هل عاد «حزب الله» إلى القرى التي أُخلِيَت لتطبيق نموذج المناطق التجريبية التي اتُفِق على تطبيقه من خلال الاتفاق الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة - من دون تحديد ماهية التحقق من نجاح النموذج أم لا؟ وإذ لم يعُد الحزب عسكرياً بشكل مباشر، فهل عاد عبر منظمات الإغاثة التابعة له، تقدّم الخدمات للسكان، فيما الجيش اللبناني يواجه صعوبة في فرض سيطرته على كل أراضي الدولة اللبنانية ونزع سلاح الميليشيات، بعد نحو 100 يوم على تسلُّمه مسؤولية 3 بلدات في جنوب البلاد؟
هنا تتكشف الصورة القاتمة للوضع الميداني، ممّا قد يضطر إسرائيل إلى العودة إلى فتح جبهة جنوب لبنان بشكل واسع، أو تخفيف القيود الأميركية على حركة مسيّراتها الآخذة بالارتفاع بعمليات الاغتيال والقصف والتدمير. فقد مرّ أكثر من 100 يوم منذ أن نُقلت السيطرة على القرى الثلاث إلى الجيش اللبناني، إلّا أنّ تقارير غربية وإسرائيلية تشير بوتيرة مكثفة، إلى أنّ «حزب الله» بدأ يعود تدريجياً إلى المناطق التي أُخليت.
عودة الاستهدافاتوهكذا، وبدلاً من تفكيك البنى التحتية التابعة للحزب تدريجياً وتوسيع نطاق سيطرة الجيش اللبناني، ينجح «حزب الله» في إعادة تشغيل بعض آلياته المدنية، وترسيخ نفوذه مجدداً بين السكان. وبالتوازي مع الصورة التي بدأت تتضح أكثر فأكثر بشأن التجربة الميدانية، شنّ الجيش الإسرائيلي، للمرّة الأولى منذ أسابيع عدة، هجوماً على أشخاص مشتبه فيهم، اقتربوا من قواته في كفركلا، ممّا أدّى إلى مقتل نصر محمد يونس، الذي تبيَّن لاحقاً أنّه أحد أفراد الطاقم الطبي في منظمة كشافة الرسالة الإسلامية.وتُعدّ هذه محاولة اغتيال الأولى من نوعها منذ أسابيع، استهدفت أشخاصاً مشتبهاً فيهم، قبل أن يتعرّض شخصان، خلال آخر 48 ساعة، إلى استهداف من مسيّرة، أدّى إلى مقتل أحدهما وإصابة آخر، ممّا يُشير إلى بدء رفع القيود عن عمليات الاستهداف التي شكّلت عنوان 15 شهراً بين حرب عام 2024 وحرب آذار 2026، بالإضافة إلى ظهور حالة عدم اليقين لما تحضّر له تل أبيب وواشنطن إقليمياً.فالمحادثات بين لبنان وإسرائيل بشأن آلية الرقابة على التفاهمات متوقفة منذ جولة تامبا الأخيرة، ولا يوجد حتى الآن اتفاق على آلية تتيح التأكّد من أنّ الجيش اللبناني أنجز تفكيك البنى التحتية لـ«حزب الله» في المناطق التجريبية. وتتهم إسرائيل السلطات اللبنانية بعدم منح الجيش اللبناني صلاحيات تنفيذ عمليات تمشيط وتفتيش كافية عبر دخول المنازل والممتلكات الخاصة.
دفاع... إعادة بناء ودخول زوطرفي المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي احتلال أراضٍ لبناني واسعة في الجنوب، تمتد من الخط الأزرق إلى مرتفعات علي الطاهر، لكنّ التقارير الإسرائيلية تشير إلى تخفيض أعداد القوات إلى ما هو أقل بكثير ممّا كانت عليه خلال العمليات البرية، لكنّها تستعد لاحتمال تجدُّد المواجهات العسكرية.ويستغل «حزب الله» هذه الفترة، بحسب أكثر من 5 تقارير لمراكز أبحاث أميركية وأوروبية، لإعادة تأهيل قدراته، وإعادة عناصره إلى الميدان، وجمع المعلومات عن الجيش الإسرائيلي. وبحسب التقارير نفسها، إنّ ما يجري في زوطر الغربية يهدِّد الاتفاق الثلاثي المبرم برمّته. إذ «بعد انتشار الجيش اللبناني في القرية أواخر تموز، بدأت آليات مرتبطة بـ«حزب الله» بالظهور فيها مجدداً، عبر عناصر من الهيئة الصحية الإسلامية وجمعية «وتعاونوا» اللتَين يديرهما الحزب».
مَن يتواجد في الـPilot Zones؟لكنّ الاتهامات لارتكاب الجانب اللبناني خروقات، ارتفعت إثر تسريب تسجيل لعناصر من المنظمتَين (الهيئة الصحية و«تعاونوا») يعملون على انتشال جثث عناصر من الحزب على مقربة من عناصر من القوى الشرعية اللبنانية (في زوطر الغربية وفرون)، بدل أن يتواجد طاقم من الصليب الأحمر أو فرق إسعاف خاصة بالجيش اللبناني.علماً أنّ الهيئة الصحية الإسلامية تعمل ضمن المجلس التنفيذي لـ«حزب الله»، بينما تُعدّ جمعية «وتعاونوا» إحدى الأذرع المدنية المرتبطة بـ«حزب الله»، لكن تعرّف نفسها على أنّها منظمة خيرية، لكنّ التقارير نفسها أوردت مواد بصرية (صور وفيديوهات) لأفراد في الجمعية وهم عناصر في «حزب الله» أو تابعين له، تناوبوا على تأمين لوائح المقرّبين من الحزب ليُوفَّر لهم «منازل متنقلة» تسمح بعودتهم الفورية إلى القرى الجنوبية، حتى وإن لم يتبدّد الخطر من العمليات العسكرية في المنطقة. علماً أنّ الجيش الإسرائيلي دمّر لاحقاً بعض المباني الجديدة.وأوضح مصدر ديبلوماسي مضطلع على المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية، أنّ الوفد الإسرائيلي شدّد على ضرورة تحديد آلية دخول وعودة إلى المناطق التجريبية، لتحييد أي مخاطر تؤدّي إلى خروقات للاتفاق، تكون بإشراف وتنفيذ الدولة اللبنانية، وكان أبرزها: تحديد من يتواجد على الأرض، وموزّعو المساعدات، ومواكبو السكان لدى عودتهم، وتحديد الجهة التي توفّر لهم الاستجابة لاحتياجاتهم.ويلفت الديبلوماسي إلى ضرورة أن تتشدّد الدولة اللبنانية، حتى وإن لم تتواجد بعض النقاط ضمن صيغة الإطار، في أن تفرض سيطرتها على أراضيها ليس فقط عسكرياً وأمنياً، إنّما مالياً، وضبط الجهات التي لا تخضعها إلى قوانينها المالية والخدماتية، والآليات القانونية التي تحدّد كيفية عمل الجمعيات، وذلك خصوصاً في مناطق تُعدّ ساخنة عسكرياً، ويتطلّع لبنان لتأمين عودة سكانها إليها عند إتمام الانسحاب الإسرائيلي.