الحرب أحرقت أشجار جنوب لبنان والتهمت سنين من الاستثمارات والإنتاج layout Thu, 07/30/2026 - 10:02 اقتصاد وأعمال لا يزال الاقتصاد اللبناني يتكبد الخسائر على الرغم من تراجع حدة العمليات العسكرية خصوصا في الجنوب والبقاع، غداة توقيع "الاتفاق الإطاري" بين لبنان وإسرائيل في رعاية الولايات المتحدة. ومن بين الخسائر ما يطال القطاع الزراعي تحديدا، الذي يشكل عصب الحياة والعمود الفقري للأمن الغذائي الوطني. لا تقتصر أهمية مسار " الاتفاق الإطاري " بين لبنان وإسرائيل على كونه خطوة نحو تحرير كامل الأراضي اللبنانية، بل هو يمتد ليكون مدخلا لإعادة إحياء الزراعة والغطاء النباتي والموارد المائية والتربة، التي دفعت، شأنها شأن الإنسان، ثمنا باهظا للحرب. تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الجنوبية لقصف مكثف خلّف دمارا بيئيا واسع النطاق، وأدى إلى تلوث التربة والمياه والغطاء النباتي بمخلفات الذخائر والمواد الخطرة والمعادن الثقيلة في بعض المواقع، بما يهدد صحة السكان والإنتاج الزراعي. وقد تستمر بعض هذه الآثار سنوات طويلة، بل عقودا، ما لم تنفذ عمليات تقييم ومعالجة التلوث وإزالته. هذا فضلا عن الثروة الحيوانية اللصيقة بالثروة الطبيعية، وتتكامل معها لتشكل مقومات الاقتصاد الأساسية، وركيزة الغذاء، والدورة الحيوية. ثريا شاهين الأضرار الزراعية لا تقف عند خسارة موسم واحد، وتمتد إلى الأشجار المعمرة والتربة وسلاسل الإنتاج لبنان بين "نافذة الإنقاذ" و"شروط النجاة" لبنان بين "نافذة الإنقاذ" و"شروط النجاة" مع البدء بتنفيذ "الاتفاق الاطاري" الذي انبثق عن التفاوض... عودة الصادرات إلى السعودية... هل يستعيد لبنان بوابته الخليجية؟ عودة الصادرات إلى السعودية... هل يستعيد لبنان بوابته الخليجية؟ خطت العلاقات اللبنانية-السعودية خطوة كبيرة إلى الأمام أخيرا... أول طائرة مدنية تهبط في مطار القليعات منذ أربعين سنة، 6 يونيو 2026 مطار القليعات شمال لبنان... ما الأبعاد السياسية والاقتصادية لافتتاحه؟ يقترب حلم تشغيل مطار القليعات شمال لبنان من التحقق، مما... وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال توقيع سفير إسرائيل يحيئيل ليتر، ورئيس أركان وزارة الخارجية دانيال هولر، وسفيرة لبنان ندى حمادة، الاتفاق الإطاري في وزارة الخارجية، في واشنطن 26 يونيو 2026 الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي... أمام اختبار "المنطقتين النموذجيتين" بعد التوقيع على "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل بواشنطن،... جنود من الجيش اللبناني يقفون عند نقطة تفتيش في قرية فرون بجنوب لبنان، يوم الخميس 16 يوليو 2026 ما هي "سنتكوم"... وكيف يقع لبنان تحت مظلتها؟ غداة تعزيز أواصر التعاون الدبلوماسي والأمني بين لبنان... الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون عند مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 21 يوليو 2026 واشنطن -بيروت... أربعون عاما بين رئيسين ولقاءين تفوق الرئيس دونالد ترمب خلال استقباله الرئيس جوزيف عون على... لبنان بيروت الضاحية الجنوبية الزراعة 29 يوليو , 2026 Region الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر من