الجمهورية | كاين يتحدّى الغزاة الإسبان في مسرح بالاديوم اللندني

مع بلوغ جائزة الكرة الذهبية عامها الـ70، كان من المقبول أن يكون المرء متجهّماً وصعب المراس. فقد كان الطقس في لندن رمادياً، عابساً ورطباً على نحو مزعج، بما يتناسب مع عمر الجائزة. تغيّرت الكرة الذهبية كثيراً منذ عام 1956. ففي السابق، كانت أصغر حجماً، بالمعنى الحرفي للكلمة. كانت جائزة بحجم كرة ثلجية تُسلَّم في غرف تكسو جدرانها ألواح خشبية، ويغمرها الدخان المتصاعد من سجائر «غولواز»، إلى درجة أنّ المرء كان ليصاب بالدوار من الدخان، لولا أنّ الكونياك كان يتكفّل بالمهمّة نفسها. في تلك أياماً كان اللاعبون يسافرون إلى باريس، ثم يعودون إلى ستوك من دون أن يدركوا أهمية ما فازوا به.

من جائزة متواضعة إلى ظاهرة تتجاوز كرة القدم

أمّا اليوم، فقد باتت الجائزة مختلفة إلى حدّ يصعب معه التعرُّف عليها. تجاوز حجمها بكثير حجم المجلّة التي أطلقتها، على نحو يشبه الفائزين بها، الذين قد يبدو بعضهم أكبر من أنديتهم، وقادراً على ابتلاعها في ظله. وباتت مجلة «فرانس فوتبول» تبدو وكأنّها تعمل لخدمة الجائزة، ولم تعُد أكثر من منظِّم للفعاليات، يمارس الصحافة الكروية الجيدة بوصفها نشاطاً جانبياً.

وبصراحة، فإنّ هذا التطوُّر ينسجم مع كل ما نشهده في كرة القدم اليوم. فقد أظهرت المباراتان النهائيتان لكأس العالم ودوري أبطال أوروبا، حالة غريبة من انعدام الثقة بالنفس، تجلّت في تقليد مباراة الـ«سوبر بول»، واعتماد عروض فنّية خلال الاستراحة بين الشوطَين، لا أحد مستعدّ لدفع المال لمشاهدتها، لو قُدّمت بوصفها حفلات موسيقية مستقلة.

وبطريقتها الخاصة، تحوَّلت الكرة الذهبية إلى ما يشبه جوائز الأوسكار في عالم كرة القدم، إذ نصبت خيمتها الكبرى في منطقة أكسفورد سيركس، بعدما انتقل الحفل للمرّة الأولى إلى مسرح «بالاديوم» القريب. استكشفالتاريخ

حفل فرنسي بامتياز... لكنّ كرة القدم فيه تتحدّث الإسبانية

على الرغم من إقامة الحفل في لندن، ظلّ الحدث فرنسياً بعناد. فقد كانت مضيفات الاستقبال عند المدخل يتحدّثن الفرنسية، فيما ارتدى مديرو القاعات المشرفون على البروفات النهائية كنزات سوداء ذات ياقة عالية، وارتسمت على وجوههم تعابير كئيبة، كما لو أنّهم يُخرِجون فيلماً من أفلام الموجة الفرنسية الجديدة، لا فيلماً لإيمانويل. ولعلّ الإجابة عن سبب اختيار مغنّي الراب الفرنسي مونتانا، الأميركي ذي الأصول المغربية، لتقديم عرض على متن حافلة ذات طابقَين، كانت كامنة في اسمه.

لكنّ الكرة الذهبية تحدّثت بالإسبانية داخل القاعة. فقد بالغ الحاضرون في ترقيق حرف الراء وتدويره، على الطريقة الإسبانية. ذلك أنّ الإسبان، إن كان هناك مَن يهتم بهذه الجائزة أكثر من الفرنسيّين، هم هؤلاء، والأمر ليس مجرّد ظاهرة مرتبطة بعام واحد بسبب فوز إسبانيا بكأس العالم.

صراع ريال مدريد وبرشلونة ينتقل إلى منصة الكرة الذهبية

عندما تبادل كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي الجائزة في ما بينهما لأكثر من عقد، تحوَّلت الكرة الذهبية إلى ساحة مواجهة بالوكالة في الحرب الأبدية بين ريال مدريد وبرشلونة، وهو الصراع الذي استمرّ هذه المرّة عبر ترشّح كيليان مبابي ولامين يمال.

