الجمهورية | حين تغيّر الأسعار شكل المائدة اللبنانية

لم تعُد أزمة الغذاء في لبنان تُقاس فقط بسعر ربطة الخبز أو كيلوغرام اللحم، بل بقدرة الأسرة على الحفاظ على أطباقها اليومية بالكمية والنوعية نفسيهما. فخلال آب وأيلول وبداية تشرين الأول 2026، بقيت السلع متوافرة في الأسواق عموماً، لكنّ كلفة الوصول إليها ارتفعت، فيما تراجعت القدرة الشرائية بفعل ضعف المداخيل وارتفاع النقل والوقود وتكاليف الاستيراد. وتشير بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة، إلى أنّ أسعار نحو 60 صنفاً مدرجاً في السلة الغذائية ارتفعت بنحو 5,5% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، من حوالى 24,16 مليون ليرة في 5 كانون الثاني إلى نحو 25,49 مليون ليرة في 5 تشرين الأول. غير أنّ المتوسط العام يخفي تفاوتاً كبيراً بين المواد: فبعض الخضار الموسمية تراجعت، بينما ارتفعت اللحوم والزيوت وبعض مكوّنات الأطباق الأساسية.

الخبز لم يعُد مكمّلاً رخيصاًيبقى الخبز محورياً في الفطور والعشاء وفي أطباق الحمّص والفول واللبنة والبيض. ولذلك فإنّ ارتفاع سعره ينعكس مباشرة على معظم الأسر، حتى تلك التي لا تستهلك اللحوم بانتظام.ووفق تحليل FEWS NET، ارتفعت أسعار الخبز بنحو 7% خلال أيلول وحده، وبقيت أعلى بنحو 23% من مستويات ما قبل التصعيد. كما ارتفع مؤشر الخبز والحبوب في بيانات إدارة الإحصاء المركزي بنسبة 1,82% شهرياً في آب. ويعني ذلك أنّ الأسرة لا تدفع أكثر ثمناً للخبز فقط، بل تواجه أيضاً ارتفاعاً في كلفة الأطباق التي تعتمد عليه، بوصفه مكوّناً رئيسياً أو وسيلة أساسية لتناول الطعام.

الأرز والبقوليات: بدائل تحت الضغطلطالما شكّلت المجدّرة والعدس بحامض والحمّص والفاصولياء بدائل اقتصادية عن اللحوم. لكنّ ارتفاع أسعار الحبوب والبقوليات يقلّل الفارق بين الطبق النباتي والطبق الذي يحتوي على كمية محدودة من الدجاج أو اللحم.أظهرت تقارير وزارة الاقتصاد تغيّرات متفاوتة في أسعار العدس والأرز والحمّص والفاصولياء. فقد ارتفعت بعض الأصناف سنوياً، بينما انخفضت أصناف أخرى أو بقيت مستقرة. هذه التفاوتات لا تعني أنّ الضغط اختفى، بل تدفع الأسرة إلى تبديل الصنف أو شراء عبوة أصغر أو اختيار نوعية أقل سعراً.وتزداد حساسية هذه الأطباق بسبب اعتماد لبنان الكبير على الاستيراد. فقدّرت منظمة الأغذية والزراعة احتياجات البلاد من استيراد الحبوب في موسم 2026/2027 بنحو 1,3 مليون طن، على الرغم من تقدير إنتاج الحبوب المحلي بنحو 160 ألف طن. ولذلك تنتقل تقلّبات الأسعار العالمية وتكاليف الشحن سريعاً إلى طبق الأرز أو العدس على المائدة اللبنانية. أخبارلبنان المحلية

الخضار بين موسمية الصيف وصدمة الخريفتُظهر الخضار صورة مختلفة عن الحبوب واللحوم. ففي آب، تراجعت أسعار بعض المنتجات الصيفية مثل الخيار والكوسا والباذنجان والملفوف، نتيجة تحسّن العرض الموسمي. في المقابل، شهدت الطماطم والبصل والبطاطا ارتفاعات خلال فترات معينة.ومع بداية تشرين الأول، أظهر تقرير وزارة الاقتصاد ارتفاعاً أسبوعياً في أسعار عدد من الخضار، ومنها الخيار والجزر والبصل والبطاطا، بينما انخفضت أسعار الطماطم والملفوف وبعض الأعشاب. ولهذا أصبحت كلفة الفتوش والتبّولة والسلطات المنزلية شديدة التقلّب. ولا يقتصر أثر ذلك على السعر النهائي للطبق. فالأسرة التي تعجز عن شراء كمية كافية من الخضار الطازجة، تعتمد أكثر على الأرز والخبز والمعكرونة، ما يقلّل تنوُّع الغذاء ويرفع الاعتماد على النشويات.

اللحوم والدجاج تخرج من الوجبة اليوميةتُعدّ اللحوم والدواجن من أكثر المواد تأثيراً في ميزانية الأسرة. وتُظهر النشرات فروقاً واضحة بين اللحوم الطازجة والمستوردة والدجاج، مع استمرار ارتفاع أسعار عدد من الأصناف مقارنة بالسنة السابقة.النتيجة العملية، أنّ طبق الأرز بالدجاج لم يعُد يُقدَّم بالكمية نفسها. وقد تستبدل الأسرة قطع اللحم بالمرق أو العظم، أو تجعل الدجاج وجبة أسبوعية بدلاً من أن يكون جزءاً من الغداء اليومي. أمّا اللحوم الحمراء، فتتحوَّل تدريجياً إلى طعام للمناسبات أو إلى مكوّن بكميات صغيرة في اليخنات والكبة والمحاشي.

الفطور والعشاء تحت تأثير الزيت والألبانتتأثر وجبات الفطور والعشاء أيضاً بارتفاع أسعار البيض واللبنة والجبنة والحليب والزيوت. ووفق بيانات FAO، كان سعر زيت الطعام أعلى بنحو 21% سنوياً في حزيران 2026، فيما كان سعر الخبز أعلى بنحو 14%.ينعكس ذلك على أطباق تبدو بسيطة، مثل البيض المقلي والبطاطا والمناقيش المنزلية. فالوجبة لا تتكون من مادة واحدة؛ إذ ترتبط كلفتها بالزيت والخبز والجبنة والغاز أو الكهرباء. لذلك قد تلجأ الأسرة إلى تقليل استخدام الزيت، أو استبدال الجبنة باللبنة، أو الاكتفاء بالشاي والخبز في إحدى الوجبات.

التضخم يضغط على المناطق والأسر بشكل غير متساوٍأكّدت إدارة الإحصاء المركزي ارتفاع مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 1,40% في آب و1,35% في أيلول. وبلغ الارتفاع السنوي 16,66% في آب و17,53% في أيلول. لكنّ أثر التضخم لم يكن موحّداً جغرافياً؛ فقد سجل البقاع ارتفاعاً شهرياً قدره 2,30% في أيلول، مقابل 1,10% في الشمال.وتفسر تكاليف النقل وتفاوت الإمدادات جزءاً من هذه الفروق. كما أنّ الأسر الفقيرة تتأثر أكثر، لأنّها تنفق حصة أكبر من دخلها على الغذاء، ولا تملك هامشاً لاستبدال السلع الغالية ببدائل أفضل.وتُظهر بيانات FEWS NET أنّ سلة الإنفاق الدنيا للبقاء بقيت أعلى بنحو 11% من مستواها في تموز 2025، مع ارتفاع مكوّن الغذاء فيها بنحو 13%. لذلك فإنّ التحدّي لم يعُد توافر الطعام في الأسواق، بل القدرة على شرائه بانتظام وبنوعية كافية.