الجمهورية | أوروبا تريد ذكاءً اصطناعياً أكبر… لكن أين الحوسبة؟

لم تعُد المنافسة في الذكاء الاصطناعي تدور حول جودة النماذج وحدها؛ فالمعادلة تبدأ أيضاً من الرقائق ومراكز البيانات والطاقة والشبكات التي تشغّلها. وفي مؤتمر GTC في برلين، دعا رئيس Nvidia جنسن هوانغ، أوروبا، إلى تسريع بناء بنيتها التحتية، عارضاً نظاماً معيارياً لمراكز البيانات، يقول إنّه قد يخفّض زمن تجهيز الموقع من أشهر إلى أيام.

ويكشف النقاش مشكلة استراتيجية للقارة: لديها شركات صناعية وباحثون ومستخدمون محتملون، لكنها لا تمتلك سوى حصة محدودة من القدرة الحاسوبية العالمية اللازمة لتدريب وتشغيل النماذج المتقدّمة. ويعني ذلك أنّ الطموح التنظيمي أو البحثي وحده لا يكفي إذا بقيت القدرة على تشغيل النماذج مركّزة في مناطق أخرى.

فجوة الحوسبة

بحسب تقرير لوكالة «أسوشيتد برس» في 22 تشرين الأول، تملك أوروبا نحو 5% من القدرة الحاسوبية العالمية المخصَّصة للذكاء الاصطناعي، مقابل نحو 75% للولايات المتحدة. وتُستخدم هذه الأرقام لتوضيح اختلال كبير في البنية التحتية، لا لقياس جودة البحث أو جميع أشكال الحوسبة. فالشركات الناشئة تحتاج إلى الوصول إلى معالجات متقدّمة، وذاكرة عالية الأداء، واتصالات سريعة، ومراكز قادرة على تبريد الأجهزة وتشغيلها باستقرار. وعندما تكون هذه الموارد نادرة أو مرتفعة الكلفة، يصبح تطوير النماذج محلياً أصعب، وقد تضطر الشركات إلى الاعتماد على منصات خارجية وشروط تجارية لا تتحكّم بها بالكامل.

مركز بيانات يصل في حاوية

عرضت Nvidia نظام Vera Rubin DSK Pod بوصفه بنية معيارية جاهزة تُصنع بمشاركة شركاء وتُنقل إلى موقع مُعدّ مسبقاً في وحدة تشبه الحاوية. وأوضح هوانغ، أنّ هذا الأسلوب قد يقلّص مدة تجهيز مركز بيانات للذكاء الاصطناعي من أشهر إلى أيام. ولا يعني ذلك أنّ بناء أي مركز جديد أصبح فورياً؛ فالموقع يحتاج إلى طاقة كهربائية كافية، وتبريد، واتصالات، وتراخيص، وربط بالشبكة. لكنّ تحويل أجزاء من البنية إلى وحدات معيارية قد يساعد في تقليل زمن التركيب وتوحيد التصميم، خصوصاً لدى المؤسسات التي تريد توسيع قدرتها تدريجياً.

من النماذج إلى الذكاء الاصطناعي المادي

تراهن Nvidia على انتقال الاستخدام من أنظمة تجيب عن الأسئلة إلى ما تسمّيه «الذكاء الاصطناعي المادي»، أي أنظمة تتفاعل مع المصانع والآلات والسيارات والروبوتات. وأشار هوانغ إلى شركاء أوروبيّين من بينهم Siemens وMercedes-Benz وAudi، وأعلنت الشركة أنّها استثمرت 10 مليارات دولار في الشركات الناشئة والشركاء الأوروبيّين خلال العام الماضي.

وإذا انتشرت هذه الأدوات في الصناعة، فقد تساعد في تحسين الصيانة والتصميم والتخطيط، لكنها ستزيد أيضاً الطلب على المعالجة والبيانات والاتصال الموثوق. ويتطلّب تشغيل الروبوتات والأنظمة الصناعية اختبارات سلامة وموثوقية، مختلفة عن تلك المطلوبة في تطبيقات المحادثة.

السيادة الرقمية ليست شعاراً

تعيد هذه الحاجة فتح سؤال الاعتماد على مزوّدي التكنولوجيا الأميركيّين. ففي تقرير لـ«رويترز» بتاريخ 22 تشرين الأول، سعت Palantir إلى طمأنة الأوروبيّين بأنّ نظامها العسكري Maven لا يحتوي على مفتاح تعطيل من بُعد، وسط مخاوف أوسع من إمكان تأثر الخدمات التقنية بالتوترات السياسية.

وأعلنت الشركة، أنّ العملاء يحتفظون بالسيطرة التشغيلية على البرامج التي يشترونها، فيما لم تعتمد ألمانيا وفرنسا النظام لقواتهما المسلّحة، بسبب مخاوف تتصل بالاعتماد على شركة أميركية. وتوضح القضية، أنّ السيادة الرقمية لا تعني تصنيع كل شيء محلياً، بل معرفة مَن يتحكّم بالبيانات والتحديثات والتشغيل عند الأزمات، وما البدائل المتاحة إذا تغيَّرت شروط التوريد.

العقبة ليست شراء الرقائق فقط

تحتاج أوروبا إلى مزيج من الاستثمارات العامة والخاصة، وشبكات كهرباء قادرة على تلبية الطلب، وتدريب للمهندسين، وقواعد واضحة لاستخدام البيانات، ومنافسة تمنع احتكار الموارد. كما أنّ زيادة القدرة الحاسوبية قد تصطدم بكلفة الطاقة وبالأثر البيئي للمراكز الجديدة.

وسيكون التحدّي هو بناء بنية متاحة للشركات والجامعات، لا مجرّد منشآت ضخمة تخدم عدداً قليلاً من المؤسسات. فالمقياس الحقيقي لاستقلال أوروبا في الذكاء الاصطناعي ليس عدد الخوادم التي تملكها فحسب، بل قدرتها على تطوير حلولها وتشغيلها وتدقيقها من دون الارتهان الكامل لطرف واحد.