ليست كل قوةٍ تملك الصاروخ قادرةً على صناعة النصر، وليست كل دولة تتعرض للتهديد دولةً تقف على حافة السقوط، فقد اتخذ الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- خطوته الشجاعة في رسالة حازمة للقوى الكبرى المتضامنة مع الاحتلال قائلاً: «لا نفط للعالم ومصر تحارب، وحرب مصر هي حرب الأمة كلها»، وتابع -عليه رحمه الله- في موقفه الشهير: «كنا نعيش تحت الخيام، ونستطيع أن نعود إليها، فلئن نخسر المال ولا نخسر الشرف.. والله لا قطرة نفط لهم وإخواننا المصريون في الحرب».
إننا لا نخشى شيئًا مادامت كلمتنا واحدة وصفنا متضامنًا، لكن ثمة خطأ متكرر في قراءة المشهد اليمني، يتمثل في التعامل مع التصعيد الحوثي باعتباره دليلًا قاطعًا على قوة الجماعة الحوثية، فيما قد يكون بعض هذا التصعيد تعبيرًا عن مأزقها في إدارة النفوذ، وحاجتها المستمرة إلى إثبات قدرتها الواهية على فرض الحضور، وإبقاء أتباعها داخل دائرة التعبئة، وتحويل الصراع إلى مبرر دائم لاحتكار القرار والسلاح بالإرهاب الدولى، لرفع سقف المواجهة محاولة تعويض عجزها عن بناء دولة قابلة للحياة، أو صرف الأنظار عن التناقض بين وعودها السياسية والواقع الذي يعيشه السكان تحت سلطتها وكلاهما ضدها.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق أن يتوقف عندها المحللون: ما الذي تريده الحوثية من استمرار التوتر؟ وما الذي تكسبه من توسيع دائرة الخصومة؟ والأهم، هل تتناسب المكاسب الدعائية التي تحققها مع المخاطر الاستراتيجية التي تضع نفسها واليمن والمنطقة أمامها؟، فمنذ استيلاء الحوثيين على صنعاء عام 2014، لم تعد الأزمة مجرد خلاف على السلطة داخل اليمن، بل أصبحت نموذجًا لكيفية استثمار انهيار المؤسسات، والاستفادة من مخزونات الدولة العسكرية، وبناء تحالفات مؤقتة مع خصوم الأمس، ثم استخدام القوة لفرض واقع سياسي جديد، وقد وكان تحالفهم مع علي عبدالله صالح، على الرغم من التباعد الفكري والسياسي بينهما، شاهدًا على أن المصلحة قد تتقدم على العقيدة حين تتاح فرصة الاستحواذ على الدولة، لكن التحالف الذي مكّنهم من توسيع نفوذهم لم يكن أبديًا، لينتهي بمقتل صالح في ديسمبر 2017، لتظهر حقيقة لا يجوز تجاهلها: الجماعة التي تستفيد من الحلفاء ما دامت مصالحهم متقاطعة معها قد تتحول إلى خصم لهم حين يصبح وجودهم عائقًا أمام احتكارها للسلطة كما هم الحوثيون.
هذه ليست تفصيلة من تاريخ الحرب اليمنية؛ إنها مفتاح لفهم طبيعة المشروع السياسي الحوثي، وحدود الثقة في تحالفاته، والمخاطر التي تنشأ حين تصبح القوة المسلحة مرجعًا أعلى من الدولة والقانون.
السؤال عن علاقة الحوثية بالخمينية أعمق من الاختيار بين وصف الجماعة بأنها تابعة بالكامل لإيران أو مستقلة عنها تمامًا، وكليهما يُضعف التحليل، لأن النفوذ الخارجي لا يحتاج إلى إلغاء الشخصية المحلية للحليف حتى يصبح مؤثرًا في قراراته وقدرات، فإيران دولة تمتلك مؤسسات وخبرات عسكرية وشبكات نفوذ إقليمية، فيما نشأت الحركة الحوثية في بيئة يمنية لها تاريخها السياسي والاجتماعي والمذهبي الخاص. وقد أتاح التلاقي بين الطرفين مجالًا للتعاون في ملفات عسكرية وسياسية، بينما وفرت الحرب اليمنية للحوثيين الإرهابيين فرصًا للاستفادة من انهيار مؤسسات الدولة، والسيطرة على مخزون من أسلحتها، ثم تطوير قدراتها بمساعدة خارجية، وفق ما تناولته تقارير دولية بشأن التسليح ونقل التكنولوجيا. إلا أن فهم هذه العلاقة لا يكتمل بالقول إن إيران تدعم الحوثيين، السؤال الاستراتيجي هو: كيف يتحول الدعم إلى قدرة عملياتية؟، وكيف تنتقل المكونات والخبرات إلى منظومات سلاح؟، وكيف تتكيف شبكات الإمداد مع الضغوط والاعتراضات؟، وما الذي يجعل الحوثيين قادرين على الاستمرار رغم ما تتعرض له من استهداف وعزلة؟.