أربعة عقود من النزاعات تركت نحو 24 مليون متر مربع من الأراضي اللبنانية ملوثة حتى نهاية عام 2023 وللمقاربة، أشار تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى أن المجتمعات اللبنانية لا تزال تعاني من الإرث البيئي للنزاعات، إذ ما زالت مساحات واسعة في البقاع والجنوب وجبل لبنان ومناطق أخرى ملوثة بالألغام الأرضية والذخائر العنقودية ومخلفات الحرب القابلة للانفجار. وتشير بيانات البرنامج إلى أن أكثر من أربعة عقود من النزاعات تركت نحو 24 مليون متر مربع من الأراضي اللبنانية ملوثة حتى نهاية عام 2023، وتشكل الأراضي الصالحة للزراعة نحو 75 في المئة منها. وتنعكس هذه الملوثات على الاقتصاد أيضا، إذ قدّرت دراسة للبرنامج الإنمائي عام 2019 أن تكلف مخلفات الحرب لبنان 600 مليون دولار من الفرص الاقتصادية المهدورة في حلول عام 2027، بسبب حرمان المجتمعات من استغلال أراضيها في الزراعة ومصادر الرزق. وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن كل دولار يُستثمر في إزالة الألغام يحقق 4.15 دولارات من المنافع الاقتصادية والاجتماعية، مما يبرز الجدوى الكبيرة لعمليات التطهير وإعادة تأهيل الأراضي. بساتين زيتون بالقرب من بلدة حاصبيا في جنوب لبنان، قرب الحدود مع إسرائيل، 29 أكتوبر/تشرين الأول2023 وعلى الرغم من أنه لا توجد مدة ثابتة لتعافي الطبيعة من آثار الحروب، إذ يعتمد ذلك على حجم الدمار ونوع التلوث، لكن الدراسات تشير إلى أن استعادة النظم البيئية قد تستغرق من عقد من الزمن إلى أكثر من نصف قرن، بينما قد تبقى بعض الملوثات، مثل المعادن الثقيلة ومخلفات الذخائر،في التربة لعقود ما لم تُعالج بعمليات إزالة وتأهيل متخصصة. إسرائيل استخدمت مبيدات الحشائش وسيلة للحرب في 10 يونيو/حزيران الماضي، بعثت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وإلى مجلس الأمن الدولي، تضمنت شكوى مستندة إلى تقرير أعدّه المجلس الوطني للبحوث العلمية، ضد قيام الجيش الإسرائيلي برش مبيد الأعشاب "غليفوسات" (Glyphosate) فوق عدد من القرى اللبنانية الجنوبية الحدودية في فبراير/شباط 2026، علما بأن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية تحظر استعمال مبيدات الحشائش كوسيلة للحرب. وجاءت الرسالة بعدما خلصت الفحوص المخبرية والتحاليل الكيميائية التي أُجريت على عينات من التربة المأخوذة من عيتا الشعب، ورأس الناقورة، والضهيرة، إلى تأكيد استعمال الغليفوسات ، بنسب تركيز عالية، تصل إلى حد 22.75 ميكروغرام/غرام. وهي نسبة تفوق بكثير المعدلات التي تُسجل عادة في التربة الزراعية بعد الاستخدام المباشر للغليفوسات من قبل المزارعين، وهي تتراوح عادة بين 0.5 و 2 ميكروغرام/غرام كحد أقصى. الأخطر هو أن الإسرائيليين رشوا مبيدات بتركيزات عالية نحو 60 مرة، واستخدموا الفوسفور الأبيض لإنشاء المنطقة العازلة وزير الزراعة نزار هاني وقال وزير المال اللبناني ياسين جابر إن الأضرار المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن الحرب قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار، متوقعا أن يؤدي استمرارها إلى انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة تتراوح بين 7 في المئة و10 في المئة خلال عام 