داخل إدارة ترامب، يعبّر مسؤولون عن مخاوف من أنّ إيران بلغت «المراحل المتقدّمة» من التخطيط لشنّ هجمات تستهدف مسؤولين أميركيّين. وعلى بُعد أكثر من 6 آلاف ميل، يبدو الإيرانيون مقتنعين بأنّ إسرائيل والولايات المتحدة تستعدّان لشنّ هجومهما الكبير الثالث خلال 16 شهراً، في محاولة أخيرة لإجبار إيران على الرضوخ للمطالب الأميركية. ودخل الصراع في الشرق الأوسط مرحلة جديدة، تتسبّب فيها مجموعة متشابكة من العوامل، بدءاً من الاستحقاقات السياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل وصولاً إلى احتمال أن تسعى جميع الأطراف إلى إيجاد ذرائع للتحرّك، في تصعيد مستويات التوتر والمخاطر.
إنذارات ما قبل الحرب
وأشار عدد من الديبلوماسيّين والخبراء المستقلين إلى أنّها الطريقة التي يمكن أن تنزلق بها الدول نحو حرب شاملة. وأوضح مسؤول أوروبي رفيع المستوى إنّه إذا صحّت المعلومات الاستخباراتية الأميركية التي كُشف عنها هذا الأسبوع، والتي تفيد بأنّ لدى إيران خططاً موثوقة لمهاجمة أميركيّين داخل الولايات المتحدة وخارجها، «وهو ما يُرجّح أن يكون صحيحاً»، على حدّ تعبير المسؤول، فإنّ طلقة نارية واحدة تبدو موجّهة نحو مسؤول أميركي قد تشعل حريقاً هائلاً. ويمكن أيضاً لانفجار عارض بالقرب من ملجأ يتحصّن فيه قادة إيرانيون أن يشعل مواجهة مماثلة، علماً أنّ هؤلاء القادة نجوا بالفعل من مصير أسلافهم الذين قُتلوا في ضربة استهدفت قطع رأس القيادة، خلال الساعات الأولى من الحرب في 28 شباط.
كما أنّ مواجهة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس ترامب لانتخابات حاسمة قد تُحدث تغييراً جذرياً في موازين القوى داخل بلديهما، تُضاف إلى مجموعة الحسابات المعقّدة التي تجريها جميع الأطراف. وحتى إذا مُني نتنياهو بالهزيمة يوم غد الثلاثاء، فقد يقرّر شنّ ضربة أخيرة يعتقد أنّ خلفه سيتردّد في تنفيذها. وبالمثل، قد يرغب ترامب، الذي يدرك مدى عدم شعبية الحرب حتى بين أشدّ مؤيّديه، في إظهار أنّ سلطته لم تتراجع، على الأقل عندما يتعلّق الأمر بصلاحياته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وكما حدث في محطات أخرى شهد فيها العالم مخاطر جسيمة، مثل أزمة الصواريخ الكوبية وقرار غزو العراق، فإنّ المعلومات الاستخباراتية الجزئية أو الخاطئة، أو مجرّد الإخفاق في فهم الدوافع الحقيقية للخصم، قد تفضي إلى عواقب مميتة. وتقدّم العراق بدوره درساً تحذيرياً آخر بشأن كيفية استخدام المعلومات الاستخباراتية الانتقائية ذريعة فعلية للتحرّك العسكري.
مخاوف من اغتيال سفراء
ويؤكد مسؤولون أميركيون إنّ تركيزهم ينصبّ على عناصر من أحدث المعلومات الاستخباراتية، تشير إلى أنّ الإيرانيّين قد يسعون إلى اغتيال سفراء أميركيّين في الشرق الأوسط ومسؤولين أميركيّين على الأراضي الأميركية. ويُعدّ هذا الهدف طموحاً قديماً لدى «الوحدة 840» النخبوية الإيرانية، التي نفّذت عمليات خطف واغتيال في أنحاء العالم. لكنّ التجارب السابقة تشير إلى أنّ طموحات إيران غالباً ما تتجاوز قدراتها. فقد استعانت في بعض الأحيان بقتلة مأجورين عديمي الكفاءة أُلقي القبض عليهم قبل أن يتمكّنوا من إلحاق الأذى بأحد.
ومع ذلك، تذكّر هذه الحوادث بأنّ المخاوف الأميركية والإيرانية تستند إلى تجارب مريرة. وفي حين أعلن ترامب إنّه لن يشنّ هجوماً قبل انتخابات منتصف الولاية، المقرّرة بعد 10 أيام، فقد ألمح أيضاً إلى أنّ جميع الاحتمالات ستبقى مفتوحة بعد ذلك. ويرى مسؤولون أميركيون كبار إنّ ترامب يبدو، في محادثاته الخاصة، ميّالاً إلى شنّ جولة أخرى من الضربات الكبرى داخل إيران. ووفقاً لمسؤول مطّلع مباشرة على التخطيط، تتضمّن الخطط التي وضعتها القيادة المركزية الأميركية قائمة موسّعة من الأهداف التي ستُقصف، بما فيها البنية التحتية للطاقة ومواقع أخرى حيوية للاقتصاد الإيراني.
