تقترب الروبوتات الطبية المصغّرة من تجاوز إحدى أبرز العقبات التي حدّت من استخدامها داخل الجسم: معرّفة موقعها بدقة، أثناء تحريكها بواسطة المجالات المغناطيسية. فقد طوّر فريق بحثي في الجامعة الصينية في هونغ كونغ، نظاماً يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد مواقع روبوتات مغناطيسية لاسلكية لا يتجاوز حجمها بضعة مليمترات، وتتبُّع حركتها في الزمن الفعلي، حتى في وجود تداخلات مغناطيسية تعوق تقنيات التتبّع التقليدية.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية «ساينس روبوتيكس» في 23 أيلول 2026، بقيادة لي جانغ، أستاذ الهندسة الميكانيكية والأتمتة في الجامعة الصينية في هونغ كونغ. وأظهرت التجارب قدرة النظام على تحديد موقع الروبوت بدقة تصل إلى مستوى المليمتر، على عمق يبلغ 10 سنتيمترات داخل الأنسجة البيولوجية، بالإضافة إلى توجيهه في نماذج حيوانية، ضمن مساحات تشريحية ضيّقة يصعب الوصول إليها بالأدوات التقليدية.
ولا يعني هذا التطوُّر أنّ الروبوتات المجهرية أصبحت جاهزة للاستخدام الروتيني لدى المرضى، لكنّه يعالج مشكلة تقنية أساسية أمام انتقالها من المختبرات إلى التطبيقات الطبية.
عندما تصبح الملاحة داخل الجسم تحدّياً
تستند فكرة الروبوتات المغناطيسية المصغّرة إلى استخدام مجال مغناطيسي خارجي لتحريك أجهزة صغيرة داخل الجسم، من دون الحاجة إلى ربطها بأسلاك أو تجهيزات ميكانيكية تمتد من خارج الجسم إلى موضع العلاج.
وقد تتيح هذه التقنية مستقبلاً الوصول إلى مناطق ضيّقة ومعقّدة، مثل بعض الأوعية الدموية والقنوات الصفراوية والمساحات المحيطة بالحبل الشوكي، بما قد يساعد في تطوير وسائل جديدة للتشخيص والتدخّلات الطبية محدودة التوغل.
لكنّ تصغير حجم الروبوت يخلق مشكلة متزايدة التعقيد. فالإشارات المغناطيسية التي يصدرها تصبح ضعيفة، في حين تولّد المجالات المستخدمة لتحريكه تداخلات أقوى بكثير. ونتيجة لذلك، يصعب فصل الإشارة التي تكشف موقعه عن الإشارات الناتجة من نظام التحريك نفسه.
وتكمن أهمية هذا التحدّي، في أنّ معرفة موقع الروبوت ليست مسألة تقنية ثانوية؛ إذ يعتمد التوجيه الآمن على تحديد مكانه واتجاه حركته بصورة مستمرة، خصوصاً عندما يتحرَّك داخل أنسجة حساسة أو ممرات تشريحية ضيّقة.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي؟
طوّر الباحثون نظام تتبّع يجمع بين مجموعة من المستشعرات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، بهدف تمييز الإشارات الصادرة من الروبوت عن التداخلات التي يولّدها المجال المغناطيسي المستخدم لتحريكه. وتستخدم المنظومة نموذجاً من المحوّلات العصبية لتحليل التداخلات وترشيحها، ثم نموذجاً آخر يحلّل الإشارات المستخلصة عبر فترة زمنية قصيرة، ويحوّلها إلى إحداثيات ثلاثية الأبعاد تحدِّد موقع الروبوت.
وبذلك، لا يعتمد النظام على قراءة منفردة أو صورة واحدة، بل يستفيد من المعلومات المتتابعة لتقدير حركة الجهاز داخل البيئة المحيطة به. والخطوة الأهم هي دمج بيانات التتبّع في نظام التحريك نفسه. فعندما يعرف النظام موقع الروبوت بصورة متواصلة، يمكنه استخدام هذه المعلومات لتعديل حركته وفق المسار المطلوب. وتُعرف هذه المقاربة باسم «الملاحة ذات الحلقة المغلقة»، لأنّها تربط بين التحريك والقياس والتصحيح بصورة مستمرة.
ويمثل ذلك تقدُّماً مقارنة بالأنظمة التي تستطيع تحريك الروبوت، لكنها تواجه صعوبة في تحديد موقعه بدقة أثناء الحركة.
اختبارات داخل أجسام حية
لم يقتصر التحقق من التقنية على التجارب المخبرية خارج الجسم، بل شمل أيضاً اختبارات على نموذج حيواني كبير، إذ نجح الفريق في توجيه الروبوتات المغناطيسية داخل المساحة تحت العنكبوتية المحيطة بالحبل الشوكي، وفي القناة الصفراوية لدى الماعز.
وأُجريت التجارب في بيئة غير محمية من التداخلات المغناطيسية، وهي ظروف أقرب إلى التحدّيات التي قد تواجه الأنظمة الطبية في بيئات سريرية فعلية. وقارن الباحثون المسارات التي قدّرها النظام بالمسارات الظاهرة في صور الأشعة السينية، ووجدوا تقارباً ملحوظاً بينهما.
وتشير هذه النتائج إلى أنّ الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتتبّع المغناطيسي يمكن أن يتيح توجيهاً أكثر موثوقية للروبوتات المصغّرة داخل بيئات معقّدة. ومع ذلك، فإنّ نجاح التجارب على الحيوانات لا يثبت وحده سلامة التقنية وفعاليّتها لدى البشر، ولا يغني عن الدراسات الإضافية المطلوبة قبل اعتمادها طبياً.
من المختبر إلى التطبيقات الطبية
إذا أمكن تطوير هذه المنظومة والتحقق من سلامتها سريرياً، فقد تفتح المجال أمام أدوات طبية تستطيع الوصول إلى مناطق يصعب بلوغها بالوسائل التقليدية، أو تنفيذ تدخّلات دقيقة ضمن مساحات محدودة.
لكنّ الطريق إلى الاستخدام الواسع لا يزال يتطلّب معالجة تحدّيات متعدِّدة، بينها ضمان دقة التتبّع في ظروف تشريحية مختلفة، والتحقق من قدرة النظام على الاستجابة للحركة غير المتوقعة، وتقييم تأثير التداخلات والاختلافات بين المرضى.
كذلك، يحتاج أي تطبيق سريري إلى تحديد آليات واضحة لاستعادة الروبوت أو التعامل معه إذا انحرف عن المسار المحدَّد، فضلاً عن إثبات أنّ الفوائد المحتملة تفوق المخاطر.