2026. وقال وزير الزراعة نزار هاني لـ"المجلة"، "بلغت قيمة الأضرار والخسائر مجتمعة في القطاع الزراعي، 541 مليون دولار، 40 مليون دولار منها أضرار، فيما البقية خسائر"، كاشفا أن الأضرار هي التي طالت الأدوات والأراضي الزراعية المستهدفة. أما الخسائر، فهي التي تستهدف مواسم بأكملها وعلى مدى أشهر مع عائداتها. وأكد هاني أن "الأضرار المرتبطة باستخدام الفوسفور الأبيض ومبيد الغليفوسات كانت تحت السيطرة بعد انتهاء حرب 2024، إلا أن الوزارة تواصل عمليات الرصد للتأكد من أن نتائج الحرب الحالية لم تختلف عن تلك التي سُجلت آنذاك". حقول زراعية محترقة بعد قصف إسرائيلي في منطقة مرجعيون بجنوب لبنان، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2024 وأضاف: "الأخطر أن الجيش الإسرائيلي استخدم مبيد الغليفوسات بتركيزات أعلى بنحو 60 مرة من المعدلات المعتادة، وفق ما أظهرته الفحوص، أما الفوسفور الأبيض فقد استُخدم بصورة أكبر خلال إنشاء المنطقة العازلة في الجنوب، إذ يؤدي إلى إحراق الأراضي والغطاء النباتي، بما يخدم فرض هذه المنطقة". وتابع الوزير أن 56 ألف هكتار من الأراضي الزراعية تأثرت بالحرب، أي 2.5 من المساحة الزراعية في لبنان، وما يساوي ربع القطاع الزراعي. هذا فضلا عن أن بعض المحاصيل لا بديل لها في مناطق أخرى، مثل الموز، الذي ينتج الجنوب 95 في المئة منه، بالإضافة إلى الحمضيات التي ينتجها الجنوب بنسبة 75 في المئة. وهناك ايضا الثروة الحيوانية، والتبغ والزيتون. وبحسب الوزير، سيتم التأكد من مستوى الأضرار والخسائر في الأراضي والطبيعة لدى أول ظرف يسمح بذلك. وقال: "أرادت اسرائيل إنشاء أرض محروقة على غرار غزة لكي لا يختبئ فيها جنود، ولتكون خالية من الحياة تماما. فالفوسفور الأبيض يحرق في مكانه لكنه ليس طويل الأمد إنما الغليفوسات تأثيره طويل الأمد. وبالتالي، هناك أضرار طويلة الأمد على الزيتون المعمر، إضافة إلى تجريف الأرض وانعكاسات ذلك سلبا على الزراعة والمياه". على صعيد الثروة الحيوانية، سُجل نفوق نحو 1.85 مليون رأس من الدواجن والأغنام والماعز والأبقار، إلى جانب خسائر كبيرة في قطاعي تربية النحل والاستزراع السمكي، شملت نفوق أكثر من 29 ألف خلية نحل وخسارة نحو 2,030 طنا من الأسماك وأشار هاني إلى "أن 24 في المئة من سكان لبنان يحتاجون إلى مساعدة في الغذاء من الدرجة الثالثة، بسبب أضرار القطاع، وفرص العمل اليومية الضعيفة. أدى ذلك إلى رفع تكلفة الغذاء، يضاف إليها الأزمة الإقليمية وسلاسل الإمدادات". وشرح هاني أن "المسألة الايجابية هي في إعادة المملكة العربية السعودية فتح أبوابها أمام الإنتاج الزراعي اللبناني، وهذا يساعد المزارع، والاقتصاد الوطني. فالصناعة تساهم بـ 9 في المئة من الناتج القومي، أما الزراعة فتسهم بـ 4 في المئة منه". وأوضح "أنه من ضمن مساعدة لبنان لإعادة الإعمار، ستكون هناك مخصصات للزراعة"، "حتى الآن، وصلنا 5 مليون يورو من إيطاليا بموجب اتفاق التعاون كدعم طارئ. وننتظر دعما اضافيا. وإذا كان مجموع الخسائر والأضرار يساوي 540 مليون دولار، فإن الحاجة إلى هذا المبلغ تماما كأولوية لدى هذا القطاع". خراف نافقة في قرية جزين، جنوب لبنان على إثر تلوث المنطقة بعد القصف الإسرائيلي، 8 يوليو/تموز 