وفي ترديد لخطاب ترامب التصعيدي، لجأ مسؤول إيراني رفيع المستوى، خلال الأيام الأخيرة، إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليقول إنّ بلاده تستعدّ لمواجهة خصومها عبر هجمات مباغتة، مع «صفر خطوط حمراء».
تهديد متصاعد
كشف مسؤولون أميركيون وحلفاء أوروبيون إنّ المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالهجمات المحتملة شهدت تزايداً خلال الأسابيع الأخيرة، منذ وقوع حادثة يُشتبه في ارتباطها بمخطط إيراني يستهدف قاعدة عسكرية في بريطانيا يستخدمها الجيش الأميركي.
وأوضح مسؤولون أنّ المعلومات الاستخباراتية التي اطّلع عليها كبار المسؤولين شملت خططاً إيرانية للردّ على هجوم قد تشنّه الولايات المتحدة أو إسرائيل عبر حملة اغتيالات، فضلاً عن هجمات أخرى يمكن لإيران تنفيذها انتقاماً من الهجمات الأميركية السابقة.
ولا تزال المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بهذه المخططات خاضعة لدرجة عالية من السرية، ما يجعل تقييمها أمراً صعباً. ولم يكن قد أُطلع على هذه المعلومات، قبل أن يصبح التحذير الوارد في مذكرة أعدّها مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون علنياً يوم الجمعة، سوى كبار المشرّعين الأميركيّين المنضوين في المجموعة المعروفة باسم «عصابة الثمانية». وقد أثار إفراج مسؤولين في إدارة ترامب عن المذكرة حيرة بعض المسؤولين، إذ كانوا يدركون أنّهم لن يتمكّنوا من دعم ما ورد فيها عبر مناقشة أدلّة تتعلّق بمخططات محدّدة.
وتتّسع الهوّة بين ما يقوله ترامب ومعظم مستشاريه علناً بشأن الحرب، وبين المعلومات الاستخباراتية التي يتلقّونها. ولم يقدّم فريق البيت الأبيض ولا قيادة البنتاغون إحاطة بشأن الصراع منذ أشهر. ويفضّل الرئيس إبقاء المعلومات محصورة في نطاق ضيّق، لكنّ ذلك لم يؤدِّ سوى إلى زيادة المخاطر.
ويتمثّل جوهر النتائج الاستخباراتية، مع ذلك، في أنّ عدداً من المخططات الإيرانية انتقل من مرحلة التطلّعات إلى مرحلة الاقتراب من التنفيذ. وقارن مسؤول غربي ردّ الفعل الأميركي بالتعامل مع التحذيرات التي صدرت في وقت سابق من هذا الشهر بشأن تهديدات إيرانية بمهاجمة أفراد أميركيّين وقاذفات قنابل في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد، الواقعة في جنوب إنكلترا. وقد سُحبت 12 قاذفة قنابل من طراز B-1 تابعة لسلاح الجو الأميركي من القاعدة، واعتبر مسؤولون إيرانيون إنّ عودتها ستُفسَّر على أنّها إشارة إلى هجوم وشيك.
ولم يدلِ ترامب بأي تصريح للصحافيّين يوم السبت بشأن المعلومات الاستخباراتية، لكنه أكد إنّه سيقرّر قريباً ما إذا كان سيستأنف العمل العسكري. وقد تلقّى إحاطات منتظمة بشأن المعلومات الاستخباراتية الجديدة، التي يقول بعض المسؤولين إنّها تُؤخذ بجدّية أكبر من أي تحذيرات صدرت منذ اندلاع الحرب.
وكشف أحد المسؤولين إنّ هناك بعض الأدلة على وجود عناصر إيرانية داخل الولايات المتحدة «ليست مجرّد مواطنين إيرانيّين». لكن، حتى إذا كان الإيرانيون يخطّطون لشنّ هجمات انطلاقاً من الأراضي الأميركية، فليس واضحاً ما إذا كانوا قادرين على تنفيذها.
ويشير المسؤولون إلى أنّ المسؤولين الإيرانيّين كثيراً ما يبالغون، في اتصالاتهم مع نظرائهم، في تقدير قدرتهم على تنفيذ هجمات سرّية في الخارج.
ومع ذلك، تجد إيران دائماً تقريباً مجرمين وقتلة مأجورين للاستعانة بهم في مخططات الاغتيال، ولا سيما في أوروبا والولايات المتحدة. وحذّر مسؤولون أميركيون وغربيون من أنّ خطورة أي مخطط محدّد لشنّ هجوم تعتمد على كفاءة المجرم الذي يجري استئجاره لتنفيذ عملية الاغتيال.
