الجمهورية | بيرسي بيش شيلي الذي فهرس البحر قاربه الشعري

لطالما حفلت الفلسفة في الشعر بشكوك كلاسيكية فريدة، تبدأ باعتبار الشعر واللغة تعبيراً شاملاً بين الذات والخارج، وتنتهي بإشكالية المضمون والشكل. فهو يترصّد عند كل زاوية أو منعطف وجودية اللسانيات الناطقة بأفكار الغير، وهو نوع من مغارة أسطورية سحرية تبعث الحي ميّتاً. إذ يمعن في أدغال التاريخ وتقلّبات الذاكرة ومفهوم الوطنية وتعريف التعبير، الذي تخبّئه الكلمات التي هي محض رموز، تتلاطم معها أمواج الأبيات التي يحرّكها الشاعر بمجذاف من حنين.

بيش شيلي بين المرئي واللامرئي

عاش الشاعر البريطاني بيرسي بيش شيلي في دوامة المرئيات المنبثقة عن اللامرئيات، أي في الظاهر المشتق عن الباطن، فحصد في تجربته قبةً سماويةً من الإحساس الراصد لكل بديهيات الكون، وكان يجوب بعينَي نسر جامح معالم الطبيعة متأثراً بوصف الإلياذة والأوديسة، ليخلق من الشعر تجربةً متجددةً تحفل بالغموض، كما وصفها الرسام جيمس ويسلر، الذي قال: «الفن يحدث»، أي أنّه دائم التحديث.

الشعر بوصفه تجربة فلسفية وجمالية

وقديماً، لم يستخدم الإغريق الكتب أكثر ممّا كان شأنهم كمعلمي الإنسانية في ذلك الزمن، منجذبين إلى الخطاب، وقد اتهم برنارد شو، مثلاً أفلاطون بأنّه كان مؤلفاً مسرحياً أعاد اختراع سقراط، ووصف الكتاب ككائن ميّت، ولهذا أثار مسألة الحوارات. إذاً، كانت الكتب قديماً مجرّد أدوات.

إلى أن غزت العالم الكتب المقدّسة، وبدأ التصعيد الكتابي والنظر إلى الكتب بصفتها، حتى وصل إلى الكلاسيكيّين الذين رأوا فيها فرصةً للتعبير عن الجمال، لتصبح أكثر زخماً ونقلاً للمشاعر المكبوتة وللمرايا المحدقة في كينونة العالم.

وبالنسبة إلى الشاعر بيرسي شيلي، فقد عاش فترة الرومانسية التي يُشار إليها بالتوقير، نظراً لكونها فاصلةً بين القدم والحداثة، وقد عاش مرحلةً كانت فيها اللغة تتبدّل، وتتعرّى من الرتابة المعهودة، وتنتفض على الاستعارات البائدة، وقد كان ثائراً على السوسيولوجيا المفروضة، وراغباً في التأمّل المنطقي في الجمال الذي يغمر العالم، وإعادة اكتشاف الكتابة. هذا الانتقال من الكلاسيكية إلى الرومانسية كان طاقةً تأويليةً مبشرةً بالعناصر الفلسفية الزاخرة بالاحتمالات، وتحرُّراً من المَوروث بشكل متناهٍ في بث الطاقة المونولوجية النفسية المغيّبة بين أوراق الزمن وتحوُّله.

من الكتاب كأداة إلى الكتاب كقيمة

في قصيدته «إلى الريح الغربية» كتب شيلي:

«أيتها الريح الغربية العاتية، يا زفرات كيان الخريف، أنت يا من أمام حضرتك الخفية تندفع أوراق الشجر الميتة، كما تفر الأشباح هرباً من ساحر، صفراء وسوداء وشاحبة، وحمراء محمومة، جموع قد ابتليت بالوباء: أنتِ يا مَن تحملين البذور المجنّحة إلى سريرها الشتوي المظلم، حيث ترقد باردةً في الأسفل، كل منها أشبه بجثة داخل ضريحها، إلى أن تنفخ شقيقتك اللازوردية التي تأتي مع الربيع في بوقها على الأرض الغارقة في أحلامها، وتملأ، وهي تسوق البراعم الحلوة كالقطعان لتتغذى في الهواء، السهول والتلال بألوان وروائح تعج بالحياة: أيتها الروح البرية التي تتحرّك في كل مكان؛ أيتها المدمّرة والحافظة؛ اسمعي، أتوسل إليك، أنصتي!».

بين الرهافة والصرامة في الصورة الشعرية

في هذه العبارات، يسمي شيلي الريح بقوة كونية هائلة، تطوق أنفاس الشجر لتتهاوى في صراع محموم تحتشد فيه الألوان، لكنه يؤمن ببعث ما يفنى عندما تطل ظلال الربيع، وأنّ ما يفسد الأرض كالغضب والكره والخيانة والحقد المتأجّج سيزول في فكرة الزمن المتدفّق، والحياة التي تعقب العدم، وتضمّ تحت جناحَيها نمط الحلم، هذا الحلم الذي لا تردعه بائدة ولا تضيّعه خارقة من خوارق الألم، وهو يستعير الرهافة من وصف القطعان والبراعم والسهول والتلال، والصرامة من وصف الريح المدمّرة والجثة في الضريح، كأنّ التناقض في هذه النغمات الغنائية المحكمة التناسق هو ما يصنع الإلهام ويصدح بأصوات الشجاعة والأمل.

فهو يمنح فجر الحياة يداً تملأ كؤوس الكون من الحلم البديع، محتكماً على طريقة والتر باتر، إلى شرط الموسيقى، فحتى الترجمة لم تلغ الإيقاع الموسيقي المتمدّد على بساط مشاعره المحتدمة، والمؤثرات الوصفية المصاحبة له، والنسيج الوتري لفلسفته الوجودية الطاغية فيها، ومن هنا، يصبح كالملاح العائد من البحر، يضطجع على سرير التفكر والتمني، بعد أن ترك قاربه الذي فهرسه البحر بين جانبيه، وصمّم على بناء مركب آخر، يهاجر به نحو الحلم الخفي.

بيرسي بيش شيلي، على الرغم من رحيله المبكر بعد غرقه في البحر، فقد تسنّى له أن يصنع من معتقداته الذاتية منهجاً أكثر دقةً ورشاقةً من مناهج زمنه الماضي، ولم تكن مقاطعه الشعرية تزيينيةً أو متسمةً بالغرابة، بل فلحت في تغيير واقع الشعر وتأويله بطريقة إيحائية ومفتوحة على دلالات متعددة المعنى.