2024 وأشار تقرير لوزارة الزراعة اللبنانية إلى أن صغار المزارعين كانوا الأكثر تضررا، إذ تشكل الحيازات الصغيرة نحو 80 في المئة من إجمالي الحيازات الزراعية في الجنوب. كما تصدرت الحمضيات والموز والزيتون قائمة المحاصيل الأكثر تضررا، فيما امتدت الخسائر إلى البنية التحتية الزراعية، مع تضرر 1,617 مزرعة و793 بيتا بلاستيكيا، إضافة إلى مراكز التصنيع الغذائي ومعاصر الزيتون والخروب. وعلى صعيد الثروة الحيوانية، سُجل نفوق نحو 1.85 مليون رأس من الدواجن والمواشي، وأكثر من 29 ألف خلية نحل، فضلا عن خسارة نحو 2,030 طنا من الأسماك. ولفت رئيس المجلس التنفيذي للاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين ابراهيم ترشيشي في حديثه الى "المجلة" إلى أن "قطاع الثروة الحيوانية لم يكن بمنأى من تداعيات الحرب، إذ نفقت بعض المواشي، فيما شردت أبقار كثيرة من مزارعها وتعذر جمعها وإعادتها، كما تعرضت أعداد منها للسرقة. ولم يتمكن سوى عدد محدود من أصحاب المزارع من نقل مواشيهم إلى مناطق أكثر أمانا، قبل أن يعيدوها إلى مزارعهم بعد وقف إطلاق النار. ومع ذلك، لا تزال أعداد كبيرة منها لا تتلقى الرعاية اللازمة بسبب صعوبة الوصول إلى المزارع واستمرار المخاطر". تُعد شجرة الزيتون من أهم الزراعات البعلية في لبنان، إذ تتوزع زراعتها على مختلف المناطق بنسب متفاوتة، فتستحوذ محافظتا الشمال على نحو 40 في المئة من المساحات المزروعة، والجنوب والنبطية على 39 في المئة، فيما تبلغ حصة البقاع نحو 6 في المئة وأضاف أن قطاع تربية النحل تكبد بدوره خسائر كبيرة، إذ تمكن بعض المربين من نقل خلايا النحل إلى مناطق آمنة، بينما دُمرت أعداد كبيرة من الخلايا أو تشتتت، ولم يتمكن أصحابها من استعادتها أو تجميعها. وختم ن كثيراً من المزارعين يغامرون بحياتهم ويضعون أنفسهم في دائرة الخطر من أجل الوصول إلى حقولهم والعناية بمحاصيلهم. وقال ترشيشي إن الخسارة الكبرى لم تكن في المحاصيل الموسمية، بل في البساتين والأشجار المثمرة التي تمثل استثمارا تراكم على مدى عقود. وأضاف: "ستظهر التكلفة الحقيقية للحرب بعد انتهائها، إذ لم يتمكن مزارعو الحمضيات والدراق والخوخ والعنب من الاستفادة إلا من نحو 5 في المئة من إنتاجهم، فيما ضاع الجزء الأكبر من المحصول". الزيتون والتبغ رمزا الجنوب تعتبر أشجار الزيتون وشتلة التبغ رمزا للصمود في الجنوب. ويعيش مزارعو الزيتون نكبة حقيقية في ظل الحرب التي فاقمت المعاناة الناشئة أصلا نتيجة الانهيار الاقتصادي. أدى القصف الإسرائيلي إلى احتراق عشرات الآلاف من أشجار الزيتون، إلى جانب أشجار السنديان والأشجار المثمرة، مخلفا أضرارا واسعة في الغابات والأراضي الزراعية جنوب لبنان. وبعد "حرب الإسناد"، في ديسمبر/كانون الأول 2024، رفع لبنان وثيقة إلى الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من 60 ألف شجرة زيتون معمّرة تعرضت للاستهداف، إضافة إلى أنواع أخرى مثل الصنوبر والسنديان والتفاح والموز والحمضيات والقمح. عمّال يقومون بفرز الزيتون بالقرب من بلدة حاصبيا في جنوب لبنان، قرب الحدود مع إسرائيل، 29 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وترتبط شجرة الزيتون بتاريخ وحضارة بلدان حوض البحر المتوسط، وتشير