الجدة السعودية: الملكة التي لا تحتاج إلى تاج

* بسام الجيالباحث في العلاقات الثقافية والدراسات الاستشراقيةتستند هذه القراءة إلى تجربة الكاتبة الفنلندية إيلا روسكانن، التي عاشت سنوات طويلة في المملكة العربية السعودية برفقة زوجها ماتي روسكانن، ووثقت ملاحظاتها في كتاب «قصة رجل التصدير» (Vientimiehen Tarina). وتميزت تجربتها بأنها لم تنطلق من موقع السائح أو الصحفي العابر، بل من معايشة يومية طويلة داخل البيوت والمجالس والعلاقات الاجتماعية، وهو ما منحها فرصة نادرة لاكتشاف جوانب من المجتمع السعودي لا تظهر في التقارير الإعلامية ولا في الصور النمطية المتداولة في الغرب.**media[1270608]**في كثير من البيوت السعودية توجد ملكة لا تحمل تاجاً، ولا تجلس على عرش، ولا تملك منصباً رسمياً، ولا تظهر في وسائل الإعلام، ومع ذلك يكفي أن تدخل المجلس حتى يهدأ الحديث، وتتجه الأنظار إليها، ويعيد الجميع ترتيب كلماتهم وجلستهم. وهي لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها، ولا حتى إلى أن تتكلم؛ فربما تكفي نظرة من عينيها، أو ابتسامة هادئة، أو إيماءة صغيرة، ليفهم الأبناء والأحفاد ما تريد. هذه ليست صورة أدبية ولا مبالغة في الوصف، بل مشهد يتكرر في كثير من البيوت السعودية، ويكشف عن شكل من أشكال السلطة الاجتماعية التي لا تُمارس بالقانون ولا بالمنصب، بل بالهيبة والاحترام والذاكرة المشتركة.**media[1270607]**من منظور أنثروبولوجي أوسع، يمكن قراءة هذا الدور بوصفه أحد أكثر أشكال السلطة الاجتماعية هدوءاً وتأثيراً. فالسلطة هنا لا تتموضع في المؤسسات الرسمية، ولا تتجسد بالضرورة في المواقع الأكثر حضوراً داخل المجال العام، بل تتوزع داخل شبكة العلاقات العائلية التي تمنح المجتمع توازنه واستمراريته. وفي قلب هذه الشبكة تحتل الجدة موقعاً محورياً، ليس لأنها الأكبر سناً فقط، بل لأنها تمثل ذاكرة العائلة، وحافظة تاريخها، وصاحبة الخبرة التي راكمتها عبر عقود من التربية والمسؤولية وإدارة العلاقات الإنسانية.واللافت أن هذه المكانة لا تولد فجأة عندما تصبح المرأة جدة، بل هي نتيجة مسار اجتماعي وثقافي طويل يبدأ منذ سنواتها الأولى. فالفتاة، ثم الزوجة، ثم الأم، يتحركن جميعاً داخل بنية اجتماعية تعرف مسبقاً أن التقدم في العمر لا يعني التراجع في القيمة، بل الانتقال إلى درجة أعلى من الاعتراف والهيبة. الحكمة، والقدرة على جمع الأسرة، وإصلاح ذات البين، وإدارة العلاقات، ليست صفات تُمنح في لحظة معينة، وإنما تتشكل بالتراكم وتترسخ بالتجربة. ولهذا فإن الاحترام الذي تحظى به النساء الأكبر سناً لا يقتصر على داخل البيت، بل يمتد إلى المجالس والعلاقات بين العائلات وإلى أسلوب المخاطبة والتعامل، ليصبح العمر نفسه مصدراً للمكانة والسلطة الرمزية.ولا تقتصر أهمية هذا الموقع على البعد العاطفي أو الأسري، بل تمتد إلى كونه جزءًا من آلية المجتمع في إنتاج الاستقرار عبر الأجيال. ففي المجتمعات التي تقوم على الأسرة الممتدة، لا تنتقل الخبرات من خلال المؤسسات التعليمية وحدها، وإنما تتشكل أيضًا داخل الحياة اليومية، من خلال الحكايات، والعادات، وأساليب حل الخلافات، وقواعد الضيافة، وآداب التعامل، والذاكرة الجماعية التي تحملها الأجيال الأكبر سنًا. وهنا تؤدي الجدة دورًا يتجاوز حدود الأسرة الصغيرة، إذ تصبح حلقة وصل بين الماضي والحاضر، ووسيطًا ثقافيًا ينقل القيم من جيل إلى آخر، ويحافظ على استمرارية الهوية العائلية في مواجهة التحولات الاجتماعية المتسارعة. وربما لهذا السبب لا يُنظر إلى تقدمها في العمر بوصفه تراجعًا في دورها، بل باعتباره ازديادًا في رصيدها الرمزي، لأن السنوات لم تضف إلى عمرها فقط، بل أضافت إلى مكانتها الاجتماعية، وإلى الثقة التي يضعها أفراد الأسرة في حكمتها وخبرتها وقدرتها على جمع الكلمة عند الحاجة.