من خسارة بدت وشيكة إلى انتصار تاريخي في الوقت الإضافي: منتخب الأرز قلب الطاولة على فرنسا بنتيجة 24-20، وعباس مسكي خطف الأضواء بمحاولة قاتلة، حوّلت أمسية سيدني إلى واحدة من أكثر النهايات جنوناً في تاريخ كأس العالم للرغبي. ولم تكن المواجهة بين لبنان وفرنسا، في الجولة الثالثة من كأس العالم لدوري الرغبي 2026، مرشّحة لتكون الحدث الأبرز في البطولة. فالمنتخبان كانا قد فقدا عملياً فرصة المنافسة على التأهل إلى نصف النهائي، وكان يُفترض أن تكون المباراة مجرّد محطة أخيرة لإنهاء المشوار. لكن ما حدث على أرض ملعب «كومبانك» في سيدني، أمس الأحد، تجاوز كل التوقعات، وكتب واحدة من أكثر النهايات إثارة في تاريخ المسابقة.
فاز لبنان 24-20، لكنّ النتيجة لا تروي وحدها الحكاية. ستُروى هذه المباراة بسبب الدقائق الأخيرة التي شهدت اشتباكاً وطرداً موقتاً للاعبين، وركلة تعادل في الثواني الأخيرة، وهدفاً فرنسياً بدا أنّه حسم المواجهة قبل أن يُلغى، ثم خطأ قاتلاً استثمره عباس مسكي، ليمنح منتخب الأرز انتصاراً لم يكن أحد يتوقع أن يأتي بهذه الطريقة.
كانت فرنسا تبحث عن إنقاذ صورتها بعد خسارتَين قاسيتَين أمام ساموا (4-78) وإنكلترا (0-82)، فيما أراد لبنان أن ينهي مشاركته بفوز يمنح لاعبيه وجماهيره شيئاً يستحق الاحتفال. وفي النهاية، حصل المنتخبان على مباراة أكبر بكثير من حسابات الترتيب.
بداية لبنانية ومقاومة فرنسية
دخل لبنان المباراة بإصرار واضح على فرض إيقاعه، ولم ينتظر طويلاً لافتتاح التسجيل. ففي الدقيقة الرابعة، كان أليكس كونتي في قلب الهجمة التي بدأها وأنهاها بنفسه، بعدما تبادل الكرة مع مسكي، قبل أن يواصل تقدُّمه ويضع منتخب الأرز في المقدمة. لكنّ فرنسا لم تكن مستعدة لتكرار سيناريو مباراتَيها السابقتَين. وبعد نحو نصف ساعة من الصراع البدني والتكتيكي، حصلت على فرصة العودة، عندما احتُسبت لها محاولة جزائية إثر اعتبار مصطفى ديراني أنّه أزاح الكرة بقدمه أثناء محاولة أمير بوروح وضعها في منطقة التسجيل. وهكذا تقلّص الفارق، وأنهى لبنان الشوط الأول متقدّماً 8-6، على الرغم من كثرة أخطائه التي بلغت 10.
كان واضحاً أنّ المباراة لن تكون نزهة لبنانية. فالفرنسيون، الذين دخلوا اللقاء تحت ضغط الهزيمتَين الثقيلتَين، وجدوا في مواجهة لبنان فرصة لاستعادة شيء من كبريائهم، فيما كان منتخب الأرز مطالباً بتحسين انضباطه والحدّ من الأخطاء التي أبقت منافسه قريباً.
من 14-6 إلى حافة الانهيار
مع انطلاق الشوط الثاني، بدا أنّ لبنان وجد أخيراً طريقه إلى فرض سيطرته. ففي الدقيقة 50، استثمر مايكل غابرييل تمريرة أرضية متقنة من كونتي، واخترق الدفاع الفرنسي ليسجّل المحاولة التي رفعت النتيجة إلى 14-6.
لكنّ المنتخب الفرنسي لم يستسلم. وبينما كان لبنان يعتقد أنّه اقترب من حسم المواجهة، ارتكب جوردان سامراني خطأً مكلفاً، بعدما أفلتت منه الكرة إثر اعتراضه تمريرة سيزار روغ، ليستغل غييرمو أيسبورو-بيشي الفرصة وينطلق نحو منطقة التسجيل، مقلّصاً الفارق إلى نقطتَين.
