الجمهورية | رأسمالية المراقبة: الإنسان في قبضة السلطة الرقمية

لم تعُد الحروب الاقتصادية والصراعات السياسية والأزمات المالية وحدها ما يهدِّد مستقبل البشرية؛ فقد برز تحدٍّ آخر يتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية، يتمثل في الارتهان المتزايد للهواتف الذكية والتكنولوجيا الرقمية. ففي الوقت الذي أصبح فيه الابتعاد عن الشاشات أمراً صعباً، تراجعت لدى كثيرين مساحة التأمّل والقراءة والعبادة والتواصل المباشر، وأصبحت التكنولوجيا قوة تُعيد تشكيل العادات والاهتمامات وأنماط التفكير. فهل ما زلنا نستخدم التكنولوجيا بإرادتنا، أم أننا بدأنا نخضع لمنطقها من دون أن نشعر؟

رأسمالية المراقبة: اقتصاد يقوم على بياناتنا

هذا السؤال هو محور كتاب الباحثة الأميركية شوشانا زوبوف، The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power، الصادر عن دار PublicAffairs عام 2019. ترى زوبوف أنّ الرأسمالية الرقمية تجاوزت بيع السلع والخدمات إلى استثمار التجربة الإنسانية نفسها، من خلال جمع البيانات السلوكية وتحليلها وتحويلها إلى مصدر للربح.

فكل عملية بحث أو إعجاب أو شراء أو مشاهدة تترك أثراً رقمياً يمكن استخدامه للتعرُّف على اهتماماتنا والتنبّؤ بسلوكنا المستقبلي. ولم تعُد الشركات تكتفي بمعرفة ما نريده، بل تسعى إلى توقّع ما قد نريده لاحقاً، وتحديد الوسائل التي يمكن أن تؤثر في اختياراتنا. وهنا تتحوَّل المعلومات الشخصية إلى مورد اقتصادي، وتصبح القدرة على التنبّؤ بالسلوك مصدراً للثروة والنفوذ.

من التنبّؤ إلى التأثير

تكمن خطورة رأسمالية المراقبة في الانتقال من فهم السلوك إلى محاولة توجيهه. فالإعلانات المخصّصة والتوصيات الرقمية وترتيب المحتوى، ليست مجرّد أدوات تقنية محايدة دائماً؛ إذ يمكن استخدامها للتأثير في قرارات المستخدمين وجذب انتباههم ودفعهم إلى سلوكيات تخدم المصالح التجارية.

ولا يعني ذلك أنّ كل خدمة رقمية تمثل تلاعباً، لكنّ المشكلة تظهر عندما تعمل آليات التأثير بصورة خفية، بينما يجهل المستخدم طبيعة البيانات التي تُجمع عنه وكيفية استثمارها. وهكذا تنشأ علاقة غير متكافئة بين شركات تمتلك معرفة واسعة بالأفراد، وأفراد لا يعرفون إلّا القليل عن الأنظمة التي تحلِّل حياتهم الرقمية.

الحرّية والخصوصية تحت الضغط

تتجاوز هذه المسألة حدود الخصوصية لتصل إلى مفهوم الحرّية ذاته. فالحرّية ليست مجرّد القدرة على الاختيار بين بدائل متاحة، بل تشمل أيضاً حق الإنسان في تكوين رغباته وقناعاته بعيداً من المراقبة والتوجيه المستمرَّين. وعندما تصبح تفاصيل الحياة اليومية مادة للتحليل والاستثمار، تتقلّص المساحة التي يستطيع الفرد أن يعيش فيها من دون أن يتحوَّل إلى موضوع للرصد والتنبّؤ.

ويمكن وصف هذه البنية بمفهوم «الآخر الكبير» (Big Other)، الذي يشير إلى منظومة رقمية تتيح مراقبة السلوك وجمع البيانات والتأثير في الأفراد. وتكمن خطورة هذه السلطة الرقمية في عالم التكنولوجيا الحديثة في أنّها لا تُمارَس بالضرورة عبر الإكراه المباشر، بل قد تتخفّى وراء خدمات مجانية وتطبيقات مريحة يستخدمها الناس طوعاً.

تهديد الديمقراطية وتركيز السلطة

لا يقتصر النقد على الفرد، بل يمتد إلى المجتمع والديمقراطية. فحين تستطيع الشركات تحليل اهتمامات الناس والتأثير في المعلومات التي تصل إليهم، يصبح من الضروري التساؤل عن أثر ذلك في تشكيل الرأي العام واستقلالية القرار السياسي. كما أنّ تراكم البيانات والقدرات التحليلية في أيدي عدد محدود من المؤسسات، يعزّز التفاوت في القوة والمعرفة بين الشركات والمستخدمين.

ومن هنا، لا تعود رأسمالية المراقبة مجرّد قضية تقنية أو اقتصادية، بل تصبح قضية سياسية وأخلاقية تتعلّق بمَن يمتلك المعرفة، ومَن يحدّد كيفية استخدامها، ومَن يتحمّل نتائجها.

نحو تكنولوجيا تخدم الإنسان

نحن نتفق على عدم رفض التكنولوجيا، بل على ضرورة إعادة النظر في النموذج الاقتصادي الذي يوجّه استخدامها. فالتكنولوجيا قادرة على تطوير التعليم والصحة والاتصال، غير أنّ فوائدها لا تلغي ضرورة إخضاعها لمعايير الشفافية والمساءلة. وتتطلّب حماية الإنسان سنّ تشريعات فعّالة لصَون الخصوصية، وإرساء رقابة ديمقراطية على الشركات، وضمان حق الأفراد في معرفة كيفية استخدام بياناتهم والاعتراض على استغلالها.

وبات من الضروري الكشف عن التناقض بين الوعود التي يقدّمها العالم الرقمي والمصالح الاقتصادية التي قد تتحكّم في مساره. فالتقدُّم لا يُقاس بسرعة الأجهزة أو بحجم الأرباح، بل بمدى إسهامه في تعزيز استقلالية الإنسان وكرامته وحريته.

وفي النهاية، بتنا أمام سؤال جوهري: إذا كانت الشركات قادرة على معرفة سلوكنا والتنبّؤ باختياراتنا والتأثير فيها، فكيف نضمن أن يبقى مستقبلنا ملكاً لنا؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على قدرتنا على تحويل التكنولوجيا من أداة تُستخدم لتحقيق الهيمنة الاقتصادية إلى وسيلة تخدم الإنسان، وتحفظ حقه في الاختيار والتفكير وتقرير مصيره.