يحدث في هاتفك كلّ ثلاثين يومًا أن تنتهي مدّة باقة الإنترنت، فيُلغى ما بقي منها، وتبدأ باقة جديدة وتدفع من جديد. قد يكون ما أُلغي جيغابايتين أو ثلاثة أو أكثر أو أقلّ، دفعت ثمنها واستولت عليها الشّركة لأنّك لم تستعملها. هذا ليس سرًّا. «ألفا» تعلن: «عندما ينتهي اشتراكك، يتم إلغاء الرصيد المتبقي من الـ MB». و«تاتش» تقول إنّ ما لم يُستعمل لا ينتقل إلى الشهر التالي.
في لبنان، اعتدنا أن نُنهَب إذاً، حتّى صار الأمر عاديًّا. لكنّ السؤال باق: كيف نُحرَم ممّا دفعنا ثمنه كاملًا ولم نستعمله؟ الشبكات وشركاتها كلّها تقوم على مبدأ: المشتركون لن يستعملوا جميعًا الإنترنت في وقت واحد، وكثيرون منهم لن يستهلكوا باقاتهم كاملة. والمال الذي يأتي من هذا الباب له عنوان معروف: «عائد الرصيد غير المُستهلَك» (breakage). فخسارتك محسوبة قبل أن تشتري الباقة.
لقد عالجت حكومات وهيئات ومحاكم في العالم (لدينا حكومة يرأسها قاضٍ، لا؟) هذه المسألة، ففرضت على الشركات أن تترك للمشترك وسيلة يحتفظ من خلالها بما دفع ثمنه.
في جنوب أفريقيا مثلاً، ألزمت الهيئة الناظمة للاتّصالات الشركات بأن تعرض على المشترك نقل ما بقي من باقته إلى الشهر التالي. ثمّ في عام 2026 أقرّت ما هو أبعد من ذلك: كلّ باقة مدّتها أكثر من أسبوع ينتقل ما بقي منها إلى الشهر التالي تلقائيًّا ومن دون كلفة، ويحقّ للمشترك أن يعطي ما بقي له لمشترك آخر.
وفي إندونيسيا رفع ثلاثة مواطنين دعوى أمام المحكمة الدستوريّة: سائق درّاجة أجرة، وامرأة تبيع الطعام عبر الإنترنت، وأستاذ جامعيّ يعمل محاميًا. في 23 تمّوز 2026 حكمت المحكمة بأنّ ما بقي من الباقة ملك لصاحبه. ثمّ ألزمت الشركات بأن تتيح له حفظه: بنقله إلى الشهر التالي، أو بتمديد مدّته، أو بإعطائه لغيره، أو بتعويضه عنه، أو بردّ ثمنه.
أمّا الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا فقد فعلت فيهما المنافسة ما لم يفعله القانون. أواخر 2014 أعلنت «تي موبايل» الأميركيّة أنّها ستسمح لمشتركيها بالاحتفاظ بما يبقى من باقاتهم حتّى سنة كاملة، فاضطرّت منافستها «إي تي آند تي» إلى تقديم عرض مشابه. ودخلت «سكاي» السوق البريطانيّة عام 2016 بخدمة تحفظ ما لم يستعمله المشترك ثلاث سنوات.
لكنّ الشركات لا تسلّم بسهولة. فلها حججٌ تبدو أقوى في الدّفاع عن سرقتها الخفيّة: إذا سمحنا للمشترك بأن يحتفظ بما بقي له من رصيد، خسرت الشركة جزءً من دخلها، ما يضطّرها إلى رفع الأسعار. هذا تمامًا ما قالته شركات الاتّصالات في إندونيسيا، وقالته قبلها شركات جنوب أفريقيا. وفي الحجّة نفسها اعتراف: السعر الذي تدفعه اليوم منخفض (هل هو منخفض في لبنان؟) لأنّ كثيرين يدفعون ثمن ما لا يستعملون. أي أنّ من يقتصد في استعماله يدفع جزءًا من فاتورة غيره!
ولهم حجّة ثانية تبدو تقنيّة ومقنعة: لو احتفظ الناس بأرصدتهم شهرًا بعد شهر، ثمّ استعملوها، لامتلأت الشبكة وتباطأ الإنترنت حتّى يكاد يتوقّف. هذا ما قالته جمعيّة شركات الاتّصالات أمام المحكمة في إندونيسيا. غير أنّ الشركات بنت شبكاتها، كما مرّ، على أنّ المشتركين لا يستعملون الإنترنت جميعًا في وقت واحد. والرصيد المحفوظ لا يغيّر هذا المبدأ. ثمّ إنّ إدارة الذروة لا تحتاج إلى مصادرة: يمكن أن تُحدَّد للرصيد المرحَّل مدّة عادلة، ويمكن أن يُضبط استعماله بما يُسمّى «سياسة الاستخدام العادل». و«ألفا» نفسها تطبّق هذه السياسة على باقتها «المفتوحة» لساعتين، التي تبيعها بدولار وسبعة وستّين سنتًا، وتسمح فيها باستهلاك ما يصل إلى خمسين جيغابايتًا! شبكة تتّسع لخمسين جيغابايتًا في ساعتين، أتختنق بجيغابايتين انتقلا من شهر إلى شهر؟ وقد سمعت المحكمة الإندونيسيّة هذه الحجّة كلّها، ثمّ حكمت لصالح المستهلك.
