الجمهورية | غوردون وبيلينغهام في «كلاسيكو» بنكهة إنكليزية خالصة

ستحمل مباراة الـ»كلاسيكو» التي تجمع برشلونة وريال مدريد، يوم غد الأحد على ملعب «كامب نو»، طابعاً إنكليزياً واضحاً. ويعود ذلك إلى نجاح أنتوني غوردون وجود بيلينغهام، في نقل المستوى الذي قدّماه مع منتخب إنكلترا في كأس العالم، إلى منافسات الدوري الإسباني. فقد حقّق غوردون انطلاقة قوية مع برشلونة، منذ انتقاله من نيوكاسل يونايتد مقابل 80 مليون يورو، مسجّلاً هدفَين و5 تمريرات حاسمة في 11 مباراة، كما نال لقباً كتالونياً محبّباً أطلقه عليه المشجّعون تعبيراً عن إعجابهم به.

أسهمت أهداف بيلينغهام الثلاثة، وتمريراته الحاسمة الـ4 في 12 مباراة، بدور مهمّ بالنسبة إلى جوزيه مورينيو، خلال ولايته الثانية مع ريال مدريد، التي شهدت حتى الآن الكثير من التقلّبات بين الصعود والهبوط. وذلك من دون التطرّق إلى زميلهما الإنكليزي ترينت ألكسندر أرنولد، على الرغم من أنّ الظهير الأيمن السابق لليفربول يعيش ظروفاً مختلفة تماماً على مقاعد البدلاء في ملعب «سانتياغو برنابيو».

ما مدى الإبهار الذي اتّسمت به انطلاقته للموسم؟كانت انطلاقة غوردون مبهرة للغاية. في «لاليغا»، لا يغيب الشك تماماً عندما يتعلّق الأمر بالإنكليز، وقدرتهم على التأقلم مع الثقافة المحلية وأسلوب الحياة. لكنّ ذلك لم يشكّل مشكلة بالنسبة إلى غوردون (25 عاماً)، الذي انسجم سريعاً مع زملائه في الفريق. فأظهر أنّه مجتهد في عمله، ويضع المصلحة الجماعية في المقام الأول، بما يتوافق مع متطلّبات المدرب هانسي فليك. وكانت تمريرته الحاسمة بالكعب إلى رافينيا، في المباراة أمام رايو فاييكانو في آب، من أبرز لحظاته حتى الآن.أمّا بالنسبة إلى ريال مدريد وبيلينغهام، فقد كان الموسم متبايناً. بدأ لاعب الوسط الموسم بالطريقة نفسها تقريباً التي أنهى بها كأس العالم، حين حلّ في المركز الثالث، مكرّراً بين الهدّافين (7 أهداف)، خلف كيليان مبابي وليونيل ميسي. وكان عنصراً أساسياً في تحقيق الفريق عدداً من الانتصارات في بداية الموسم، من بينها المباريات أمام إسبانيول وريال سوسييداد وملقة.لكنّ مستوى بيلينغهام تراجع بعض الشيء منذ ذلك الحين، ولم يكن في أفضل حالاته خلال الخسارة 1-2 أمام أتلتيكو مدريد في دربي العاصمة. ومع ذلك، كان أداؤه أكثر ثباتاً من أداء مبابي وفينيسيوس جونيور، كما ترك بصمة مؤثرة في المباريات الأخيرة.

