«الحقيني يا دعاء أنا بموت».. تفاصيل مرافعة النيابة في جريمة هزت شبرا الخيمة والمتهم نجل الضحية

لم تكن جلسة المحاكمة عادية أمام محكمة جنايات شبرا الخيمة، بعدما تحولت أوراق قضية مقتل السيدة «صنعة عبد العزيز محمد» إلى مشهد إنساني قاسٍ، تتداخل فيه تفاصيل جريمة قتل مع مأساة أسرة انتهت فيها علاقة الأم بابنها إلى واقعة اتُهم فيها الأخير بإنهاء حياتها.

وتنظر القضية رقم 12910 لسنة 2024 جنايات قسم أول شبرا، والمقيدة برقم 2994 لسنة 2024 كلي جنوب بنها، أمام الدائرة الأولى بمحكمة جنايات شبرا الخيمة، برئاسة المستشار أيمن فؤاد فهمي، وعضوية المستشارين أيمن حسين حمدان، وحسام همام العادلي، وهيثم حلمي علي، ومحمد علي حمودة، وأمانة سر إيهاب سليمان.

وخلال نظر القضية، قدم المستشار مصطفى محمود، وكيل النائب العام بنيابة جنوب بنها الكلية، مرافعة مطولة ومؤثرة أمام هيئة المحكمة، تحت إشراف المستشار كريم فرج، المحامي العام لنيابة جنوب بنها، والمستشار رفعت فيصل، رئيس النيابة الكلية بنيابة جنوب بنها الكلية، استعرض خلالها تفاصيل الواقعة وأدلة الاتهام وما تضمنته التحقيقات من أقوال المتهم والشهود والتحريات والأدلة المادية والتقرير الطبي الشرعي.

واستهل ممثل النيابة مرافعته بتلاوة قول الله تعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما»، ثم تساءل: «فهل بعد قول الله قول؟ وهل بعد حكمه حكم؟»، مؤكدًا أن بر الوالدين فرض، وأن العقوق عار، وأن جزاء الإحسان لا يمكن أن يكون طعنة غدر أو ضربة قهر أو اعتداء ينتهي بالموت على يد من يفترض أن يكون سندًا لأمه.

وقال ممثل النيابة إنهم يقفون أمام «محراب العدالة»، حيث لا تضيع صرخات المظلومين ولا تهدر دماء الأبرياء، مستعرضًا ما اعتبره التناقض الصارخ بين مكانة الأم وما انتهت إليه الواقعة من اعتداء اتهم فيه نجلها بقتلها، مؤكدًا أن القضية، وفقًا لما عرضته النيابة، لا تقف عند حدود واقعة قتل، وإنما تحمل صورة قاسية من صور العقوق، بعدما جاءت الضربات، حسب ما ورد في المرافعة وأوراق القضية، من الابن الذي كان يفترض أن يكون الأقرب إلى والدته والأكثر رحمة بها.

وتحدث ممثل النيابة عن صعوبة صياغة المرافعة، متسائلًا كيف يمكن للكلمات أن تصف ما تعجز الحروف عن نقله، وكيف يمكن سرد قصة قالت النيابة إن الدماء كتبت تفاصيلها، ووصف القضية بأنها جريمة اختلط فيها الألم بأنين أم قضت ساعاتها الأخيرة تحت وطأة الاعتداء، وفقًا لما انتهت إليه التحقيقات وأدلة الدعوى.

كما تناولت المرافعة صورة المتهم «محمد سعد عبد الحميد» كما وردت في التحقيقات، مشيرة إلى تعاطيه المواد المخدرة، وأن الخلافات بينه وبين والدته كانت ترتبط بطلبه الحصول على المال لشراء المخدرات، مستشهدًا ممثل النيابة بقول الله تعالى: «ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة»، وقال إن الحجارة قد تتفجر منها الأنهار وتخرج منها المياه، بينما لم يخرج من قلب المتهم، حسب تعبير المرافعة، سوى القسوة والطغيان.

وانتقلت النيابة للحديث عن المجني عليها «صنعة عبد العزيز محمد»، ووصفتها بأنها امرأة أنهكتها الأيام وأثقلتها الأوجاع، لكنها ظلت أمًا تحملت وصبرت وواصلت رعاية أبنائها، وقال ممثل النيابة إن المجني عليها أفنت سنوات عمرها في التربية والتضحية، وسهرت الليالي وتحملت مشقة الحياة ولم تبخل بالعطف أو الدعاء.

ثم طرح أمام المحكمة سؤالًا مؤثرًا: «فأي يد تلك التي امتدت لتطفئ نورها؟ وأي قلب ذاك الذي قسا على من وهبته الحياة؟».