ذكريات مقلقة من عام 2024
ليست هذه المرة الأولى التي تمرّ فيها واشنطن بمثل هذا الوضع. فقد أدّى تضافر التهديدات الإيرانية الحقيقية التي استهدفت ترامب وبعض كبار مستشاريه، إلى جانب سيناريوهات محتملة أخرى لمحاولات اغتيال، إلى خلق مناخ من الخوف والارتياب داخل فريق الرئيس طوال حملة عام 2024 الانتخابية. وكانت تلك التهديدات قد تصاعدت طوال السنوات الأربع التي أمضاها ترامب خارج منصبه، مدفوعة جزئياً بقرار اتّخذه في كانون الثاني 2020 بإصدار أمر بشنّ ضربة استهدفت قائد «فيلق القدس» النخبوي الإيراني، اللواء قاسم سليماني. ورصدت إدارة بايدن ارتفاعاً في مستوى التهديدات، وألقى مكتب التحقيقات الفيدرالي القبض على قومي باكستاني في 12 تموز 2024، موجّهاً إليه اتهامات بالتورّط في مخطط للقتل مقابل أجر، بتوجيه من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، يستهدف ترامب.
وفي سياق منفصل، كان كبار مستشاري الرئيس جو بايدن قد تابعوا ما وُصف بأنّه تهديد موثوق مصدره إيران ويستهدف ترامب، وأرسلوا قنّاصة مضادّين إلى التجمّع الانتخابي المفتوح الذي أقامه في بتلر بولاية بنسلفانيا في 13 تموز 2024. وقد أطلق أحد هؤلاء القنّاصة النار على توماس ماثيو كروكس، الذي حاول اغتيال ترامب. وقال مسؤولون إنّ كروكس كان يتصرّف بمفرده، ولم تكن له أي صلة بمخطط أجنبي.
لكنّ الحادثتَين المتتاليتَين، إلى جانب اختراق رسائل البريد الإلكتروني لمسؤولين في الحملة الانتخابية، والذي قيل إنّ إيران كانت وراءه، أثارتا حالة دائمة من الخوف داخل حملة ترامب.
وكانت بعض التهديدات والمخاوف الأخرى المتصوَّرة أقرب إلى المواقف الهزلية. فقد عُثر على غرض صغير في مقر الحملة الانتخابية في جنوب فلوريدا، ما دفع إلى الاتصال برقم الطوارئ 911 وأثار مخاوف من أن يكون جهاز تنصّت. لكن تبيّن أنّه جهاز يمكن شراؤه عبر الإنترنت، وأنّ أحد العاملين في الحملة دبّر هذه المزحة.
وواصل فريق ترامب تمحيص التهديدات، بما فيها تلك التي تستهدف كبار مسؤولي البيت الأبيض. ويولي الفريق اهتماماً خاصاً لأسماء المسؤولين التي يذكرها الإيرانيون في الاتصالات التي تعترضها أجهزة الاستخبارات.
في إيران... التلويح بالردّ
يعتقد المسؤولون الإيرانيون أنّ أبرز الخطوات التي اتّخذوها بعد هجوم 28 شباط شملت استهداف القواعد الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما باغت المسؤولين الأميركيّين. ولم يُخفِ الإيرانيون نواياهم بتوسيع نطاق الحرب إذا اندلعت جولة ثالثة من القتال. وفي تصريحات علنية، هدّد مسؤولون كبار باستهداف البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة وكابلات الألياف الضوئية البحرية التي تنقل الإنترنت وغيرها من الاتصالات.
وكشف مسؤولان إيرانيان، أحدهما عضو في الحرس الثوري، في مقابلات أُجريت معهما يوم السبت، إنّ توسيع قائمة الأهداف يشمل أيضاً الديبلوماسيّين الأميركيّين والعاملين الأميركيّين. وأكّد المسؤولان التقارير الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية بشأن المخطط الإيراني لاستهداف أميركيّين.
ودافع المسؤولان عن الخطة، مشيرين إلى أنّ إسرائيل والولايات المتحدة قتلتا عشرات المسؤولين الإيرانيّين وبعض أفراد عائلاتهم. وقالا إنّ ذلك يجعل استهداف الأميركيّين، من وجهة نظرهما، «هدفاً مشروعاً». لكن ليس واضحاً ما إذا كانت إيران تمتلك القدرة على الوصول إلى أهدافها.
وقد تراجعت نسبة نجاح إيران بصورة ملموسة مقارنةً بما كانت عليه في ثمانينات القرن الماضي، خلال السنوات الأولى للثورة، عندما نفّذت سلسلة من عمليات اغتيال المعارضين السياسيّين الإيرانيّين.
وكتب مهدي محمدي، أحد كبار مستشاري محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين ورئيس البرلمان، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إنّ إيران تنظر إلى المرحلة المقبلة من الحرب باعتبارها معركة وجودية، مضيفاً: «نحن في مرحلة المفاجأة من الحرب، ولن نخوض حرباً تقليدية. ستكون حرباً غير متكافئة، وشرسة، وحاسمة، وستستهدف نقاط قوة العدو ومكامن ضعفه».