ما أكثر ما لفت الانتباه؟ذكاء غوردون في فهم ما يحتاج إليه الفريق منه، ومدى انسجامه الواضح مع أسلوب هانسي فليك. ربما توقّع البعض أن يواجه صعوبة في التأقلم مع فلسفة كروية محدّدة المعالم، تقوم على الاستحواذ، وسط مجموعة من اللاعبين الذين تدرّجوا في أكاديمية برشلونة، لكنّ ما حدث كان معاكساً تماماً لهذه التوقعات.يدرك غوردون أنّ عليه أحياناً توسيع رقعة اللعب عبر التمركز على الأطراف، وأنّ عليه في أحيان أخرى الانطلاق نحو المساحات، فضلاً عن أداء دور النقطة المحورية التي تجذب المدافعين إليها. وكل ذلك يأتي منه بصورة طبيعية للغاية.في المقابل، يبدو بيلينغهام (23 عاماً) أكثر ارتياحاً في مركز صانع الألعاب رقم 10 تحت قيادة مورينيو. وبما أنّه يشغل المركز نفسه الذي يلعب فيه مع منتخب إنكلترا، بات يتلقّى الكرة في مواقع أقرب إلى المرمى، وأصبح تأثيره أكبر في الهجوم المدريدي.كما تحوَّل إلى عنصر أساسي في الكرات الثابتة، وهو جانب أحرز فيه ريال مدريد تقدّماً ملحوظاً مقارنة بالموسم الماضي. ولم يؤدِّ الدور الهجومي الذي يضطلع به إلى تقليص استعداده للقيام بالمهام الأقل بريقاً؛ إذ لا يزال بيلينغهام يتميّز بمجهوده الكبير، قدرته على استعادة الكرة، واستعداده لقطع المسافات وتغطية مساحات واسعة من الملعب.ما مكانة كلّ منهمالدى الجماهير؟لم يحتج غوردون إلى وقت طويل ليصبح أحد اللاعبين المفضّلين لدى جماهير «كامب نو». فقد عبّر عن نفسه بإسبانية ممتازة خلال حفل تقديمه، بل حاول التحدّث ببعض الكتالونية أيضاً، في إشارة إلى رغبته في الاندماج.وهتفت الجماهير في المدرجات باسم جناح إيفرتون ونيوكاسل يونايتد سابقاً، خلال أول مباراة خاضها برشلونة في الدوري الإسباني على ملعب «كامب نو» هذا الموسم، أمام أتلتيك بلباو في آب. وبعد أسبوع واحد فقط، كانت اللافتات التي تحمل صورته قد ظهرت بالفعل في الحانات القريبة من الملعب.على خلاف الويلزي غاريث بايل وغيره من اللاعبين البريطانيّين الذين واجهوا صعوبة في كسب ودّ جماهير ريال مدريد، نجح بيلينغهام منذ البداية في بناء علاقة قوية معها. وقد ساعده كثيراً إحرازه دوري أبطال أوروبا والدوري الإسباني في موسمه الأول، إلى جانب تسجيله 23 هدفاً، وهو أفضل رصيد تهديفي في مسيرته. لكنّ بيلينغهام احتفظ بدعم الجماهير حتى خلال الصعوبات الأخيرة التي واجهها الفريق، ويبدو أنّ المشجّعين ينظرون إليه بإيجابية أكبر ممّا يفعلون تجاه بعض زملائه.ويشكّل استعداده للعمل من أجل الفريق جزءاً أساسياً من هذه المكانة، شأنه شأن الشغف الذي يظهره، سواء في أدائه داخل الملعب أو في طريقة تواصله مع المحيطين به. وبالنسبة إلى جماهير ريال مدريد، فإنّ هذه الصفات هي تحديداً ما يميّز القائد.

