أعاد رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل فتح نقاش يتجاوز الخلاف على أداء الجيش أو مدى تقدّمه في تنفيذ قرار حصرية السلاح، ليطاول طبيعة العلاقة التي تقيمها بعض القوى السياسية، ولا سيما المسيحية منها، مع المؤسسة العسكرية وعمّا إذا كانت تتعامل معها بوصفها ضمانة وطنية ينبغي صون وحدتها واستقرارها، أم بوصفها أداة لتنفيذ الخيارات السياسية، حتى عندما تلتقي هذه الخيارات مع أولويات خارجية قد تتعارض مع حسابات الاستقرار الداخلي.
النقاش الذي فتحه باسيل يتصل بالقوى المسيحية التي طالما قدّمت نفسها على أنها الأشد حرصاً على الجيش اللبناني، باعتباره الضمانة الأساسية للوجود المسيحي في ظل اختلال موازين القوة بين المكوّنات اللبنانية، لكن بعض قياداتها اليوم تجد نفسها في مواجهة سياسية مفتوحة مع قيادة المؤسسة التي تعتبرها ضمانتها الأخيرة.فالحملة السياسية على قائد الجيش لم تكن مجرد تباينات إعلامية أو انتقادات عابرة. وسبق لرئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، أن أعلن بوضوح أن حزبه كان قد طرح منذ أشهر البحث في مستقبل قائد الجيش، لعدم رغبة الأخير، بحسب جعجع، في تنفيذ قرارات الحكومة، لافتاً إلى أن الحكومة التي عيّنت قائد الجيش تستطيع إقالته وتعيين بديل منه. وفي اليوم التالي، وجدت مصادر «القوات اللبنانية» نفسها أمام ضرورة توضيح موقف رئيس الحزب، مشيرة إلى أن المقصود هو وجوب تقيّد الجيش بقرارات السلطة السياسية، وأن على قائده الاستقالة إذا لم يكن مستعداً لتنفيذها.
هذا السجال كشف عن خلاف يتجاوز حدود العلاقة الإدارية بين الحكومة وقيادة المؤسسة العسكرية، خصوصاً أن لا أحد يجادل، من حيث المبدأ، في خضوع الجيش للسلطة السياسية الشرعية. لكنّ الخلاف يبدأ عندما يصبح تنفيذ قرار بحجم نزع سلاح حزب الله، بكل تعقيداته العسكرية والطائفية والاجتماعية، مسألة إرادة لدى قائد الجيش، يمكن حسمها بإقالته أو استبداله.
وهنا تبرز الازدواجية، حين يتمسك حزب «القوات» بالجيش بوصفه الحصن الأخير لحماية الدولة، ثم يدفع باتجاه تغييرات في قيادته عندما لا يتطابق تقديره العسكري مع استعجاله السياسي وتحول القيادة العسكرية إلى محور مواجهة سياسية في توقيت أمني شديد الحساسية، ما يطرح تساؤلات مشروعة بشأن التداعيات المُحتملة على تماسك الجيش، ولا سيما إذا ترافق ذلك مع ضغوط خارجية لتسريع نزع السلاح.
ولا يمكن قراءة المواقف اللبنانية بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الذي يتحرك فيه ملف سلاح حزب الله. فالولايات المتحدة لا تخفي مُطالبتها بنزع سلاح الحزب وحصر القوة العسكرية بيد الدولة اللبنانية. وقد جدّد النائب الأميركي جوش غوتهايمر، عقب زيارته لبنان مطلع تشرين الأول الجاري، الدعوة إلى نزع سلاح حزب الله بالكامل وتنفيذ الالتزامات الأمنية ذات الصلة. في المقابل، شهد هذا الشهر صدور اتهامات إسرائيلية للجيش اللبناني بالتقصير في مواجهة البنية العسكرية لحزب الله، ووصل الأمر إلى اتهام بعض عناصر المؤسسة العسكرية بالتنسيق مع الحزب وعرقلة إجراءات أمنية. وهي اتهامات إسرائيلية لا يصحّ التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة، لكنها تعبّر عن طبيعة الضغط الذي تمارسه تل أبيب على المؤسسة العسكرية اللبنانية.
