الخليج يوطّن وظائفه ويتسابق على المواهب الأجنبية
Friday, 30-Oct-2026 07:06
دخلت سياسات التوطين في دول مجلس التعاون الخليجي مرحلتها الأصعب، إذ انتقلت من مطالبة أصحاب العمل بتوظيف المواطنين إلى تحديد مهل لرفع نسبة المواطنين في مهن محدّدة، فيما يواصل سباق استقطاب المواهب العالمية جذب خبراء جدد إلى المنطقة. وبين الخبير الذي يغادر والمواطن الذي يتسلّم مكتبه، تقع عملية نقل المعرفة العملية التي لا يرصد أي مؤشر منشور حتى اليوم حجم ما انتقل منها فعلياً إلى المواطن، لذلك تواجه سياسات التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة (Strategic Workforce Planning) والاحتفاظ بالمواهب (Talent Retention) فجوة لا تكشفها إحصاءات التوظيف، وستحوّل الدولة التي تتقن إدارتها التوطين، إلى مرونة دائمة لقواها العاملة (Workforce Resilience).
السعودية: نقل المعرفة إلى الخرّيجينوتكشف المملكة العربية السعودية مدى اقتراب هذه اللحظة، إذ باتت المنشآت التي تضمّ خمسة محاسبين أو أكثر ملزمة، منذ 27 تشرين الأول، بشغل نصف هذه الوظائف بمواطنين سعوديّين، على أن ترتفع النسبة إلى 70% في تشرين الأول 2028، ولا يُحتسب المحاسب السعودي ضمنها إلّا إذا حمل اعتماداً مهنياً سارياً من الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين.ولنتخيّل خرّيجاً شاباً نالَ هذا الاعتماد للتوّ، وجلس إلى جانب المراقب المالي الأجنبي الذي يُنتظر أن يخلفه، في منصب طالما شغله لبنانيون وعرب في المملكة، غير أنّ تحمّل مسؤولياته يتطلّب خبرة عملية لا يستطيع الاعتماد المهني وحده إثبات امتلاكها.لكنّ نقل هذه الخبرة قد يكون أول ما يتعثّر خلال عملية الانتقال، لأنّ المراقب المالي قد يرى في كل درس يقدّمه، خطوة تقرّب موعد الاستغناء عنه، وقد وجد الدكتور روي لي (Roy Lee)، في دراسة أجراها في جامعة مانشستر عام 2018 على شركات في السعودية وقطر، أنّ الموظفين الأجانب الذين يخشون على وظائفهم يحجبون معرفتهم، وهو ردّ يمكن فهمه من أيّ شخص يُطلَب منه أن يدرّب مَن سيأخذ مكتبه. ويشتدّ الضغط عليه حين تدعوه برامج الإقامة الطويلة إلى الاستقرار مع عائلته، فيما تُلزم مهل التوطين أصحاب العمل برفع نسبة المواطنين في مهنته.ومن هنا، إذا غادر المراقب المالي قبل اكتمال نقل المعرفة إلى خَلَفه، سيُقفل الشاب السعودي حساباته السنوية الأولى وحيداً، فيتعلّم أمام المدقّقين ومجلس الإدارة ما كان يمكن أن يتعلّمه بهدوء إلى جانب سلفه، ولن تتوقّف الكلفة عند شركة واحدة، لأنّ المكتب الذي لم تنتقل إليه المعرفة يتحوَّل إلى مشكلة في استمرارية الأعمال (Business Continuity) لدى صاحب العمل، وحين تتكاثر هذه المكاتب في قطاع كامل، تنفتح ثغرة في مرونة القوى العاملة التي تقوم عليها رؤية 2030.الإحصاء والمراقبةوالمفارقة أنّ المنطقة تحصي كل شيء تقريباً بدقة، من البراميل الكامنة تحت رمالها إلى أصول صناديقها السيادية، حتى إنّ الإمارات باتت تستخدم الذكاء الاصطناعي لضبط الشركات التي توظّف مواطنين على الورق فقط، في حين تُترَك المعرفة التي يُفترض أن تعيش أطول من النفط ومن كشوف الرواتب، لتتدبّر أمرها بنفسها.