الأكبر في العالم، ويمضي بثقة في مشروع رؤية 2030 الذي حوّل الصحراء إلى مدن ومشروعات كبرى، من نيوم إلى البحر الأحمر إلى القدية، وهي قوة ناعمة تتجاوز الاقتصاد إلى الثقافة والرياضة والدبلوماسية والتأثير في صناعة القرار الدولي، فحين تجتمع القوة الصلبة بالقوة الناعمة في دولة واحدة، يصبح من العبث الرهان على إنهاكها بطائرة مسيّرة أو صاروخ يُعترض في الجو، لأن المملكة تفكر بمنطق من يملك ما يخشى عليه، ومن يملك ما يخشى عليه يحسب خطواته بعناية، لكنه حين يُدفع إلى المواجهة يخوضها بعزم من يدافع عن بيته ومستقبل أبنائه، أما الميليشيا التي لا تملك سوى السلاح فهي تقاتل لتبقى، ومن يقاتل ليبقى يخسر في النهاية أمام من يقاتل ليحمي ما بناه.
والمعادلة الدولية لا تقل وضوحًا عن المعادلة الجغرافية، فالمملكة لا تقف وحدها في الميدان، وإنما تحيط بها شبكة تحالفات وتفاهمات دفاعية تتسع يومًا بعد يوم إلى جانب جيش يتمتع أفراده بالقدرة القتالية، ويتسلح بأحدث أنواع الأسلحة القتالية ولعل اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، وما تبعها من اجتماعات عسكرية وسياسية في الرياض لبحث الهجمات الحوثية وتفعيل مظلة الدفاع، خير دليل على أن الاعتداء على المملكة لم يعد شأنًا ثنائيًا يمكن عزله، وإنما صار قضية تتقاطع عندها مصالح دول لها وزنها العسكري والسياسي، وإلى جانب ذلك تقف الدول العربية والإسلامية المؤثرة التي لا تدخر جهدًا في دعم المملكة وإدانة كل اعتداء عليها، وتقف القوى الكبرى التي ترتبط مصالحها الحيوية بأمن الطاقة والممرات البحرية مع الرياض ارتباطًا لا يمكن فكه، لأن أي قوة كبرى تدرك أن استقرار المملكة جزء من استقرار الاقتصاد العالمي، وأنها لن تتخلى عن شراكتها مع دولة بهذا الثقل من أجل جماعة تسيطر على مراكز القرار في صنعاء بقوة السلاح والنفوذ الطائفي والدعم الإيراني المباشر.
ولو أن الحوثيين فتحوا سجلات التاريخ لوجدوا فيها ما يغنيهم عن كثير من التجارب المريرة، ففي عام 1934 اندلعت الحرب بين المملكة العربية السعودية بقيادة مؤسسها الملك عبدالعزيز آل سعود والمملكة المتوكلية اليمنية بزعامة الإمام يحيى حميد الدين، وكان سببها نزاعات الحدود في عسير ونجران وجازان وإيواء اليمن للمتمردين من الأدارسة، فتحركت القوات السعودية على جبهتين، جبهة الجبال وجبهة تهامة الساحلية، وتقدمت بسرعة لافتة حتى سيطرت على الحديدة في مايو من العام نفسه، ثم امتدت إلى مناطق متقدمة في العمق اليمني واقتربت من صنعاء، وانتهت الحرب بانتصار سعودي حاسم أعقبته معاهدة الطائف التي وُقعت في مايو 1934 وأنهت حالة الحرب وثبتت الحدود وأرست علاقات حسن الجوار.
وأبلغ ما في تلك الحرب ليس انتصارها العسكري وحده، وإنما ما فعله الملك المؤسس بعد النصر، فقد كانت القوات السعودية تسيطر على الحديدة ومناطق واسعة وتقترب من العاصمة، ومع ذلك قبل بوساطة المؤتمر الإسلامي وأوقف القتال، وانسحبت قواته من الحديدة وحجة والمناطق التي دخلتها، فبدا بذلك أن الغاية لم تكن احتلال أرض شقيقة وإنما تأمين الحدود وإحلال السلام، وتلك هي العقيدة السعودية التي لم تتغير منذ ذلك اليوم، قوة تحسم حين تُضطر، وكرم يعفو حين تنتصر، لكن من يخلط بين العفو والضعف يدفع في النهاية ثمن خطئه، فالدولة التي بسطت يدها بالسلام بعد النصر قادرة على أن تعيد الحسم حين يستبد بها من لا يفهم لغة السلام.