تتسارع التحوّلات في عالم الطب، مع اتساع دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التشخيص والعلاج، فيما تزداد الحاجة إلى مقاربة طبية شاملة تضع الإنسان في صلب الاهتمام. وفي هذا السياق، نظّمت الجمعية اللبنانية للطب الداخلي مؤتمرها السنوي الـ21، يومَي 16 و17 تشرين الأول 2026، في فندق «فوكو بيروت سنترال ديستريكت»، برعاية وزير الصحة العامة الدكتور راكان نصر الدين، وبالتعاون مع الجمعية الوطنية الفرنسية للطب الداخلي (SNFMI)، تحت عنوان «الرؤية الشاملة بـ360 درجة في الطب الداخلي والمناعة السريرية». أخبارلبنان
وفي حديث إلى «الجمهورية»، شدّد رئيس الجمعية اللبنانية للطب الداخلي الدكتور طوني المر، على أهمية التكامل بين مختلف الاختصاصات الطبية، وضرورة توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الطبيب والمريض، لافتاً إلى أهمية الشراكة العلمية اللبنانية - الفرنسية، والتطوّر الذي تشهده مقاربات علاج السمنة، وداعياً الأطباء الشباب إلى اكتساب الخبرات العالمية والاستثمار في القطاع الصحي في لبنان.
تشخيص شامل يتجاوز الأعراض
يوضح المر، أنّ جسم الإنسان منظومة متكاملة من الأعضاء المترابطة التي تعمل بتنسيق مستمر، ما يجعل المقاربة الطبية الشاملة ضرورة للوصول إلى تشخيص دقيق. فبدلاً من التعامل مع كل عارض بصورة منفصلة، ينبغي دراسة مختلف الأعراض ووظائف الأعضاء، وربط المعطيات بعضها ببعض، للوصول إلى تشخيص موحّد يفسّر الحالة الصحية للمريض.
ويؤكّد أنّ اختصاص الطب الداخلي يؤدّي دوراً محورياً في هذا المجال، نظراً إلى اتساع نطاقه ومعرفة طبيبه بمختلف أجهزة الجسم، وقدرته على الربط بين الأعراض والمشكلات الصحية المتعددة، بما يتيح وضع خطة علاجية أكثر تكاملاً.
الذكاء الاصطناعي في خدمة الطبيب
ويرى المر، أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله، لما يوفّره من سرعة كبيرة في تحليل المعلومات ومقارنتها وربط المعطيات، وهي قدرات قد تتجاوز الإمكانات البشرية من حيث سرعة المعالجة.
لكنّه يشدّد على أنّ هذه التكنولوجيا تبقى نتاجاً للذكاء البشري والمعرفة التي راكمها الإنسان، ولا تستطيع أن تحلّ مكان الطبيب في الجوانب الإنسانية والعاطفية، ولا سيما الإصغاء إلى المريض وفهم معاناته واستيعاب ظروفه.
ويضيف، أنّ الاستفادة المثلى من الذكاء الاصطناعي تكمن في تسهيل جمع المعلومات، وتسريع التشخيص ومقارنة النتائج، على أن يبقى الطبيب المسؤول عن تحليل المعطيات وتفسيرها واتخاذ القرار المناسب.
ويشبّه المر الطبيب باختصاصي الأمراض الداخلية بقائد الأوركسترا، الذي ينسّق مختلف العناصر للوصول إلى نتيجة متكاملة، معتبراً أنّ الجمع بين الخبرة الطبية البشرية وسرعة التكنولوجيا، يمهّد لمرحلة جديدة من التطوّر في الممارسة الطبية.
شراكة لبنانية - فرنسية متينة
وعن التعاون مع الجمعية الوطنية الفرنسية للطب الداخلي، يصف المر هذه الشراكة بأنّها ركيزة أساسية لتطوير برامج الطب الداخلي والمناعة السريرية في لبنان. ويشير إلى أنّ التدريب الطبي اللبناني استفاد تاريخياً من المنهج الفرنسي، سواء على مستوى البرامج الجامعية والتعليمية، أو من خلال استكمال أطباء لبنانيّين اختصاصاتهم في الجامعات والمستشفيات والمعاهد الفرنسية. أخبارلبنان
ويقول، إنّ التعاون تعزّز خلال السنوات الثلاث الأخيرة، عبر تبادل البرامج والخبرات والمحاضرين، ومشاركة أطباء فرنسيّين في المؤتمرات اللبنانية، مقابل مشاركة أطباء لبنانيّين في المؤتمرات العلمية الفرنسية. وأسهم هذا التفاعل في إغناء الطرفَين، وتعزيز حضور لبنان على الخريطة الطبية العالمية، ولا سيما الأوروبية.
السمنة مرض متعدّد التداعيات استكشفالتاريخ
وفي ما يتعلّق بالسمنة، يلفت المر إلى أنّها لم تعُد مسألة مرتبطة بالمظهر الخارجي فحسب، بل أصبحت مشكلة صحية تؤثر في أجهزة الجسم المختلفة، بما فيها القلب والشرايين والمفاصل والعظام، ما يجعل علاجها جزءاً أساسياً من الوقاية من الأمراض المزمنة.
ويؤكّد أنّ النظام الغذائي المتوازن والنشاط البدني يظلان ركيزتَين أساسيتَين للعلاج، لكنّ الالتزام بهما قد يشكّل تحدّياً لدى كثيرين، الأمر الذي زاد أهمية الخيارات الدوائية الحديثة. وفي هذا الإطار، يشير إلى تطوّر العلاجات التي تستهدف المسارات الاستقلابية، وإلى إمكانات بعض الأدوية في تحسين مؤشرات صحية مرتبطة بالقلب والكلى.
ويرى أنّ التقدّم في هذا المجال قد يفتح آفاقاً جديدة لتحسين الصحة الأيضية والحدّ من المضاعفات المرتبطة بالسمنة، مع بقاء اختيار العلاج المناسب مرتبطاً بالتقييم الطبي لكل حالة.
الاستثمار في الطب اللبناني
وفي ختام حديثه، يوجّه المر رسالة إلى الأطباء الشباب والمتمرّنين، داعياً إياهم إلى الاستفادة من فرص التعلّم والتخصّص وإجراء الأبحاث في الخارج، من دون التخلّي عن مسؤوليتهم تجاه وطنهم.
ويشدّد على أنّ الطبيب اللبناني يمتلك الكفاءة التي تتيح له التميّز في الداخل والخارج، وأنّ اكتساب الخبرات العالمية ينبغي أن يترافق مع السعي إلى تطوير المؤسسات الطبية والعلمية في لبنان، بما يحافظ على مستوى الخدمات الصحية ويعزّز قدرات القطاع.
ويختم المر بالتأكيد أنّ الحفاظ على مكانة لبنان الطبية مسؤولية مشتركة، تتطلّب التمسّك بالتفوّق العلمي وتطوير البحث والتدريب، بما يصون الإرث الطبي اللبناني ويتيح للأجيال الجديدة مواصلة مسيرته.