وفي المركز الإعلامي داخل فندق «كورتهاوس» المجاور، كانت المحطات الإذاعية الإسبانية المتنافسة تصرخ في ميكروفوناتها، كما لو أنّها تتعرّض لإطلاق النار، لا كما لو أنّها موجودة في الطابق السفلي من الشارع. وظلّ مراسلوها يتحدّثون بسرعة حتى ساعات الليل، من مقدّمة المشهد.

وبالنسبة إلى غير المطّلعين على هذا العالم، فهذه هي حياة الصحافي الرياضي. فعندما نموت، ستكون آخر الأصوات المحيطة التي يُرجّح أن نسمعها تلك القادمة من مدريد وبرشلونة، وهما تمطران الأثير الإسباني بوابل من 300 كلمة في الثانية.

مشاهير كرة القدم ومَن يدور في فلكهم

في الخارج، تجمّع حشد من الأطفال، يتشبّثون بأوضاع محفوفة بالمخاطر فوق الحاويات، على أمل إلقاء نظرة على أصحاب المظاهر المتعجرفة والمرتبطين بعالم كرة القدم من بعيد: المحامون، وكلاء اللاعبين، مديرو الصناديق الاستثمارية، ومنتجو البرامج التلفزيونية.

أمّا المشجّعون المحظوظون الذين تمكّنوا من الوقوف خلف الحواجز على السجادة الحمراء، فمدّوا نحو هؤلاء دفاتر التواقيع والقمصان والهواتف، قبل أن يسألوهم بأدب: «مَن أنتم؟».

وجّه مصوّرو الباباراتزي عدساتهم نحو سيارات «مرسيدس في-كلاس» ذات النوافذ المعتمة، وهي تدخل شارع أرغايل. ومع كل وَمضَة «فلاش»، كان يظهر مصوّر آخر. فما أن يترجّل أحد اللاعبين حتى يتبعه من كثب فريقه الخاص لإدارة وسائل التواصل الاجتماعي، حاملاً كاميرا Canon جاهزة للتصوير. كانوا يصوّرون لاعبيهم وهم يُصوَّرون، في مشهد يوثّق تصوير مَن يجري تصويرهم أصلاً.

اللاعبون يصلون كما لو أنّهم يستعدّون لمباراة أخرى

تدريجياً، بدأ اللاعبون ينزلون من الحافلات التي وفّرتها أنديتهم، كما لو أنّ الأمر لا يتعدّى مباراة عادية أخرى. وساروا على السجادة الحمراء كما لو أنّهم يعبرون النفق المؤدّي إلى الملعب قبل مباراة في دوري أبطال أوروبا، وكلّ واحد منهم يحمل الهدف نفسه والفكرة ذاتها في ذهنه: مَن سيفوز؟ وهل لا يزال الأمر مهمّاً أصلاً؟

ارتباك في إعلان الفائز أم مناورة متعمّدة؟

عند الساعة الخامسة مساءً، أعلن الموقع الإلكتروني للكرة الذهبية فوز هاري كاين. وكان الإعلان صحيحاً. لكنّ الموقع عاد وأعلن أنّ الفائز هو لامين يمال. ثم كيليان مبابي. بدا الأمر وكأنّه زلّة محرجة، أو محاولة للتستّر على خطأ. أشبه بإحدى الحوادث المتعلقة بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي التي حذّرونا منها. وكأنّها عملية تخريب متعمّدة جعلتنا نتساءل عمّا إذا كان بإمكاننا تصديق ما تراه أعيننا. لكن، ويا للأسف، كان بإمكاننا ذلك. فقد تحوَّلت رياضة جماعية، مرّة أخرى، إلى عبادة للفرد. وهي رياضة قد يبدو عليها، أحياناً، عدم الارتياح عندما تُقدَّم بوصفها منتجاً إعلامياً وترفيهياً. إنّه فصل جديد من عملية «جيانيفيكيشن» كرة القدم، وإن كان ذلك هذه المرّة على أيدي منتقدي جياني إنفانتينو في مجلّة «فرانس فوتبول» والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا).

