ما أضألَ القوةَ حين تُجرَّد من نُبلها، وما أهونَ البأسَ حين تنخلع عنه المروءة، وما أفدحَ خُسرانَ قومٍ أعوزتهم مناقبُ الظفر، فالتمسوا في دماء الأبرياء ما أعجزتهم عنه ميادينُ النزال! كأنما حسبوا أنَّ الفتكَ اقتدار، وأنَّ الترويعَ سيادة، وأنَّ السلاح إذا أصاب قلبًا لا يملك دفعه فقد أحرز لصاحبه من المجد ما لا تُحرزه عزائمُ الرجال. وما علموا أنَّ للقوة شرفًا لا يبلغه البطش، وللنصر حرمةً لا تستبيحها الغلبة، وأنَّ الرجل قد يحمل من السلاح ما يُرهب أمةً، ثم لا يحمل في نفسه من المروءة ما يمنعه من ظلم طفل! ولقد عرفت الإنسانية، في متعاقب عصورها، جماعاتٍ لم تجد إلى السلطان سبيلًا من العدل، فاتخذت من الإرهاب مذهبًا، ومن البطش شريعةً، ومن آلام الخلق جسرًا تعبر عليه إلى مطامعها؛ فكلما ضاقت بها مسالك الحق وسَّعت لنفسها مسالك العدوان، وكلما أعوزتها الحجة استظهرت بالحديد، حتى غدا السلاح عندها لسانًا ينطق بما عجز عنه البيان، وغدت الدماء جوابًا عن كل سؤال لا تملك له جوابًا. وما أشدَّ فقرَ النفس حين تستغني عن الرحمة بالقسوة، وعن الإقناع بالإكراه، وعن محبة الناس بالخوف منهم!
وما اعتداءات جماعة الحوثي على المدنيين والأعيان المدنية إلا صورةٌ من هذا الإفلاس الأخلاقي الذي يتخذ من صخب السلاح ستارًا لعُري الضمير، ومن الشعارات بُرقعًا لوجه العدوان؛ فلا تكاد ترى في حساباتها للإنسان حرمةً تصونه، ولا للبراءة عصمةً تحميها، ولا للدم المسفوك وزنًا يردع عنه. كأنما خُلق الناس ليكونوا وقودًا لمطامعها، وكأنما جُعلت الأوطان ميدانًا لشهوات الغلبة، لا دارًا لأهلها يأمنون فيها على أرواحهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. وأيُّ شاهدٍ أبلغُ على خطورة هذا النهج من أن يمتدَّ التهديد الحوثي إلى مطار الملك خالد الدولي بالرياض، ذلك الصرح المدني الذي يفد إليه الناس في ذمَّة الأمان، لا يحملون أوزارَ الخصومة، ولا يخوضون غمارَ الحرب، وإنما يقطعون المسافات ابتغاءَ رزقٍ، أو صلةِ رحمٍ، أو عودةٍ إلى أهلٍ أضناهم الانتظار؟ وأيُّ استخفافٍ بحرمة الحياة أعظمُ من أن تصبح المطارات، وهي منافذ اللقاء وسبل التواصل بين الناس، عرضةً لتهديد السلاح، وأن يُزجَّ بأمن المسافرين في حسابات الخصومة والصراع؟ هناك لا يقف الناس على أبواب الموت، وإنما على أبواب الحياة؛ هذا أبٌ يَعُدُّ ما بقي من الطريق إلى أطفاله، وتلك أمٌّ يسبق قلبُها خُطاها إلى فلذات كبدها، وذاك شيخٌ أثقلته السنون، لا يرجو من بقية عمره إلا أن يضع عن كاهله وعثاء الغربة، ويستريح إلى وجهٍ يألفه وصوتٍ يحبه. وهناك حقائبُ تحمل هدايا الصغار، وقلوبٌ تحمل أشواق الكبار، وبيوتٌ تتهيأ للقاء، وأعينٌ تتطلع إلى ساعة الوصول.
فأيُّ قلبٍ لا يرتجف من تصور أن تمتدَّ إلى هذا الأمان يدُ العدوان، فيصير ما كان رجاءً فجيعة، وما كان لقاءً فراقًا، وما كان موعدًا للفرح تاريخًا للحزن؟ وأيُّ نفسٍ لا يفزعها أن تتحول الأبواب التي فُتحت لاستقبال الأحبة إلى أبوابٍ للعزاء، وأن يصبح الأطفال الذين ينتظرون الهدايا منتظرين آباءَ لن يعودوا، وأن تقضي الأمهات اللواتي كنَّ يحسبن ساعات الغياب أعوامًا من اللوعة لا تنقضي؟ وما أقسى أن يخرج الإنسان من بيته وفي يده تذكرةُ سفر، ثم لا يعود إليه إلا خبرُ موته، تتلقاه القلوب قبل الأسماع، فلا تجد له الدموع عزاءً، ولا يجد له العمر نسيانًا! وتلك صورةٌ من صور المأساة التي قد يفضي إليها استهداف المطارات المدنية، لا وصفٌ لضحايا واقعةٍ بعينها.