وعليه، تستطيع خطوتان أن تغيّرا هذا الواقع قبل حلول الموعد التالي في تشرين الأول 2027، من دون الحاجة إلى إنشاء أي مؤسسة جديدة. تقوم الأولى على قياس انتقال الخبرة، مهنةً بعد مهنة، متجاوزةً عدد الوظائف التي شملها التوطين. وينبغي أن تتمكّن الوزارة المعنية من التحقّق ما إذا كان المواطن الذي تسلّم الوظيفة قادراً على أداء مهامها الأساسية بصورة مستقلة بعد مغادرة الخبير الأجنبي. ويتطلّب ذلك معايير تقييم متّفقاً عليها، وبيانات يقدّمها أصحاب العمل من دون كشف الهويات، على أن تُنشر النتائج بصورة إجمالية.أمّا الثانية، فتربط نقل المعرفة المثبت بسياسات الإقامة وتنقّل القوى العاملة. فعندما يُعدّ الخبير الأجنبي خلفاً وطنياً قادراً على تولّي مسؤولياته، يمكن أن يصبح مؤهّلاً، وفقاً للأنظمة الوطنية، لإقامة أطول أو للانتقال إلى وظيفة أخرى تتوافر فيها شروط عمله. وبذلك يتحوَّل نجاحه في نقل خبرته إلى حافز لإتمام هذه المهمّة، بعدما كان يراه تهديداً مباشراً لمستقبله المهني. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى الخبراء اللبنانيّين والعرب الذين ساهموا طوال سنوات في بناء المؤسسات الخليجية، إذ يمنح خبرتهم قيمة تتجاوز مدة شغلهم للوظيفة، فيخدم التوطين والاحتفاظ بالمواهب عندها هدفاً واحداً.توافق البيانات ونظام التوطينفي هذا السياق، لا تستطيع الوزارات بناء هذا الإطار اعتماداً على بياناتها التنظيمية وحدها، لأنّ الأدلة على انتقال مسؤوليات الوظيفة فعلياً إلى الخلف توجد في معظمها لدى أصحاب العمل، فيما لا يملك أصحاب العمل بدورهم أن يقرّروا ما ينبغي أن تفرضه سياسات التوطين. لذلك يقع هذا العمل حيث تلتقي سياسات الحكومات بواقع أصحاب العمل، ويبدأ بتقييم الوضع القائم لعملية التسليم في كل مهنة، تضعه المقارنات المرجعية الدولية في مواجهة الممارسات في أسواق عمل أخرى، قبل أن يحوّل تحليل التشريعات والسياسات العامة والتشاور مع أصحاب المصلحة نتائجه إلى قواعد يلتزم بها أصحاب العمل.وعندها تمتلك الوزارة الأدلة التي تفتقر إليها اليوم، شرط أن تتابع إدارتها للمعرفة كل تغيير تنظيمي لحظة صدوره، وأن تختبر عمليات التدقيق عملية التسليم بالصرامة التي تطبّقها على الامتثال، فتقع عندها على عاتق حكومات مجلس التعاون الخليجي مسؤولية إيجاد الأدوات القادرة على قياس ما لا تكشفه إحصاءات التوظيف، في مجالات الهجرة وتنقّل العمالة وتوطين الوظائف، قبل حلول الموعد التالي.وإلى أن تتوافر هذه الأدوات، ستُقاس المرحلة الأصعب من التوطين بالرقم الخطأ، لأنّ المهلة التي تُستوفى على الورق لا تقول شيئاً عن عملية نقل المعرفة بين الخبير الذي يغادر والمواطن الذي يتسلّم مكتبه، وسيوقّع المحاسب الشاب الحسابات السنوية في تشرين الأول 2028 في الحالتَين، فيكشف توقيعه، خلفاً حقيقياً للمراقب المالي كان أم مجرّد بديل عنه، ما إذا كانت حكومته قد حوّلت التوطين إلى مرونة دائمة لقواها العاملة، وحسمت بذلك معادلتها.