أمّا في لبنان، حيث الاحتكار المقونن، فالشبكتان ملك الدولة، وأسعار الإنترنت عند الشركتين واحدة (أنعم بها منافسة!). لنأخذ مثلًا بسيطًا. مشترك اشترى باقة سبعة جيغابايتات بتسعة دولارات (من دون الضريبة، الضرائب!)، استعمل منها أربعة فقط. السعر المعلن للجيغابايت نحو دولار وثلاثين سنتًا، لكنّه دفع فعليًّا دولارين وربعًا. أي أنّه دفع ثمن الجيغابايت مرّة وثلاثة أرباع المرّة!
وإن فكّر المستهلك بترك الباقات والدفع بحسب الاستهلاك، فالجواب على موقع «ألفا»: خمسة سنتات للميغابايت الواحد للخطوط المسبقة الدفع، أي نحو خمسين دولارًا للجيغابايت، ومن دون سرعة الجيل الرابع وجودته! فهل هذا خيارٌ منصف أم عقوبة تفضي إلى سرقة أكبر؟
وعند «ألفا» باب آخر لتكبيد المواطن خسارة جديدة: إذا نفدت باقتك قبل نهاية مدّتها، لا يتوقّف الإنترنت في هاتفك، ويُحتسب ما تستهلكه بعدها بسعر آخر، كما تقول الشركة: سنت واحد للميغابايت. يبدو المبلغ زهيدًا للوهلة الأولى، لكنّه يعني نحو عشرة دولارات للجيغابايت، أي ثمانية أضعاف سعره في باقة السبعة جيغابايتات! وقد لا ينتبه المشترك إلّا حين يرى فاتورته فيصدم! حتّى لو أرسلت له الشّركة تنبيهًا بنفاد باقته، وتعرض عليه تجديد باقته تلقائيًّا، فلا يُحتسب عليه الميغابايت الإضافيّ، يبقى الظلم واقعًا، يضاف إليه أنّ كثيرين لا يقرؤون كلّ ما يصل هواتفهم من رسائل، وما أكثرها! في حين أنّ العدل يقتضي العكس: أن يتوقّف العدّاد حين تنتهي الباقة، إلّا إذا طلب المشترك غير ذلك.
في جنوب أفريقيا ألزمت الهيئة الناظمة للاتّصالات الشركات بأن تعرض على المشترك نقل ما بقي من باقته إلى الشهر التالي
ما الحلّ والحال هذه؟ الأمر سهل، ولا يحتاج إلى اجتراحِ جديدٍ! بعض الإنصاف يكفي. وهذا معمول به في بلاد أخرى، بل إنّ بعض الحلّ متاح عندنا... لكن بشروط -مقصودة- تمنعه:
أوّلًا، أن يُعطى ما بقي من الباقة شهرًا إضافيًّا واحدًا على الأقلّ. و«ألفا» نفسها تفعل ذلك في باقات «A+»، فتنقل ما بقي من الداتا إلى الشهر التالي. فلماذا يُعطى هذا لبعض المشتركين ويُمنع عن غيرهم؟
ثانيًا، أن يُحسم ثمن ما لم يُستعمل من ثمن الباقة التالية، ولو جزء منه. أقلّ العدل ألّا يضيع المال كلّه.
ثالثًا، أن تصير مشاركة الإنترنت بين المشتركين، أو بين أفراد العائلة، سهلة. الخدمة موجودة عند «ألفا»، لكنّها مشروطة: أن تكون الباقة 22 جيغابايتًا أو أكثر، وألّا يزيد المستفيدون عن ثلاثة، وأن يكون قد مضى على الخطّ ستّة أشهر، وأن يدفع كلّ مستفيد رسمًا شهريًّا! شروط تعجيزيّة وُضعت بعناية!
رابعًا، باقات صغيرة تدوم أكثر من شهر، لمن يستعمل الإنترنت قليلًا، بسعر معقول. وقد فعلت ذلك شركة «سفاريكوم» في كينيا حين أطلقت باقات لا تنتهي صلاحيّتها.
يقال: المنافسة تُصلح السوق. حسنًا: عندنا لا توجد منافسة، فالمالك واحد وهو الدولة. لذلك يقع الإنصاف على عاتق المالك نفسه: وزارة الاتّصالات صاحبة الشبكتين، والهيئة النّاظمة (لدينا هيئة ناظمة؟)، ومن خلفهما الحكومة مجتمعة.
المستهلك مغبون، والتبرير: هكذا تجري الأمور! معذرة: إنّه النّهب المقونن، إنّها الحكومة، بصفتها مالكًا، وبصفتها ضامنًا لحقوق المواطن. غير أنّ الحكومة، كسابقاتها، يصحّ فيها قول المتنبّي: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم!