الجمهورية | «عزازيل» في لبنان: حين تصبح الرواية حقيقة

حين تصبح مخطوطة قديمة أكثر حياةً من الجريدة الصباحية، فهذا ما حدث مع «عزازيل». ففي عام 2008، صدرت في مصر رواية تدّعي أنّها ليست رواية، بل ترجمة لمخطوطات سريانية قديمة، اكتُشفت مدفونة قرب دير في حلب، وتعود إلى القرن الخامس الميلادي. وفي هوامشها شروحات لاهوتية توحي بأنّ القارئ أمام طبعة أكاديمية لوثيقة أثرية، فيما مؤلفها، الدكتور يوسف زيدان، متخصِّص في المخطوطات. فمَن قال إنّ ما يقرأه خيال؟ كثيرون صدّقوا، تساءلوا، قرأوا، وأُحرجوا من مقدار ما نسوا أنّهم يقرأون رواية. نالت «عزازيل» جائزة البوكر العربية عام 2009، وأثارت جدلاً دينياً واسعاً ورُفعت عليها دعاوى في مصر. فكيف نقرأها نحن في لبنان اليوم؟ اشتراكصحيفة

أكاديمي يخلع عباءة المراجع

يوسف زيدان ليس روائياً في الأصل، بل باحث في المخطوطات والتصوُّف والفلسفة الإسلامية والتراث المسيحي المشرقي، وسبق أن تولّى إدارة مركز المخطوطات في مكتبة الإسكندرية.

والفارق كبير بين روائي يكتب رواية تاريخية وأكاديمي يكتبها. الأول يبحث في المراجع ليقنعك. أمّا الثاني، فيجلس أمامها ويتخيّل الحياة التي كانت خلفها. يستخدم زيدان معرفته الواسعة ليجعل عالم القرن الخامس مرئياً ومحسوساً، ويجمع بين الدقة الأكاديمية والروح الأدبية، فيصعب تصنيف «عزازيل» ضمن الروايات التاريخية التقليدية. أخبارلبنان

هيبا في قرن يشتعل

في القرن الخامس الميلادي، تحوَّلت المسيحية من دين مضطهد إلى دين الإمبراطورية، ثم أصبح الوثنيّون عرضة للاضطهاد. وانقسم المسيحيّون أنفسهم حول طبيعة المسيح: أهو إله فقط، أم إنسان فقط، أم الاثنان معاً؟ أسئلة لاهوتية تحوَّلت إلى صراعات على الهوية والسلطة، وأدّت إلى الاضطهاد والنفي والقتل.

في هذا العالم يعيش هيبا، الراهب المصري القادم من صعيد مصر، الذي تعلّم الطب والفلسفة وانتقل إلى الإسكندرية، حيث شهد أحداثاً لم يتوقعها. وفي كهف منعزل، وهو يتجاوز منتصف العمر، يدوّن مذكراته عن حياته والصوت الذي يلاحقه، والذي يسمّيه عزازيل.

أليس في ذلك ما يذكّرنا بلبنان؟ حين تتحوَّل الطائفة إلى هوية سياسية، الهوية إلى سلطة، والسلطة إلى وسيلة لفرض النفوذ، هل نكون بعيدين حقاً عن صراعات القرن الخامس؟ حين تتنازع الطوائف على قانون انتخاب أو منصب، ألا يمكن أن تختبئ خلف الشعارات صراعات على المواقع والتحالفات ومناطق النفوذ؟ تحليلاتسياسية

عزازيل وهيباتيا: العنف باسم الدين

عزازيل ليس مخلوقاً بأجنحة وذَيل، بل صوت داخلي في رأس هيبا، يسأله عمّا يريد تجاهله، ويشكّك في يقينياته ويذكّره برغباته المكبوتة. هل هو الشيطان، الضمير أم العقل الذي يرفض التسليم؟ يترك زيدان السؤال مفتوحاً، لأنّ كل إنسان يحمل عزازيله الخاص، ذلك الصوت الذي يسائل ولا يهدأ.

أمّا الصدمة الأولى في حياة هيبا، فتتمثّل في مقتل هيباتيا، الفيلسوفة وعالمة الفلك والرياضيات التي كانت تستقطب المؤمنين والوثنيّين إلى دروسها. ففي آذار 415 ميلادية، هاجمها حشد من المتعصّبين، وسحلها من عربتها إلى أحد المباني، حيث قُتلت وأُحرقت.