وبحسب ما استعرضته النيابة، ظلت المجني عليها تتحمل تصرفات نجلها على أمل أن يتغير ويعود إلى الطريق الصحيح، بينما كان يطلب منها المال بصورة متكررة لشراء المواد المخدرة، وقالت النيابة إن الأم كانت تمنحه المال في بعض الأحيان خوفًا من بطشه، مشيرة إلى أن الخلافات والاعتداءات بين الطرفين لم تكن وليدة الواقعة وحدها.

وأضاف ممثل النيابة أن التحريات وأدلة الدعوى، وفقًا لما قدمته النيابة، أشارت إلى أن المتهم عقد العزم على قتل والدته وفكر في كيفية تنفيذ الجريمة، واستعرضت المرافعة ما اعتبرته النيابة من دلائل على وجود سبق إصرار، مشيرة إلى ما ورد بالتحقيقات والتحريات بشأن تفكير المتهم في التخلص من والدته قبل تنفيذ الجريمة.

ورسم ممثل النيابة صورة للحظات التي سبقت الواقعة، قائلًا إن المتهم جلس يفكر ويرتب ويدبر للحصول على المال والتخلص من والدته، مستندًا إلى مجموعة من الوقائع والاعترافات والتحريات، من بينها توقيت الواقعة وطريقة الاعتداء ومحاولة منع وصول الاستغاثات إلى الخارج.

ثم وصلت المرافعة إلى يوم 17 يوليو 2024، وقال المستشار مصطفى محمود إن عقارب الساعة كانت قد تجاوزت الثانية صباحًا، وكانت المجني عليها داخل منزلها تعد الطعام لنجلها دون أن تعلم، حسب ما صاغته النيابة، أن تلك الوجبة قد تكون الأخيرة التي تقدمها له، في الوقت الذي كان هو يعد لها مصيرًا آخر.

وأضاف أن المتهم طلب من والدته مبلغ 500 جنيه، واعتبرت النيابة أن الطلب كان محاولة للوصول إلى المكان الذي تخفي فيه والدته مدخراتها، قبل أن يرتفع صوته في وجهها، وهو ما جعلها تشعر بالخطر في ظل الخلافات السابقة بينهما.

ووفقًا لأقوال المتهم التي عرضتها النيابة، أحضر قطعة خشبية واعتدى بها على والدته في الرأس والجسد، ورأت النيابة أن طبيعة الأداة المستخدمة ومواضع الضربات وشدتها تمثل عناصر مهمة في استظهار القصد الجنائي، مشيرة إلى أن المتهم لم يراع كبر سن والدته أو ضعف جسدها.

وتوقفت المرافعة أمام ما نسبته النيابة إلى المتهم من تشغيل آيات من القرآن الكريم عبر التلفاز ورفع الصوت في محاولة لإخفاء صرخات الأم واستغاثاتها، وقال ممثل النيابة إن المشهد حمل مفارقة قاسية، إذ كانت آيات الرحمة تُسمع داخل المكان بينما كانت المجني عليها، حسب التحقيقات، تتعرض للاعتداء.

وبحسب رواية النيابة، سقطت المجني عليها على الأرض متأثرة بالضربات، وظن المتهم في مرحلة من المراحل أنها فارقت الحياة، وبدأ يفكر في كيفية التخلص من جثتها، لكنها عادت واستعادت قدرًا من وعيها.

وهنا، وفقًا لما استعرضته النيابة، كانت أمام المتهم فرصة للتراجع ونقل والدته إلى المستشفى وإنقاذ حياتها، إلا أن النيابة قالت إنه لم يفعل ذلك، بل نسبت إليه معاودة الاعتداء عليها واستمرارها في حالة خطرة على الأرض لساعات دون الحصول على الإسعاف أو العلاج.

وصفت النيابة الفترة التي أعقبت الاعتداء بأنها ساعات من الألم والمعاناة، وقالت إن المجني عليها ظلت مصابة وتطلب النجدة، بينما لم يقدم لها المتهم المساعدة، وأضاف ممثل النيابة أن المتهم أقر بأنه ترك والدته بعد الاعتداء، ثم دخل غرفته وشغل القرآن ونام، وفقًا لما ورد باعترافاته في التحقيقات.

وفي الوقت الذي كان المتهم، حسب تصور النيابة، يفكر في كيفية التعامل مع آثار الجريمة، جاء طرق متكرر على باب المنزل، حيث كانت «دعاء»، ابنة المجني عليها وشقيقة المتهم، قد حضرت للاطمئنان على والدتها، وبدأت تطرق الباب وتنادي عليها.

وقالت النيابة إن المتهم منعها من الدخول وهددها، ونقلت عن الشاهدة أنه قال لها: «امشي دلوقتي يا دعاء عشان مموتكيش»، لكن دعاء شعرت بأن هناك أمرًا خطيرًا يحدث داخل المنزل ولم تتوقف عن محاولة الوصول إلى والدتها.