الحرب.. ظاهرة متجذرة في طبيعتنا البيولوجية

ظلت الحروب جزءاً لا يتجزأ من التجربة البشرية، وهو ما يعكس رغبة الإنسان في السيطرة، والحصول على الموارد، وتحقيق الهيمنة على الآخرين، في عالم مليء بالأحداث والتحديات الكبرى، وفي هذا السياق، يعد استمرار الحروب عبر الزمن ظاهرة معقدة تحتاج إلى إعادة نظر، حيث لا تقتصر على مجرد تحليل حدث ما باعتباره شرارة القتال. في كتابه «لم الحرب؟» يرفض المؤرخ البريطاني ريتشارد أوفري رؤية فرويد التي تعتبر العنف صفة فطرية للبشر، إذ يرى أن نشوء الحرب يرتبط بتفاعل معقد بين عوامل طبيعية واجتماعية واقتصادية وغيرها، فالكتاب الذي ترجمه إلى العربية محسن بن سعيد ليس مجرد دراسة تاريخية، بل محاولة لتفكيك العوامل المتشابكة، التي تدفع البشر إلى الحرب، من الغرائز البيولوجية إلى حسابات القوة والأمن، مروراً بالمعتقدات والموارد.*دوافعيستعرض المؤلف أدبيات ذات صلة بدوافع الحرب وطبيعة النفس البشرية، واستخلص عوامل أخرى محفزة للحرب، منها الصراع على الموارد الاقتصادية، فالصراع على الموارد أحد أبرز الدوافع التي شكلت الحروب بين البشر عبر التاريخ، هناك أيضاً الصراعات ذات الدوافع الدينية، حيث يشير أوفري إلى أن العديد من الحروب اندلعت بدافع ديني، حتى وإن تداخلت معها دوافع مادية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الحروب الصليبية.يتبنى أوفري تعريفاً واسعاً للحرب باعتبارها «عنفاً جماعياً، هادفاً، مميتاً، بين المجموعات» وينظر في الأدلة الأنثروبولوجية والتاريخية عبر 30 ألف عام، ويتحدى الادعاء بأن المجتمعات «الأقل تقدماً» كانت تعيش بدون حرب، موضحاً أن الأبحاث اللاحقة أظهرت أن هذه المجتمعات كانت قادرة على العنف المميت، ويقدم أدلة أثرية تظهر أن الحرب قديمة قدم جنسنا البشري، وأن العنف الجماعي زاد من فرص بقاء ونجاح المجموعات البشرية المبكرة.يرفض أيضاً نظرية مالينوفسكي التي طرحها عام 1940، وتدعي أن الشعوب القديمة كانت نادراً ما تلجأ إلى العنف المميت، وعلى خلاف ذلك، يشير أوفري إلى أدلة أثرية تظهر انتشار العنف على نطاق حربي في العصر الحجري الحديث، أي قبل ظهور أول مدينة، وفي هذا السياق، يستشهد أوفري بمقولة عالم الأنثروبولوجيا بيير كلاستر: «المجتمع البدائي.. هو مجتمع حرب».*استجابةيبحث أوفري كيف تدفع الضغوط البيئية، كالتغيرات المناخية، والجفاف، ونقص الموارد، المجموعات البشرية إلى الصراع، ويرى أن الحرب يمكن أن تكون نتاجاً لتكيف تطوري أو استجابة ثقافية للضغوط البيئية، ويناقش الصراع على الموارد كدافع رئيسي للحرب، من شهية الإمبراطورية الرومانية للموارد إلى الصراعات المعاصرة، الموارد ليست مجرد مواد خام، بل تشمل الأرض، والمياه، والطاقة، وطرق التجارة.يحلل كيف تدفع المعتقدات الدينية، والأيديولوجية، والقومية البشر إلى الحرب، المعتقدات لا تبرر الحرب فقط، بل تجعلها ضرورة أخلاقية أو وجودية، ويركز على الدافع إلى القوة لدى القادة والقوى العظمى المعاصرة، القوة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة للسيطرة والهيمنة والأمن.يرى أوفري أن الطموحات كانت دافعاً أساسياً للحروب عبر التاريخ، مشيراً إلى شخصيات تاريخية مثل الإسكندر الأكبر، ونابليون بونابرت، وأدولف هتلر، إضافة إلى الحروب التي خاضتها الجمهورية الرومانية ويعتقد أن التبريرات التي قدمها هؤلاء القادة لحروبهم لم تتوافق مع احتياجات دولهم بشكل دقيق، فمثلاً، بعدما هزم الإسكندر الأكبر الإمبراطورية الفارسية التي كانت تهدد اليونان، لم يكن هناك مبرر لمواصلة التوسع إلى مناطق في أفغانستان.استخدم نابليون الذرائع أيضاً لمهاجمة قيصر روسيا ألكسندر الأول عام 1812، مدعياً أن روسيا أعادت فتح موانئها أمام التجارة البريطانية أما هتلر، فعلى الرغم من تبريره لغزو الاتحاد السوفييتي عام 1941 بالحاجة إلى الموارد، فإن ألمانيا كانت تتلقى الموارد السوفييتية بسهولة دون الحاجة إلى الحرب وقد تسبب هذا الطموح المبالغ فيه في التدهور والهزيمة لكل هؤلاء القادة.*دعوة للفهمالكتاب يخلص إلى أن البشرية ليست قريبة من عالم بلا حرب، لكنه ليس متشائماً عبثاً، بل هو دعوة إلى الفهم العميق للجذور المتشابكة للصراع، كشرط أساسي لأي محاولة جادة لتجاوزه، إنه كتاب يذكرنا بأن الحرب ليست مجرد فشل سياسي، بل هي ظاهرة متجذرة في طبيعتنا البيولوجية، وتاريخنا الثقافي، وحسابات قادتنا.يستعرض النظريات السائدة حول أصول العنف المنظم، مروراً بعلمي الآثار والبيولوجيا ومجالات معرفية أخرى، وصولاً إلى مراجعة الأدبيات ذات الصلة، من أجل تقديم رؤية أكثر عمقاً وشمولاً، لفهم الدوافع التي جعلت الحرب ظاهرة مستمرة عبر العصور، إذ ينفي أوفري فكرة تراجع الحرب لمجرد أنه حتى الآن لم تندلع حرب عالمية ثالثة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، مشيراً إلى أن هناك تزايداً ملحوظاً ومستمراً في الحروب الأقل نطاقاً.**media[8044786]**