يسأل هيبا: كيف يجتمع هذا العنف مع رسالة المحبة؟ وكيف يصبح الدين شعاراً للقتل؟ ليس السؤال محصوراً بالقرن الخامس؛ إنّه سؤال بيروت حين يُحارَب العقل باسم الطائفة، وسؤال طرابلس حين يُكفَّر مثقف باسم التعصّب. فالمشكلة ليست في الإيمان بحدّ ذاته، بل في المتزمّتين الذين يعتقدون أنّ العنف وسيلة لتنفيذ إرادة الله.

الجسد والسلطة والتاريخ

يؤدّي هيبا نذر العفة والزهد، لكنه يقع في الحب مرّتَين، ليعيش صراعاً بين ما يؤمن به وما يشعر به. ومن خلاله، يطرح زيدان سؤالاً عن الجسد: هل احتقاره تكريم للروح أم إنكار لجزء أصيل من الوجود؟ فالقمع الذي يُفترض أن يقود إلى النقاء قد يتحوَّل إلى عنف داخلي وانفجارات نفسية.

وتكشف الرواية، بين سطورها، تقاطعات الغنوصية والتصوُّف والنفس اللوّامة، لتشير إلى أنّ التجربة الروحية تتضمّن صراعاً داخلياً، وأنّ الروحانية الحقيقية لا تعني إلغاء هذا الصراع، بل التعايش معه بصدق.

ومن خلال حكاية هيبا، يطرح زيدان أربع أفكار أساسية: السلطة قد تفسد حتى المؤسسات المقدسة؛ والشك ليس خيانة للإيمان، بل قد يكون شرطاً لفهمه؛ والتاريخ يكتبه المنتصرون، فيما تُهمَّش أصوات الذين تساءلوا واعترضوا؛ أمّا عزازيل الذي نخشى الإصغاء إليه، فقد يكون أصدق أصواتنا.

ولهذا احتجّ بعض رجال الدين على الرواية، واتُّهم زيدان بتشويه تاريخ الأديان. لكنّ جوهر العمل ليس استهداف الإيمان، بل نقد توظيف المؤسسة الدينية للسلطة، وهو سؤال لا يخصّ ديناً بعينه ولا حقبة تاريخية واحدة.

ويكتمل سحر الرواية بلغتها العربية الفصيحة ذات النكهة القديمة، وصورها التي تستحضر حرارة الإسكندرية وبرد دور العبادة ورائحة البخّور وثقل الأسئلة. كما تمنح الهوامش النص مظهراً يوحي بأنّه وثيقة حقيقية، فيما يعكس التناوب بين مذكرات هيبا وحواراته مع عزازيل طريقة عمل العقل البشري: يسرد ثم يراجع، ويؤكّد ثم يشك.

لبنان الذي يدفن أسئلته أخبارلبنان

في نهاية الرواية، يدوّن هيبا مذكراته ويدفنها، لأنّه لا يريد لأحد أن يقرأها. لكنّ المخطوطة تُكتشف وتُقرأ ويترجمها يوسف زيدان. والمعنى أنّ الأسئلة الصعبة التي نحاول دفنها قد تجد طريقها إلى الضوء، وأنّ الشكوك التي نسعى إلى إسكاتها قد تعود لتتكلّم من جديد.

وهذا حال لبنان اليوم. ندفن أسئلة الطائفية والسلطة والدين والدولة، لكنها تعود لتواجهنا. نكتب رواية ونظن أننا نكتب التاريخ، ثم نكتشف أننا نعيش الرواية نفسها.

فزيدان لا يريد هدم الدين، بل فهم العلاقة بين الديني والسياسي، وكيف يستخدم الثاني الأول لتحقيق أغراضه. وبعد كل هذا، يسأل القراء: هل توجد مخطوطات حقيقية، أم أنّ كل ذلك من خيال الكاتب؟

الإجابة بسيطة: أغلق الكتاب واقرأ الغلاف، وستجد كلمة «رواية». لكن في لبنان، الرواية هي الحقيقة الوحيدة... نعم، هي الحقيقة الوحيدة التي ما زالت أكثر حياةً من جريدة الصباح.