بدأت المرحلة الأولى من الانتشار الجماهيري للذكاء الاصطناعي مع روبوتات المحادثة التي تجيب عن الأسئلة وتلخّص النصوص وتولّد الصور. أمّا المرحلة التالية، فتّتجه نحو أنظمة لا تكتفي بتقديم المعلومات، بل تستطيع تنفيذ سلسلة من الخطوات لتحقيق هدف يحدِّده المستخدم. ويُطلق على هذه المقاربة اسم «الذكاء الاصطناعي الوكيل»، وهي تفتح الباب أمام تغيير طريقة استخدام البرامج في العمل والحياة اليومية.
من مساعد يجيب إلى نظام ينفّذ
تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل، بحسب تصميمها وصلاحياتها، تقسيم المهمّة إلى مراحل، والبحث عن المعلومات، واستخدام أدوات رقمية، ومراجعة النتائج قبل الانتقال إلى الخطوة التالية. وقد يشمل ذلك إعداد تقرير من ملفات متعدِّدة، أو تنظيم معلومات في جدول، أو تنفيذ إجراءات ضمن تطبيقات متصلة.
وتشير مراجعة McKinsey لاتجاهات التكنولوجيا لعام 2026، إلى أنّ تطوير البرمجيات الوكيلة أصبح من المجالات التي تستقطب اهتماماً واستثمارات متزايدة.
وفي المقابل، تعرض Google Cloud أمثلة لاستخدامات مؤسسية، تشمل إدارة البنية التحتية الرقمية ومراقبة النسخ الاحتياطية وتبسيط بعض الإجراءات التشغيلية.
لكن من الضروري التمييز بين الأنظمة التي تستطيع تنفيذ مهمّة كاملة بصورة موثوقة، وتلك التي لا تزال تحتاج إلى تدخّل بشري عند اتخاذ القرارات أو التعامل مع حالات غير متوقعة. فوجود واجهة محادثة قادرة على استدعاء الأدوات لا يضمن وحده نجاح العملية من بدايتها إلى نهايتها.
الإنتاجية تحت الاختبار
تكمن جاذبية الأنظمة الوكيلة في قدرتها المحتملة على تقليل الوقت الذي يمضيه الموظفون في المهام الروتينية، مثل نقل المعلومات بين التطبيقات أو جمع البيانات أو إعداد مسودات أولية. ويمكن أن يتيح ذلك للموظفين تخصيص مزيد من الوقت للتحليل والتواصل واتخاذ القرارات.
غير أنّ قياس الفائدة يتطلّب أكثر من احتساب عدد المهام التي ينفّذها النظام. يجب النظر أيضاً إلى معدّلات الخطأ، وكلفة المراجعة، والوقت اللازم لتصحيح النتائج، ومدى قدرة الموظفين على فهم ما فعله النظام. وقد تصبح الأتمتة غير مجدية إذا وفّرت دقائق في التنفيذ لكنها أنتجت أخطاء مكلفة أو تطلّبت تدقيقاً بشرياً مستمراً. وتحتاج المؤسسات إلى تحديد المهام التي يجوز للنظام تنفيذها، والصلاحيات التي يمكن منحه إياها، والعمليات التي تتطلّب موافقة بشرية مسبقة. وتزداد أهمية هذه الضوابط عندما يتعلّق الأمر بالبيانات الشخصية أو المعاملات المالية أو تعديل الأنظمة الحساسة.
الثقة هي الشرط الأساسي
تواجه الأنظمة الوكيلة مخاطر لا تقتصر على الإجابات الخاطئة، بل تشمل تنفيذ إجراء غير مقصود، أو إساءة استخدام صلاحيات الوصول، أو التأثر بتعليمات مضلّلة موجودة داخل مستند أو صفحة ويب. ولذلك، ينبغي أن تُصمَّم لتعمل ضمن حدود واضحة، وأن تسجّل الإجراءات التي نفّذتها، وتتيح إيقافها أو التراجع عن بعض خطواتها عند الإمكان.
كما أنّ حماية البيانات تصبح أكثر تعقيداً عندما يتصل النظام بعدة خدمات في الوقت نفسه. فكل اتصال إضافي قد يوسّع نطاق المعلومات التي يمكن الوصول إليها، ما يجعل إدارة الصلاحيات وتحديد ما يُسمح بمشاركته مسألتَين أساسيتَين.
لن تختفي الحاجة إلى الإنسان لمجرّد أنّ البرامج أصبحت قادرة على تنفيذ خطوات أكثر. بل قد تتحوَّل وظيفته من القيام بكل خطوة يدوياً إلى تحديد الهدف ومراقبة التنفيذ والتدخّل عند الضرورة. وهذا التحوُّل لن يكون متساوياً في جميع القطاعات، لكنه قد يصبح أحد أهم الاختبارات العملية لقيمة الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.