مراجع لبنانية إلى أنها عُرفت في مدينة صور، ومنها انتشرت على الساحل الفينيقي نحو عام 4000 قبل الميلاد، قبل أن ينقل الفينيقيون زراعتها إلى مختلف أنحاء البحر المتوسط. وتُعد شجرة الزيتون من أهم الزراعات البعلية في لبنان، إذ تشغل نحو 23 في المئة من الأراضي الزراعية، ويبلغ متوسط إنتاجها نحو 83.2 ألف طن سنويا. ويعتمد عليها أكثر من 103 آلاف مزارع، يشكلون نحو 67 في المئة من إجمالي الحيازات الزراعية، فيما تتركز زراعتها في محافظات الشمال والجنوب والنبطية التي تضم نحو 79 في المئة من المساحات المزروعة بالزيتون، وفق وزارة الزراعة اللبنانية. وتبلغ المساحة الزراعية المزروعة في لبنان نحو 273 ألف هكتار، تشغل أشجار الزيتون منها 62,048 هكتارا، أي 23 في المئة من إجمالي الأراضي المزروعة. لم يتم تصدير أي صنف من الإنتاج الزراعي من الجنوب سوى الأڤوكادو الذي أنتجته منطقة صيدا وبساتينها، وهو كان بمثابة الذهب بالنسبة الى المزارعين رئيس المجلس التنفيذي للاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين، ابراهيم ترشيشي من جهة أخرى، تُعد محافظتا الجنوب والنبطية المعقل الرئيس لزراعة التبغ في لبنان، إذ تنتج 193 قرية نحو 4.5 ملايين كيلوغرام سنويا، أي ما يقارب 57 في المئة من إجمالي الإنتاج الوطني، مما يجعل هذه الزراعة المصدر الأساس للدخل لآلاف الأسر في القرى الحدودية. فلاح لبناني يقوم بحصد مزرعته، في إحدى قرى صور جنوب لبنان، 27 أبريل/نيسان 2026 وقد بدأت خسائر قطاع التبغ الفادحة تتمظهر منذ "حرب الإسناد". فقد تعطلت زراعة موسم 2023-2024 في العديد من القرى الحدودية، وانخفض الإنتاج إلى أكثر من النصف، لتبلغ أقل من مليوني كيلوغرام. فيما قُدرت الخسائر المباشرة وغير المباشرة للقطاع بنحو 46 مليون دولار وفق تقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، الصادر في أبريل/نيسان 2026، نتيجة احتراق الحقول والأضرار الواسعة التي لحقت بالأراضي الزراعية في محافظتي الجنوب والنبطية. الأڤوكادو ذهب الجنوب هذه السنة وكشف ترشيشي أنه "لم يتم تصدير أي صنف من الإنتاج الزراعي في الجنوب سوى الأڤوكادو الذي أنتجته منطقة صيدا وبساتينها. والأڤوكادو كان بمثابة الذهب بالنسبة إلى الى المزارعين، بعدما بات لبنان مشهورا بزراعته وتصديره إلى معظم دول العالم، لا سيما إلى الأردن والعراق وتركيا والأسواق الخليجية". ويبلغ إنتاج لبنان حاليا نحو 25 ألف طن سنويا من الأفوكادو (تقدير لعام 2025)، بعدما كان نحو 20.3 ألف طن في 2023، مع توقعات بارتفاعه إلى 30 ألف طن خلال السنوات القليلة المقبلة بفضل التوسع في المساحات المزروعة. وتتركز الزراعة في المناطق الساحلية، ولا سيما جنوب لبنان. وشهدت صادرات لبنان من الأفوكادو نموا كبيرا، إذ ارتفعت قيمتها من 433 ألف دولار في عام 2021 إلى 8.2 ملايين دولار في عام 2024. وتابع ترشيشي:" أكثر من نصف إنتاج الأڤوكادو ذهب هدرا ولم يستطع المزارعون قطافه. هناك التجريف للأراضي المزروعة بالزيتون وسرقة جذورها وبقي القليل الذي لا يمكن للمزارع الوصول اليه". أسهم قطع الطرق والجسور، وتهديد المزارعين، ومقتل عدد من العمال الزراعيين، في تعميق الأزمة. كما تأثر تسويق محصول البطيخ بشكل كبير، إذ لم يسوَّق سوى