أيُّ بأسٍ هذا الذي لا تظهر سطوته إلا حيث تغيب المقاومة؟ وأيُّ مجدٍ يُرتجى من سلاحٍ لا يعرف إلى البطولة سبيلًا إلا من خلال أجساد العُزَّل؟ وأيُّ انتصارٍ يزعمه امرؤٌ إذا كان ثمنُه دمعةَ طفلٍ فقد أباه، أو حسرةَ أمٍّ انقطع رجاؤها في عودة ابنها؟
إنَّ في الدنيا هزائمَ لا تُقاس بما يخسره المرء من أرضٍ أو عتاد، وإنما بما يسقط من نفسه من فضيلة؛ وإنَّ من أفدحها أن يبلغ الإنسان من القسوة مبلغًا لا يعود معه يرى في الدم البريء إلا وسيلةً، وفي الفجيعة إلا رسالةً، وفي الأرواح إلا أرقامًا تُضاف إلى حسابات الصراع. فليس أشدَّ سقوطًا ممن يستكثر من أسباب القوة حتى تعجز الأبصار عن إحصائها، ثم يعجز عن أن يجد في نفسه سببًا واحدًا من أسباب الرحمة.
ولئن توهَّمت هذه الجماعة، ومن يرفدها بأسباب البطش، أنَّ الصواريخ تُوطِّد أركان السلطان، وأنَّ المسيَّرات تستنبت المهابة في النفوس، فقد خلطت بين الرهبة والهيبة، وبين الإذعان والولاء، وبين الغلبة والحق. وما أبعدَ الشُّقَّة بين سلطانٍ تُقيمه العدالة في القلوب، وسلطانٍ تُقيمه المخافة على الأنقاض! ذاك تستبقيه المحبة وإن ضعفت شوكته، وهذا تتربص به النقمة وإن اشتد ساعده؛ لأنَّ القهر قد يملك على الإنسان حركته، ولكنه لا يملك عليه ضميره، وقد يُكرهه على الصمت، ولكنه لا يستطيع أن يجعل من صمته رضًا. وفي وجه هذا العدوان الذي استباح حرمة المدنيين، وامتدَّ بتهديده إلى مطاراتٍ جُعلت للأمان لا للعدوان، تجلَّت حكمةُ القيادة السعودية في أبهى معانيها، وحزمُها في أشرف مواطنه؛ فكانت لأمن الوطن درعًا لا تُثلم، ولسيادته حصنًا لا يُستباح، تجمع بين بأسٍ يردع المعتدي، ورشدٍ يصون الأرواح، وعزيمةٍ لا تُساوم على كرامة الوطن ولا تُفرِّط في سلامة أهله. وما أعظمَ الفرقَ بين قيادةٍ تجعل من القوة حارسًا للحياة، وجماعةٍ تجعل منها أداةً لترويع الأبرياء! فتلك رفعت بالحكمة رايةَ العز، وأقامت بالحزم دعائمَ الأمن، وجعلت من صون الإنسان شرفًا للسلطان؛ وهذه التمست في البطش مجدًا، وفي العدوان نصرًا، وما علمت أنَّ أسمى مراتب القوة أن تملك أسبابها، ثم تُخضعها لميزان الحق والعدل.
ولقد تجرَّع الشعب اليمني من مرارات هذه المحنة ما لو وُزِّع على السنين لأثقلها، واحتمل من أعباء الشقاء ما أضنى الصبر واستنزف الرجاء؛ حتى غدا الأمن، وهو أبسط حقوق الإنسان، أمنيةً تتعلق بها القلوب، وصار العيش الكريم، وهو أصلٌ من أصول الحياة، مطلبًا تتنازعه المحن. وما أوجعَ أن يُبتلى وطنٌ ضاربٌ في أعماق الحضارة بمن يجعل من أرضه الواسعة مضيقًا على أهلها، ومن مستقبله رهينةً لمطامعه، ومن أجياله القادمة ورثةً لأوجاعٍ لم يقترفوها! وما اليمنُ ضيعةً تُستباح، ولا شعبُه ميراثًا يُقتسم، ولا أطفالُه رهائنَ لمشيئة جماعة، ولا مستقبلُه غنيمةً لمن استطال عليه بقوة السلاح. فإنَّ للأوطان من الحقوق ما لا تُسقطه سطوةُ المتغلِّب، وللشعوب من الكرامة ما لا تُبطله غلبةُ القاهر، وللأجيال التي لم تولد بعدُ نصيبًا من الأمن والعمران لا يملك أحدٌ أن يبدده في أتون المطامع.