.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
أعادت الحشود التي شاركت في مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي فتح نقاش واسع داخل إيران وخارجها بشأن دلالات هذا المشهد السياسي والاجتماعي. فبينما اعتبرها مؤيدو النظام دليلاً إلى استمرار التفاف الإيرانيين حوله، رأى معارضوه أنها نتيجة تعبئة رسمية واسعة وإمكانات ضخمة سخّرتها مؤسسات الدولة. وبين الروايتين، يبرز سؤال أكثر تعقيداً: هل حجم المشاركة يعكس فعلاً مستوى التأييد الشعبي للنظام؟قراءة هذا المشهد من منظور علمَي السياسة والاجتماع تقود إلى استنتاج مختلف. فالحشود، مهما بلغ حجمها، لا تكفي وحدها للحكم على اتجاهات الرأي العام أو قياس شرعية أي نظام سياسي. كما أن المجتمع الإيراني، بما يحمله من تنوع اجتماعي وسياسي وثقافي، لا يمكن اختزاله في مشهد واحد أو تفسيره بمنطق الأبيض والأسود. وانطلاقاً من ذلك، يحاول هذا التقرير قراءة الحدث عبر مجموعة من العوامل التي ساهمت في تشكيله.
لا يمكن إنكار أن الحضور الشعبي في مراسم الوداع وصلاة الجنازة والتشييع التي استمرت أياماً عدة في طهران وقم، جذب انتباه كثير من وسائل الإعلام العالمية، وكان أكبر بكثير مما توقعه معظم المراقبين، ولا سيما بعد أحداث الأشهر الماضية، وخصوصاً الاحتجاجات الدامية في كانون الثاني/ديسمبر وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلالها.ووفقاً لمعلومات موثوقة من مسؤولين إيرانيين، أُقيمت المراسم على مدى أيام عدة وفي مدن مختلفة لتفادي أي حوادث محتملة قد تنتج من الحشود الكبيرة. إلا أن هذه الآلية نفسها ساهمت في رفع إجمالي عدد المشاركين إلى أرقام قاربت الملايين. لذلك، فإن إنكار المشاركة الشعبية في هذه المراسم لا ينسجم مع الوقائع التي تابعها الجميع.في المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهل أن المؤسسات العسكرية والحكومية والدينية، إضافة إلى بلدية طهران، سخّرت إمكاناتها البشرية واللوجستية لتعزيز المشاركة، وأنفقت مبالغ كبيرة على النقل والإيواء والضيافة وتسهيل وصول المشاركين.
يتمتع النظام في إيران بقاعدة اجتماعية مترابطة وفاعلة، تضم شبكات دينية وعسكرية واجتماعية، مثل الهيئات الدينية والباسيج، تمتلك قدرة عالية على التعبئة والتنسيق، وتضع طاقاتها البشرية في خدمته كلما دعت الحاجة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بموقع القيادة.وخلال سنوات قيادته، عمل خامنئي على تعزيز هذه القاعدة الاجتماعية وترسيخها. وتُعد جماعة المداحين إحدى الشرائح المحورية فيها، وقد لعبت دوراً بارزاً في التعبئة خلال الأشهر الأخيرة. وفي مراسم التشييع، رفع كثير منهم رايات "يا لثارات خامنئي"، مطالبين بالانتقام ممن وصفوهم بقتلة "قائد الثورة". كما ذهبت بعض التيارات الأكثر تشدداً إلى إطلاق شعارات ضد مؤيدي التفاوض مع الولايات المتحدة، ولا سيما الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي.
من أبرز العوامل التي ساهمت في ارتفاع حجم المشاركة، أحداث الأشهر الماضية التي أعقبت الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، ومقتل خامنئي في اليوم الأول من الحرب داخل منزله مع عدد من أفراد عائلته، بينهم ابنته وزوجها، وزوجة ابنه وحفيدته. فقد أسهمت هذه الأحداث في ترسيخ صورة المظلومية حوله، وهي صورة تكتسب تأثيراً كبيراً في الثقافة الإيرانية والشيعية التي تمنح بعداً رمزياً لمقتل القادة مع أفراد عائلاتهم، بما يولّد مشاعر واسعة من الحزن والتعاطف.كذلك، لعبت الآلة الإعلامية للنظام دوراً مؤثراً في ترسيخ هذه الرواية، ولا سيما خلال شهر محرم، عبر تشبيه مقتل خامنئي باستشهاد الإمام الحسين وأهل بيته، وهو ما عزز هذه الصورة لدى شريحة واسعة من الجمهور المتدين، وشجع كثيرين على المشاركة في مراسم التشييع.
مشَيعون يرفعون أعلاماً وصورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي خلال مراسم تشييعه وتشييع أفراد من عائلته قرب ساحة آزادي في طهران، 6 تموز/يوليو 2026. (أ ف ب)
ساهم أداء القوات المسلحة الإيرانية خلال الحرب الأخيرة في تعزيز صورة القوة لدى شريحة من الإيرانيين. فعدم نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما الرئيسية، مثل إسقاط النظام أو الوصول إلى مخزونات اليورانيوم، إضافة إلى إغلاق إيران مضيق هرمز، عزز الانطباع بأن طهران نجحت في الصمود أمام ضغوط عسكرية غير مسبوقة.وربط كثير من الإيرانيين هذه النتائج بالسياسات والقرارات التي اتخذها خامنئي خلال سنوات قيادته، معتبرين أنه حال دون تقسيم إيران أو احتلالها، وساهم في بناء قدرات عسكرية وصلت إلى مستوى جعل الولايات المتحدة وإسرائيل عاجزتين عن تحقيق أهدافهما الكاملة. وأسهم هذا التصور في دفع عدد كبير من الإيرانيين إلى المشاركة في مراسم التشييع تعبيراً عن الاحترام لشخصه، أكثر مما هو تأييد لجميع سياسات النظام.
يبالغ البعض في اعتبار الحضور الواسع في مراسم تشييع خامنئي دليلاً إلى تأييد كامل لسياساته أو رضى شامل عن أداء النظام خلال العقود الماضية. إلا أن الواقع يبدو أكثر تعقيداً.فقد تحدثت "النهار" خلال الأيام الأخيرة مع عدد كبير من المشاركين في المراسم، وكان كثير منهم لا يزال يحمل مشاعر الغضب والحزن بسبب مقتل آلاف المحتجين في 8 و9 كانون الثاني، ويطالب بكشف حقيقة ما جرى ومحاسبة المسؤولين عنه.وقال بعضهم إنهم لا يزالون يشعرون بالحزن على الشباب الذين قتلوا خلال حملة القمع الدامية هذه، لكنهم في الوقت نفسه شعروا بالغضب من مقتل قائد البلاد على يد خصوم خارجيين. ومن هذا المنطلق، كثرت خلال مراسم التشييع الشعارات الموجهة ضد رضا بهلوي، بعدما دعا إلى تنظيم تظاهرات احتجاجية بالتزامن مع الجنازة.كذلك، يؤكد كثير من الإيرانيين، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في أحاديثهم اليومية، أنهم لا يريدون استمرار الحرب، ويتطلعون إلى علاقات أفضل مع العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة. وكثيرون منهم لا يؤيدون سياسة العداء الدائم لواشنطن التي تبناها خامنئي، كما يرفضون الشعارات المتطرفة، ومنها الدعوات إلى قتل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحت شعار الثأر والانتقام.