نحو 25 في المئة من قيمة الإنتاج، فيما ذهبت الكمية المتبقية هدرا رئيس المجلس التنفيذي للاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين ابراهيم ترشيشي وقال: "أسهم قطع الطرق والجسور، وتهديد المزارعين، ومقتل عدد من العمال الزراعيين، في تعميق الأزمة. كما تأثر تسويق محصول البطيخ بشكل كبير، إذ لم يسوَّق سوى نحو 25 في المئة من قيمة الإنتاج، فيما ذهبت الكمية المتبقية هدرا. ففي السابق كان لبنان يحقق فائضا في إنتاج البطيخ ويصدره إلى الخارج، أما اليوم فلم يتمكن من تصديره، كما تراجعت جودته. والأمر نفسه انسحب على الحمضيات التي لم تُصدَّر. وبالنسبة إلى الأڤوكادو، فما زالت كميات منه متوافرة، وقد جرى تصدير كميات تقارب ما استهلكته السوق المحلية. أما الموز، فلم يتمكن المزارعون من العناية به بالشكل المطلوب، وعلى الرغم من تصدير الجزء الأكبر من المحصول، فإن الكميات بقيت أقل بكثير مما كان لبنان يصدره في السنوات السابقة. وأشار ترشيشي إلى أن الحرب ألحقت خسائر كبيرة بقطاعي الثروة الحيوانية وتربية النحل، إذ نفقت وتشردت وسُرقت أعداد من المواشي، فيما دُمرت أو تشتتت أعداد كبيرة من خلايا النحل، في وقت يواصل فيه المزارعون المخاطرة بحياتهم للوصول إلى حقولهم ورعاية محاصيلهم. وأوضح أن الخسارة الكبرى ستظهر بعد الحرب في البساتين والأشجار المثمرة، ولا سيما الحمضيات والدراق والخوخ والعنب، إذ لم يتمكن المزارعون من الاستفادة إلا من نحو 5 في المئة من إنتاجها، فيما تُعد خسائرها أشد وطأة من المحاصيل الموسمية لأنها تمثل استثمارات تراكمت على مدى عقود. الحرب طالت 8 محميات أوضحت وزيرة البيئة اللبنانية الدكتورة تمارا الزين في حديث الى "المجلة"، "أن لبنان من أغنى بلدان المنطقة بالتنوع البيولوجي. ويعود الفضل في ذلك إلى ما يختزنه من غابات، وأحراش، وجبال، وأراضٍ رطبة ونظم بيئية ساحلية وبحرية، فضلا عن موقعه على أحد أهم مسارات هجرة الطيور بين القارات. ويشكل هذا الإرث الطبيعي ركيزة أساسية للتنمية المستدامة وللهوية الوطنية. لكنه يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة نتيجة الآثار المدمرة للحرب الإسرائيلية على لبنان". وزيرة البيئة اللبنانية تمارا الزين، في اجتماع مجلس الوزراء في قصر بعبدا، 11 فبراير/شباط 2025 وقالت الزين إن وزارة البيئة أجرت تقييما للأضرار البيئية، وأعدت خططا للتعافي وإدارة الأنقاض، معتبرة أن الحرب شكلت "استهدافا ممنهجا" طال الإنسان والبيئة والبنية العمرانية". وأضافت أن الاعتداءات امتدت إلى ثماني محميات طبيعية في محافظتي الجنوب والنبطية، وهي: رامية، بيت ليف، وادي الحجير، دبل، العباسية، صور، كفرا، والنمرية، وبسبب كثافة القصف، حصلت أضرار في الغطاء النباتي، والموائل الطبيعية، والتنوع البيولوجي، والتوازنات البيئية الحساسة. استهداف هذه المحميات يندرج ضمن نمط أوسع من الاعتداء على الإرث الثقافي والطبيعي والمادي، ويهدف إلى تحويل الجنوب إلى أرض بلا ذاكرة، وإلى فك الارتباط العاطفي والمادي بين المواطنين وأراضيهم وزيرة البيئة اللبنانية الدكتورة تمارا الزين واعتبرت الزين "أن استهداف هذه المحميات يندرج ضمن نمط أوسع من الاعتداء على الإرث الثقافي والطبيعي والمادي، ويهدف تحويل الجنوب