هذه الأسئلة أكثر قيمة من الاكتفاء بترديد أسماء الأسلحة أو تضخيم أعدادها، لأنها تبحث في البنية التي تنتج التهديد، لا في مظاهره وحدها، وفي المقابل، فإن نسبة كل قرار حوثي إلى طهران مباشرةً تعفيهم من مسؤولية إرهابها، وتمنحها فرصة لتقديم نفسها باعتبارها مجرد طرف في صراع أكبر، لا جهة تتخذ قرارات تؤثر في اليمنيين ومحيطهم، والصواب أن الدعم الإيراني، حيث تثبته الأدلة، لا يلغي المسؤولية السياسية والعسكرية للقيادة الحوثية عن أفعالها الإجرامية، كما أن استقلال بعض حساباتها المحلية لا ينفي أثر الدعم الخارجي في تعزيز قدراتها. أما الجدل بشأن اتجاه التأثير الفكري بين الخمينية والزيدية، فلا يُحسم بالشعارات أو التشابه الظاهري، فهو موضوع يحتاج إلى دراسة تاريخية للنصوص والتحولات السياسية والفقهية، تميز بين الاختلافات المذهبية، والتأثيرات الفكرية، والتوظيف السياسي للدين، فليس كل تقارب في الخطاب دليلًا على تطابق في الجذور، وليس كل اختلاف في الأصل مانعًا من بناء تحالف شديد التماسك حين تتلاقى المصالح.
تكشف التجربة اليمنية أن امتلاك السلاح قد يمنح ميليشيا الحوثيين قدرةً على تعطيل الدولة، لكنه لا يمنحها تلقائيًا القدرة على بناء دولة مستقرة، فالسيطرة على العاصمة لا تعني السيطرة على المستقبل، والقدرة على إطلاق الصواريخ لا تعني امتلاك اقتصاد مُنتج، أو مؤسسات تحظى بقبول وطني، أو مشروع يستطيع إخراج المجتمع من الحرب والفقر والخوف. وهنا تتضح المفارقة الحوثية، فكلما توسعت هذه الميليشيا في استخدام القوة خارج إطار الدولة، ازدادت أهمية السؤال عن الثمن الذي يدفعه اليمن، لأن المغامرات العسكرية لا تُقاس بنتائجها الدعائية وحدها، بل بما تتركه من أضرار على الاقتصاد، وفرص العمل، والبنية التحتية، وحياة المدنيين، وإمكانات إعادة بناء المؤسسات.
وقد أظهرت التطورات في البحر الأحمر أن توسيع المواجهة لا يبقى محصورًا في حدود اليمن، بل يتعداه لأن استهداف السفن أو تهديد الملاحة يضع التجارة الدولية أمام مخاطر إضافية، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد الضغوط على الاقتصادات التي تعتمد على انسياب التجارة والطاقة، وبالتالي تتحول قرارات الحوثيين إلى عامل اضطراب يتجاوز النزاع الداخلي، فيما لا يضمن التصعيد لها تحقيق مكاسب سياسية مستدامة، ولا يعني ذلك التقليل من خطورة القدرات العسكرية الحوثية؛ فالتهديد الذي يمكن أن يوقع أضرارًا بالمدنيين أو المنشآت أو حركة الملاحة يستحق التعامل معه بجدية، غير أن الجدية تختلف عن التهويل، كما تختلف عن الاعتقاد بأن كل عملية عسكرية تمثل انتصارًا استراتيجيًا.
فالانتصار الحقيقي ليس في إطالة أمد الصراع، بل في امتلاك القدرة على تحويل القوة إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار. ومن يعجز عن تقديم هذه النتيجة قد يجد نفسه أسيرًا لآلة تصعيد يحتاج إلى تشغيلها باستمرار كي يبرر استمرار سلطته.