ردّ لبنان عبر طوني فرانسيس، الذي أنهى هجمة جماعية بصورة رائعة، لكنّ فرنسا عادت مجدداً بواسطة سيزار روغ (د71)، لتتعادل 18-18. وعندما عوقب روغ بسبب اعتراضه مسار أحد اللاعبين، سجّل كونتي ركلة جزاء منحت لبنان التقدُّم 20-18، لتبدأ بعدها أكثر فصول المباراة جنوناً.
اشتباك وركلة أعادت فرنسا
قبل أقل من 4 دقائق على نهاية الوقت الأصلي، انفجرت الأعصاب. تعرّض قائد لبنان، أليكس توال، لاحتكاك مع الفرنسي جوليان بوسكيه، الذي وجّه إليه ضربة على مستوى الوجه أثناء وجوده على الأرض. ردّ توال، وسرعان ما تحوَّل المشهد إلى اشتباك جماعي، قبل أن يقرّر الحكم إرسال اللاعبين معاً إلى منطقة العقوبة الموقتة.
كان لبنان متقدّماً، لكنه اضطر إلى إكمال الدقائق الحاسمة من دون قائده، فيما اندفعت فرنسا بكل ما تملك نحو منطقة التسجيل. وفي الثواني الأخيرة، بدا أنها سجّلت محاولة تقلب النتيجة، لكنّ الدفاع اللبناني ثبَّت الكرة على الأرض داخل منطقة التسجيل، مانعاً الفرنسيّين من حسم المباراة.
اختار كونتي تنفيذ ركلة إخراج طويلة، لكنّ آرثر مورغ، الظهير الفرنسي، امتلك اللحظة التي احتاج إليها فريقه. فمن مسافة تقارب 40 متراً، أطلق ركلة ميدانية منحت فرنسا نقطتَين، وفرضت التعادل 20-20 مع صافرة نهاية الوقت الأصلي.
لم يكن ذلك مجرّد تعادل متأخّر، بل بداية فصل جديد من المواجهة، وفق نظام النقطة الذهبية الذي يمنح الفوز للفريق الذي يسجّل أولاً في الوقت الإضافي.
فرنسا تحتفل والحكم يوقف الأفراح
في الوقت الإضافي، ظنّ الفرنسيون أنّهم انتزعوا الانتصار. سجّل روغ هدفاً ميدانياً من نقطة واحدة، فانطلقت احتفالات الجهاز الفني واللاعبين، واندفع بعضهم إلى أرض الملعب، معتقدين أنّ المباراة انتهت. لكنّ مراجعة الفيديو قلبت المشهد مجدّداً. تبيّن وجود مخالفة اعتراض لمسار اللاعب، ارتكبها توماس لاكان، ليُلغى الهدف وتعود النتيجة إلى التعادل 20-20.
في غضون لحظات، انتقلت فرنسا من نشوة الانتصار إلى خيبة الإلغاء، وعاد لبنان إلى الحياة بعدما كان على بعد ثوانٍ من الخروج مهزوماً. حتى تلك اللحظة، كان من الصعب تخيّل أنّ المباراة لا تزال تحتفظ بضربة أكثر قسوة وإثارة.
مسكي صانع المعجزة
بعد إلغاء هدف فرنسا، حصل لبنان على فرصة من ركلة جزاء بعيدة، حاول كونتي تنفيذها من مسافة تقارب 48 متراً، لكنها لم تصب المرمى. التقط مورغ الكرة، وكان أمامه خيار أكثر أماناً: الاحتفاظ بها، والسماح باستمرار اللعب، وانتظار فرصة جديدة.
لكنه اختار المغامرة. أطلق الظهير الفرنسي ركلة ساقطة فوق المدافعين، في محاولة لمباغتة لبنان وإنهاء المباراة بطريقة استعراضية. غير أنّ الكرة وصلت مباشرة إلى مسكي، الذي قرأ مسارها بصورة مثالية، والتقطها بيدَيه قبل أن ينطلق نحو منطقة التسجيل، من دون أن يجد أمامه مَن يوقفه.