وفي هذه الأجواء، «يتقاطع» خطاب بعض القوى اللبنانية مع المطالب الأميركية والإسرائيلية في الدعوة إلى تسريع حصرية السلاح، وإن اختلفت الدوافع المُعلنة والسياقات السياسية. هذا التقاطع يضع هذه القوى أمام اختبار هو إلى أي مدى تبقى حماية الجيش أولوية عندما تتعارض تقديرات قيادته مع الأهداف التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تحقيقها. وعمّا إذا كانت القوى اللبنانية التي تتبنى خيار «الحسم السريع» تأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتحمّلان بالضرورة النتائج الداخلية لأي مواجهة عسكرية يخوضها الجيش اللبناني.
وتزداد الأسئلة حول طبيعة هذه العلاقة مع المؤسسة العسكرية عند العودة إلى تصريحات سابقة لجعجع ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل، يؤكدان فيها قدرة الجيش اللبناني على حماية لبنان وحدوده، بما فيها الحدود الجنوبية في مواجهة الأخطار الإسرائيلية، ويستندان إلى هذا الموقف للمُطالبة بحصرية السلاح بيد الدولة وتسريع إنهاء الوجود العسكري لحزب الله. غير أن هذا الخطاب يصطدم بتصريحات سابقة لقيادات ومسؤولين في الحزبين، تحدّث بعضهم عن الاستعداد للعودة إلى حمل السلاح إذا تكررت ظروف الحرب الأهلية أو تعرّض الوجود المسيحي للخطر. وهو ما يطرح سؤالاً حول حدود الثقة بقدرة الجيش، وعمّا إذا كانت ثقة مُطلقة بقدرته على حماية جميع اللبنانيين من الأخطار الخارجية والداخلية، أم ثقة مشروطة باستمرار الظروف السياسية والأمنية التي تطمئن إليها هذه القوى، وتترك الباب مفتوحاً أمام استعادة خيار التسلّح الحزبي إذا اعتبرت أن الدولة عاجزة عن حمايتها.
يجيب النائب أديب عبد المسيح، المحسوب على القوى الداعمة لرئيس الجمهورية، في مقابلة له على قناة «MTV»، عن الكثير من تلك الأسئلة. فقد أقرّ، في معرض محاولته شرح قدرة الجيش على تولي مهامه، بأن تعاون حزب الله معه خلال فترة الخمسة عشر شهراً الشهيرة، مكّنه من مصادرة 290 نفقاً و3.7 ملايين قطعة سلاح، والسيطرة عملانياً في جنوب الليطاني. لكنه اعترف بأن تدمير الجيش اللبناني للقدرات العسكرية لحزب الله ومصادرة الأسلحة والصواريخ من جنوب نهر الليطاني، ساهما في تسهيل مهمة قوات الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على مناطق جنوب الليطاني لعدم قدرة الجيش على المواجهة، مؤكداً أنه خلال حرب الإسناد عام 2024 تكبّد جيش الاحتلال خسائر في الأرواح والدبابات بسبب وجود حزب الله وقدراته.
وعليه، يصبح السؤال أبعد من مجرد تحديد الجهة التي يجب أن تحتكر السلاح ليطاول الشروط العسكرية والسياسية التي تتيح تحويل هذه الحصرية إلى قدرة فعلية على حماية البلاد. وإذا كانت القوى المُطالِبة بتسريع نزع سلاح حزب الله تعتبر أن الجيش قادر على مواجهة الأخطار الإسرائيلية، فكيف تقرأ محدودية قدرته الحالية على منع الاحتلال من التوسّع جنوباً؟ وإذا كانت بعض هذه القوى تحتفظ، في خطابها السياسي، بإمكان العودة إلى السلاح عندما تشعر بتهديد وجودي، فكيف يمكنها أن تطلب من سواها التخلي عن سلاحه من دون تقديم ضمانات أمنية وسياسية مُقنِعة؟ وفي الحالتين، يعيد تحذير باسيل من المسّ بالجيش النقاش إلى جوهره: هل المطلوب تعزيز المؤسسة العسكرية لتكون قادرة على حماية لبنان من الاعتداءات الخارجية وصون السلم الأهلي، أم تحميلها أعباء مواجهة داخلية قد تهدّد وحدتها وتماسكها قبل أن تتمكّن من استكمال بناء قدراتها الدفاعية؟