الجمهورية | الأدب ليس ترفاً… بل فرصة للوعي والعمل والمستقبل

من المؤسف أن نسمع أحياناً، حتى في الأوساط الأكاديمية، مَن يتحدَّث عن كليات الآداب والعلوم الإنسانية وكأنّها اختصاصات فقدت جدواها، ولم تعُد قادرة على تأمين مستقبل مهني لخرّيجيها. لا شك في أنّ سوق العمل تغيَّر، وأنّ التحوُّلات التكنولوجية فرضت تحدّيات جديدة على التعليم الجامعي، لكن هل يعني ذلك أنّ الأدب والعلوم الإنسانية لم يعودا قادرَين على إنتاج فرص العمل؟

لست هنا في وارد الدفاع عن الأدب؛ فهو لا يحتاج إلى مَن يدافع عنه. إنّ تاريخ الأدباء ومواقفهم الفكرية والإنسانية، وإسهاماتهم في تشكيل الوعي، ودورهم في الحركات التحرُّرية والدفاع عن الحرية، شواهد تتحدّث عن نفسها. لكن ما يستحق النقاش هو النظرة التي تختزل هذه الاختصاصات في التعليم، وكأنّها عاجزة عن مواكبة الحياة ومتطلّباتها.

مهارات خرّيجي الآداب ومساراتها

يكتسب خرّيجو الآداب مجموعة من مهارات تحتاج إليها قطاعات متعدّدة: التحليل النقدي، تقنيات التعبير، الكتابة، صياغة الخطاب والتواصل. وهذه مهارات تزداد الحاجة إليها في عالم تتدفّق فيه المعلومات والنصوص والصور بطريقة غير مسبوقة.

لعلّ التجارب اللبنانية تقدّم نماذج على تعدُّد المسارات التي يمكن أن تقود إليها الدراسات الإنسانية؛ فجبور الدويهي جَمَع بين تدريس الأدب الفرنسي والإبداع الروائي، فيما انتقل غسان تويني من دراسة الفلسفة إلى الصحافة والديبلوماسية والعمل العام، وأصبح إلياس خوري من أبرز الروائيّين العرب.

العلوم الإنسانية إلى أين تصل؟

ولا تقتصر آفاق العلوم الإنسانية على الأدب واللغات. ففي التاريخ، تشهد تجربة الدكتور عصام خليفة على أهمية البحث والتوثيق في قضايا الحدود والحقوق المائية والذاكرة الوطنية. وفي الجغرافيا، تفتح نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار من بُعد والجغرافيا الرقمية، مجالات واسعة في التخطيط العمراني والبيئة وإدارة الموارد. أمّا الآثار، فتتجاوز التنقيب إلى الترميم والمتاحف والأرشفة وحماية التراث والسياحة الثقافية، وهي مجالات تتيح فرصاً لمشاريع وشراكات مع المؤسسات المحلية والدولية. أخبارلبنان المحلية

التحدّيات التكنولوجية

وفي زمن الذكاء الاصطناعي، تبرز أمام هذه الاختصاصات فرص جديدة، من الإنسانيات الرقمية واللسانيات الحاسوبية والتوثيق الرقمي إلى تحليل الخطاب وإدارة المحتوى... وقد أصبحت هذه المجالات جزءاً من التطوُّر الأكاديمي في جامعات كثيرة حول العالم.

من هنا، إنّ مسؤوليتنا الأكاديمية والادارية تقتضي ألّا نرصد أعداد الطلاب ونشيع فكرة تراجع هذه الاختصاصات، بل أن نعمل على تحديث المناهج، وتوسيع آفاقها المهنية، وتعزيز التدريب العملي، وربط الكلية بمشاريع البحث ومهارات العصر.

دور الجامعة اللبنانية

وهنا يبرز دور الجامعة الوطنية، التي لا تقتصر رسالتها على تلبية حاجات سوق العمل الآنية، بل هي أيضاً مؤسسة تصنع المعرفة وتستشرف المستقبل وتحافظ على الهوية الثقافية. وهذا ما جسّدته الجامعة اللبنانية عبر تاريخها، إذ خرَّجت أساتذة وشعراء ومفكّرين، تركوا بصماتهم في لبنان والعالم العربي، وتجاوز حضور بعضهم الحدود إلى فضاءات الثقافة العالمية...

أخيراً، الأدب ليس نقيض العمل، والعلوم الإنسانية ليست نقيض التكنولوجيا؛ بل إنّ التكامل بينهما هو ما يصنع مجتمعاً أكثر وعياً وقدرة على الابتكار.