15 متراً تقريباً فصلت مسكي عن خط النهاية، لكنها كانت المسافة التي فصلت لبنان أيضاً عن واحدة من أعظم انتصاراته في تاريخ البطولة. وضع الكرة في منطقة التسجيل، وأعلن الحكم فوز لبنان 24-20 في الدقيقة 85.
كان مورغ قد انتقل في دقائق قليلة من بطل أنقذ فرنسا بهدف التعادل إلى اللاعب الذي ارتكب الخطأ الأكثر كلفة في المباراة. أمّا مسكي، فانتقل من جناح يؤدّي مهماته المعتادة إلى بطل لحظة تاريخية، بعدما كشف توال أنّه لم يسبق له اللعب في مركز الجناح الخلفي المتقدِّم (Back Row). وبعد تسجيل المحاولة، حمله زملاؤه على الأكتاف في مشهد اختصر فرحة منتخب بأكمله.
وكان كونتي، الذي افتتح التسجيل وصنع محاولتَين، قد اختير أفضل لاعب في المباراة، بعدما أنهى المواجهة أيضاً بثلاثة اختراقات ناجحة و114 متراً من التقدُّم بالكرة.
انتصار أكبر من نتيجة مباراة
لكن ما جعل هذه المواجهة تتجاوز حدود الرياضة كان المشهد في المدرّجات. فقد بيعت نحو 30 ألف تذكرة للمباراة، وكان جزء كبير من الحضور من جماهير تونغا وساموا، فيما حضرت الجالية اللبنانية في سيدني بأعلامها وطبولها وأهازيجها، وحوَّلت الملعب إلى مساحة احتفال لبناني استثنائي.
وقال توال بعد المباراة، إنّه انتقل خلال دقائق من الحزن الأكبر في البطولة إلى السعادة الأكبر، مضيفاً أنّ فريقه يضمّ سبّاكين وكهربائيّين وعمّال بناء ومهنيّين، جاؤوا فقط لمحاولة المنافسة أمام أفضل اللاعبين في العالم. ثم اختصر مشهد مسكي بالقول إنّ ما فعله يجسّد الروح اللبنانية الحقيقية.
هذه الكلمات لم تكن مجرّد إشادة بزميل، بل تعبيراً عن طبيعة منتخب يعتمد بدرجة كبيرة على لاعبين مولودين في أستراليا، تربطهم بلبنان جذور عائلية وهوية وطنية اختاروا تمثيلها على المستوى الدولي. وتوال نفسه وُلد في ويست ميد، قرب الملعب الذي شهد الانتصار، لأب أردني وأم لبنانية، في صورة تعكس العلاقة المتعدِّدة الجذور التي تجمع أبناء الاغتراب بوطنهم.
المونديال الأخير للبنان
والأكثر إثارة للقلق أنّ هذا الانتصار قد يكون، في المدى المنظور، آخر ظهور للبنان في كأس العالم، بعدما أُعيد تصنيفه عضواً منتسباً لدى الاتحاد الدولي لدوري الرغبي، ما يجعله غير مؤهل للمشاركة في النسخ المقبلة وفق الوضع الحالي.
وهكذا، انتهت رحلة لبنان في مونديال 2026 بانتصار لم يكن له تأثير في سباق التأهل، لكنّه امتلك قيمة لا تقيسها الجداول والترتيبات. فرنسا غادرت وهي تتساءل كيف أضاعت مباراة كانت بين يدَيها، فيما غادر لبنان بصورة مختلفة تماماً: منتخب لم يرفع الكأس، ولم يبلغ نصف النهائي، لكنه خطف مباراة البطولة، وربما ترك وراءه واحدة من أكثر اللحظات التي يصعب نسيانها في تاريخ دوري الرغبي الدولي.
في سيدني، لم يحتج لبنان إلى الفوز بكأس العالم ليصنع لحظته الخالدة. احتاج فقط إلى عباس مسكي، و15 متراً، وخطأ فرنسي واحد.