حفل يتجاوز الوقت... وأناقة كاين تلفت الأنظار

على خلاف ما يحصل في مانشستر يونايتد، تجاوز الحفل الوقت المحدّد له. فقد بدأ متأخّراً أكثر من 40 دقيقة عن الموعد المقرّر. ارتدى كاين ملابس جعلته يبدو كأنّه جيمس بوند الجديد. أمّا يمال، فحاول من دون نجاح تفادي سرقة الأضواء منه لمصلحة شقيقه الأصغر، وذلك عبر تثبيت قنفذ بحر في سترته الرسمية. وحصد المراهق، الذي فاز بكل شيء على مستوى المنتخبات، أولى جوائز الأمسية أيضاً، على الرغم من أنّ المشارك في تقديم الحفل، تييري هنري، إلى جانب كيت سكوت، ألمح إلى أنّ هذه لم تكن الجائزة التي يريدها يمال: إذ كانت المّرة الثالثة التي يفوز فيها بجائزة أفضل موهبة شابة في فئة الرجال.

أمّا فيكي لوبيز، زميلته في برشلونة، فحصدت الجائزة الموازية في فئة السيدات. واختير مدرّبها بير روميو أفضل مدرّب للسيدات في العام، فيما فاز برشلونة أيضاً بجائزة أفضل نادٍ نسائي.

أكاديمية برشلونة تنقذ النادي من أزمته المالية

كان ذلك بمثابة رباعية لكتالونيا، إذ تواصل أكاديمية برشلونة، داخل الملعب، إنقاذ النادي من ديون تقارب مليارَي يورو، أي ما يعادل 1,7 مليار جنيه إسترليني أو 2,2 مليار دولار، خارج الملعب.

وكان 4 من المرشحين الـ5 لجائزة أفضل مدرّب في فئة الرجال إسباناً. وعزفت موسيقى حماسية بالتزامن مع عرض لقطات سريعة لميكيل أرتيتا، أوناي إيمري، لويس إنريكي، ولويس دي لا فوينتي، وهم يرفعون قبضاتهم في الهواء تعبيراً عن الحماسة.

لكنّ أصوات الإذاعات الإسبانية القادمة من المكان المجاور ظلّت تتردّد في الأرجاء، بإيقاع يشبه الطلقات المتلاحقة. كان ذلك تجسيداً للهيمنة الإسبانية.

وقاطع استراحة إعلانية زحف الغزاة الإسبان، قبل أن يروي رافا بينيتيز قصة لم يسمعها أحد من قبل، عن عودة غير استثنائية وطواها النسيان منذ زمن طويل، حقّقها ليفربول في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2005.

حتى الجوائز الفردية لم تنجُ من الهيمنة الإسبانية

بحلول موعد الإعلان عن جائزة أفضل حارس مرمى، كان كل مَن لا يُتقن الإسبانية يشعر وكأنّه أمضى 45 دقيقة في تطبيق «دوولينغو» لتعلّم اللغات. لذلك، عندما ألقت كاتا كول وأوناي سيمون كلمتَيهما لقبول الجائزة، بعد بير روميو ولويس دي لا فوينتي، وبالإسبانية الأم لكلّ منهما، أخذ الحاضرون يومئون برؤوسهم وكأنّهم يفهمون كل كلمة. لم يكن أحد ليحسد الإسبان على نجاحهم.

بوكايو ساكا يعيد الحفل إلى الواقع

على الرغم من أنّ الحفل بدا، في بعض لحظاته، منفصلاً عن الواقع، فإنّ بوكايو ساكا، الفائز بجائزة سقراط، أعاده إلى الأرض، إذ تحدّث من القلب عن عمله الخيري في أفريقيا، حيث تموّل مؤسسة BigShoe، التي يتعاون معها، إجراءات طبية تغيّر حياة الأطفال.

برشلونة يحتفل... ولابورتا يتوعّد بالفوز بدوري الأبطال

بعد ذلك، عادت الأمور إلى مسارها المعتاد، عندما طلب رئيس برشلونة جوان لابورتا الإذن بإلقاء بضع كلمات باللغة الكتالونية، لمناسبة تتويج النادي بجائزة أفضل نادٍ نسائي. وبعد ليلة من الخسارة أمام ريال مدريد في مباراة الـ«كلاسيكو» في «كامب نو»، تحدّث لابورتا بصوت أجشّ وبثقة كبيرة عن قدرة فريق الرجال على الفوز بدوري الأبطال: «أعتقد أننا من المرشحين هذا العام».