ماذا قال مدربوهما وزملاؤهما عنهما؟لم يُخفِ هانسي فليك إعجابه بغوردون، ولم يتردّد في الإشادة به. وأكّد المدرب الألماني، بعدما سجّل غوردون هدفه الأول بقميص برشلونة أمام خيتافي في وقت سابق من هذا الشهر: «إنّه يمنحنا الكثير. يتمتّع بالسرعة، ويتحرّك جيداً بالكرة، ويمتلك كل هذه المهارات في المراوغة. إنّه يشكّل خطراً دائماً ويصنع الفرص».وفي وقت سابق من آب، تحدّث فليك عن قدرة غوردون على رفع سقف إمكانات الفريق، قائلاً: «إنّه يمتلك صفات ممتازة بالنسبة إلينا، وهي تحديداً ما كنّا نبحث عنه فيه. لقد وصل للتو، ولديه القدرة على التطوُّر والانتقال إلى مستوى آخر. نحتاج إلى أن يبلغ ذلك المستوى».ومع إقامة حفل الكرة الذهبية يوم الاثنين، أعلن أفراد من الجهاز الفني لريال مدريد، في تصريحات علنية وأخرى خاصة، دعمهم لمبابي بوصفه مرشحهم المفضّل للفوز بالجائزة. لكنهم يعتقدون أيضاً أنّ فوز بيلينغهام بها ليس سوى مسألة وقت، نظراً إلى حجم إعجابهم به.وخلف الكواليس، يُوصَف بيلينغهام بأنّه أحد أكثر اللاعبين التزاماً واجتهاداً في التدريبات، كما أنّه يضع معايير عالية لمن حوله. وأوضح مورينيو في آب: «إنّه شديد المطالب من نفسه، وشديد المطالب من الآخرين أيضاً، وهذا أمر يعجبني كثيراً. وقد اتفقت معه على أنّني، انطلاقاً من الطريقة التي أنظر بها إلى كرة القدم وإلى جود، لم أعد أرغب في رؤيته يدافع كما لو كان ظهيراً أيسر ثانياً، وهو أمر رأيته يحدث كثيراً».لماذا لا نتحدّث عن ترنت ألكسندر أرنولد بالطريقة نفسها؟لأنّ ألكسندر أرنولد (28 عاماً) لم ينجح حتى الآن في تقديم ما يثير الإعجاب فعلاً مع ريال مدريد، على الرغم من مرور عام ونصف العام على وصوله. وقد أبعدته إصابتان عضليتان في الموسم الماضي عن الملاعب لمدة 100 يوم. واشتدّت المنافسة هذا الصيف، بعدما تعاقد ريال مدريد مع الهولندي دينزل دومفريس قادماً من إنتر ميلان مقابل 20 مليون يورو، فشارك الأخير أساسياً في 7 مباريات من أصل 12، مقابل 4 مباريات لألكسندر أرنولد.وشغل دومفريس مركز الظهير الأيمن في 3 من تلك المباريات، فيما لعب فيديريكو فالفيردي في المركز نفسه خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي أمام إشبيلية، وكذلك في المباراة أمام لايبزيغ. ولم ينجح ألكسندر أرنولد في إقناع الجهاز الفني عندما جرى إشراكه في خط الوسط، أمام إنتر في دوري الأبطال. ولا يزال من غير الواضح كيف يمكن استثمار قدراته الفنية، التي لا يشكّك أحد فيها، على النحو الأمثل ضمن هذا الفريق.ويرفض أشخاص مقرّبون من اللاعب، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم حفاظاً على علاقاتهم، الادعاءات التي تفيد بأنّه غير سعيد أو أنّه بدأ بالفعل التفكير في الرحيل، بعد عام واحد فقط من توقيعه عقداً يمتد 6 سنوات. لكنّ الواضح أنّه لم يرسّخ مكانته فعلياً في «سانتياغو برنابيو» حتى الآن. ويؤكّد المقرّبون منه، أنّه يعتزم القتال من أجل انتزاع مكانه في التشكيلة.

مَن ستكون له الكلمة الأخيرة في هذه الكلاسيكو؟الإجابة الأسهل هي غوردون، نظراً إلى أنّ برشلونة يدخل المباراة بوصفه المرشّح الأوفر حظاً للفوز. أمّا بيلينغهام، فهو الأكثر ترجيحاً لتسجيل هدف أو صناعة لحظة حاسمة، لكنّ فريق فليك يلعب حالياً في مستوى مختلف تماماً.وسبق لبيلينغهام أن أظهر قدرته على إشعال أجواء الـ«كلاسيكو»؛ إذ سجّل أهدافاً حاسمة في كل واحدة من أول مباراتَين خاضهما أمام الغريم التقليدي اللدود لريال مدريد. كما أنّه يشكّل نوعاً من المؤشّر إلى مستوى ثقة ريال مدريد بنفسه وأدائه العام. فإذا ظهر بأفضل مستوياته، فستكون فرص فريق مورينيو أفضل بكثير في منافسة برشلونة ومباغتته.