إلى أرض بلا ذاكرة، وإلى فك الارتباط العاطفي والمادي بين المواطنين وأرضهم". برنامج وطني شامل لتقييم الأضرار أوضحت الزين أن وزارة البيئة أطلقت برنامجا وطنيا لتقييم الأضرار البيئية الناجمة عن الحرب، استند إلى مسوحات ميدانية وتحاليل علمية لإعداد أول تقييم وطني متكامل يشكل مرجعا لخطط التعافي. وأظهر التقييم أضرارا واسعة طالت النظم البيئية البرية والبحرية والتربة والهواء والموارد الطبيعية، إضافة إلى أكثر من 16 مليون طن من الأنقاض، وتلوثا في التربة وتراجعا في جودة الهواء، مما يجعل التعافي البيئي جزءا أساسيا من التعافي الوطني. مدرعة تابعة لقوات "اليونيفيل" وهي تمر بجوار مبان مدمرة في جنوب لبنان، 22 يوليو/تموز 2026 وأفادت الزين "أن الوزارة أعدت رؤية متكاملة ترتكز على مبادئ "إعادة البناء بشكل أفضل" من أجل تحقيق خطة التعافي، مع دمج الاعتبارات المناخية، والحلول القائمة على الطبيعة، والإدارة المستدامة للأراضي. كما وضعت الوزارة خريطة طريق وطنية للإدارة المستدامة للأنقاض بالتعاون مع الشركاء الوطنيين والدوليين، تقوم على الفرز وإعادة الاستخدام والتدوير، والاستفادة من المواد غير القابلة للاسترداد في إعادة تأهيل المقالع المتدهورة، وفق مبادئ الاقتصاد الدائري، والمعايير البيئية المعتمدة، مع السماح للبلديات باستخدام كسارات صغيرة لاعادة تدوير الأنقاض لاستخدامها في حصر أعمال التأهيل والبنى التحتية". إدارة الأنقاض أمر بالغ الأهمية ولفتت الزين إلى أن إدارة الأنقاض لا تنفصل عن حماية الصحة العامة، إذ تشمل الإجراءات التحقق من سلامة المباني المتضررة، والكشف عن الذخائر غير المنفجرة، والتعامل الآمن مع المواد الخطرة، وفي مقدمتها الأسبستوس، قبل مباشرة أي أعمال إزالة أو معالجة. والأسبستوس هو مادة ليفية معدنية استُخدمت على نطاق واسع في البناء لمقاومتها الحرارة والحريق. وتصبح خطرة عند تضرر المباني، إذ تتطاير أليافها الدقيقة في الهواء، وقد يؤدي استنشاقها إلى أمراض خطيرة، منها سرطان الرئة والتليّف الرئوي. لذلك تُعد من المواد الخطرة التي يجب الكشف عنها والتعامل معها وإزالتها بطرق آمنة قبل رفع الأنقاض أو هدم المباني. وأضافت الزين أن الوزارة تواصل تنفيذ برنامج للرصد البيئي يشمل مراقبة جودة الهواء والمياه والتربة والنظم البيئية، بالتوازي مع التعاون مع الجهات المانحة لتأمين التمويل اللازم لمشاريع التعافي البيئي. من المؤكد أن نهاية الحرب لن تعيد الأشجار التي احترقت ولا المواسم التي ضاعت، لكنها قد تمنح لبنان فرصة لاستعادة ما هو أهم، وهو القدرة على الزراعة من جديد. فإذا ترافق الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية في الجنوب مع استقرار أمني وعودة الدعم الدولي، فقد تتحول مرحلة إعادة الإعمار إلى فرصة لإحياء القطاع الزراعي وتحديثه، واستعادة دور الجنوب باعتباره من أهم سلال الغذاء في البلاد. ويبقى الرهان على أن تتحول أموال التعافي من مجرد تعويض للخسائر إلى استثمار طويل الأمد في أرض دفعت، كما أهلها، ثمنا باهظا للحرب. 30 يوليو , 2026 story cover Off Label No label Promotion Article Off Show on issuepdf page Off Title Seo الحرب أحرقت أشجار جنوب لبنان والتهمت سنين من الاستثمارات والإنتاج