لكن، ويا لسوء حظّه، كان باريس سان جيرمان، الفريق الذي خسر أمامه برشلونة في منتصف الأسبوع، على موعد مع الظهور بعده مباشرة. وصعد عثمان ديمبيلي، لاعب برشلونة السابق والفائز بجائزة الكرة الذهبية العام الماضي، إلى المنصة لتسلّم جائزة أفضل فريق للرجال، نيابةً عن النادي المتوّج بدوري الأبطال في الموسمَين المتتاليَين.

غياب المهاجم الكبير... وكاين يفرض حضوره

لم يتعاقد برشلونة مع مهاجم من الطراز الرفيع خلال الصيف، لكنّ ذلك لم يمنعه من تقديم أداء هجومي بدا في غاية الإبهار. ومع ذلك، شكّل فوز كاين وشارلين كورال بجائزة أفضل مهاجم ومهاجمة في العام تذكيراً بنقطة ضعف محتملة أخرى، في أمسية بدا فيها برشلونة مهيمناً على سائر المستويات. ولعلّ من المتوقّع أن يكون كاين قد نال أعلى تصفيق في الأمسية، من جمهور كان في معظمه من أبناء البلد المضيف.

هل استبعدت جائزة أفضل مهاجم كاين من سباق الكرة الذهبية؟

اعتقد الجميع أنّ فوز كاين بجائزة أفضل مهاجم في العام يعني استبعاده من سباق الكرة الذهبية، وأنّ «فرانس فوتبول» و«ويفا» قد كشفا، من خلال ذلك، عن هوية الفائز الفعلي.

وفي إسبانيا، قطعت قناة «ريال مدريد تي في» برامجها بصورة مفاجئة، لتعرض على مشجّعي ريال مدريد لقطات مباشرة من حفل الكرة الذهبية، لا عن مظالم تحكيمية تعرّض لها ناديهم، بل عن مراسم توزيع الجوائز نفسها.

ولم يكن ذلك يعني سوى أمر واحد: هل أرادوا مشاهدة أليكسيا بوتياس، لاعبة برشلونة، وهي تفوز بالكرة الذهبية للمرّة الثالثة؟ كلا. ليس هذا. أي شيء، إلّا هذا!

وعندما أدركت القناة أنّها تسرّعت في استنتاجاتها، عادت، على نحو مألوف، إلى الاستوديو، حيث فُتح النقاش مجدداً حول قضية نيغريرا. وعندما رأى مدير القناة لاعب النادي السابق رونالدو، الفائز بهذه الجائزة مرتين، يُستدعى إلى المنصة، أدرك أنّ العودة إلى مسرح بالاديوم أصبحت آمنة.

فمبابي هو مَن يُقارَن أسلوبه بأسلوب رونالدو أكثر من أي لاعب آخر، على الرغم من أنّه، عندما كان طفلاً، كان يعلّق ملصقات لكريستيانو رونالدو على جدار غرفته.

وقال رونالدو: «والفائز بالكرة الذهبية هو...» - وقف كل مشجّع مدريدي أمام شاشة التلفزيون - «... هاري كاين». يا للمفاجأة!

كان التمويه الذي رافق إعلان الفائز أشبه بأفضل مراوغات رونالدو الشهيرة، حين يتجاوز المدافعين بخطواته المتقنة. وكان كين المرشح الأوفر حظاً لدى شركات المراهنات، لكن مع تقدّم الأمسية، بدا أنّ فرصته قد فاتت، وهو في الـ33 من عمره. لكنّ النتيجة جاءت مختلفة تماماً. فبعد 25 عاماً على آخر إنكليزي فاز بالجائزة، مايكل أوين - الذي تلقّى اتصالاً هاتفياً مقتضباً من رجل فرنسي يتحدّث بلكنة ثقيلة ليبلغه بفوزه - عادت الكرة الذهبية، مرّة أخرى، إلى واحد من أبنائنا.