ولعل أكثر ما يؤكد هذه الفكرة أن المعايشة الطويلة تكشف من المجتمع ما تعجز عن رؤيته النظرة العابرة. فقد لاحظت إيلا روسكانن، خلال سنوات إقامتها في المملكة ومشاركتها في المجالس النسائية والزيارات العائلية، أن حضور الجدة لا يغير الأشخاص بقدر ما يغير إيقاع المكان نفسه. فلا أحد يطلب الصمت، ولا أحد يعلن بداية حديث جديد، ومع ذلك يهدأ المجلس، وتتجه الأنظار إليها، ويظهر الاحترام في الكلمات، وفي طريقة الجلوس، وفي لغة الجسد، وفي ذلك الإصغاء الجماعي الذي يمنح حضورها معناه الاجتماعي. وهذه السلطة الصامتة، التي لا تستند إلى منصب ولا إلى قوة ظاهرة، تكشف أن أكثر أشكال النفوذ رسوخاً قد تكون تلك التي تُبنى عبر سنوات طويلة من المحبة والثقة والخبرة والاحترام المتبادل.وتكشف هذه اللحظات أن السلطة لا تتجلى دائماً في صورة القرار العلني أو الموقع الرسمي، بل قد تتمثل في القدرة على إعادة توجيه إيقاع العائلة والمجلس من دون صدام، وفي حمل الآخرين على الإصغاء من غير حاجة إلى فرض مباشر أو إظهار للقوة. وهذا يبين أن العائلة السعودية لا تقوم فقط على التسلسل الأبوي التقليدي كما قد يبدو من الخارج، بل تحتوي داخلها على توزيع أكثر تعقيداً للنفوذ والهيبة والمكانة، تتداخل فيه الخبرة والعمر والاحترام الاجتماعي لتشكل أحد أهم عناصر التوازن والاستقرار داخل الأسرة الممتدة.ومن وجهة نظري، يمثل هذا الجانب أحد أكثر الجوانب غياباً عن كثير من القراءات الغربية للمجتمع السعودي. فبعض التحليلات تختزل مفهوم السلطة في الدولة أو السوق أو الرجل داخل المجال العام، وتتجاهل شبكة التأثير الاجتماعية التي تعمل داخل العائلة نفسها. والحقيقة أن المجتمع السعودي أكثر ثراء وتعقيداً من هذه الصورة المبسطة، لأن مراكز التأثير لا تقتصر على المؤسسات الرسمية أو المواقع الظاهرة، بل تمتد إلى داخل البيوت حيث تتشكل أنماط من السلطة الرمزية والقيادة الاجتماعية لا تحمل ألقاباً رسمية ولا تحظى بحضور إعلامي، لكنها تساهم في صناعة القرار، واحتواء الخلافات، وحفظ التوازن، وإعادة ترتيب العلاقات عند الأزمات.ولا يعني ذلك أن المجتمع السعودي مجتمع مثالي أو خالي من التحديات، كما لا يعني أن جميع العائلات تعيش الصورة نفسها، لكن من الخطأ اختزاله في قراءة تبحث عن السلطة في المجال العام وحده، ثم تغفل البنية العائلية التي تمثل أحد أهم مصادر التماسك والاستمرارية. فالجدة ليست مجرد امرأة كبيرة في السن تستحق الاحترام، بل مؤسسة اجتماعية مصغرة تحمل ذاكرة العائلة، وتنقل خبراتها وقيمها، وتحافظ على توازنها، وتعيد بناء وحدتها كلما تعرضت للاهتزاز، لتبقى مرجعاً أخلاقياً واجتماعياً يلجأ إليه الجميع في اللحظات المفصلية.وربما تكمن الفكرة الأعمق في أن المجتمع السعودي لا ينتظر المرأة حتى تصبح جدة ليمنحها مكانتها، بل يبني هذه المكانة معها منذ طفولتها. فالفتاة تُربى لتكون أميرة في بيت أهلها، والزوجة تُعامل بوصفها شريكة في بناء الأسرة، والأم تُحاط بالبر والاحترام، والجدة تتوج ملكة على عرش العائلة. إنها رحلة اجتماعية متدرجة، لا يرتبط فيها التقدم في العمر بفقدان القيمة، بل باكتساب مزيد من الهيبة والاعتراف والسلطة الرمزية.ولعل هذه هي إحدى أكثر المفارقات إثارة للتأمل. ففي الوقت الذي أصبحت فيه دور رعاية المسنين جزءاً من الحياة اليومية في كثير من المجتمعات الحديثة، لا تزال الجدة السعودية تحتفظ بمكانها في قلب البيت، يلتف حولها الأبناء والأحفاد، ويُنظر إليها بوصفها ذاكرة العائلة وضميرها وحكمتها المتراكمة. فهي لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها، بل قد تكفي نظرة من عينيها ليفهم الجميع ما تريد، لأن السلطة الحقيقية لا تُفرض دائماً بالكلمات، وإنما تُكتسب عبر سنوات طويلة من الحب والعطاء والاحترام.ولعل شهادة إيلا روسكانن تذكرنا بأن كثيرًا من المجتمعات لا تُفهم من خلال مؤسساتها الرسمية وحدها، بل من خلال تفاصيل الحياة اليومية التي لا يراها إلا من عاشها. ولذلك تظل شهادات المقيمين الأجانب الذين اندمجوا طويلًا في المجتمع السعودي مصدرًا معرفيًا مهمًا، لأنها تكشف ما قد لا ترصده الدراسات الأكاديمية أو التقارير الإعلامية، وتضيء الجوانب الإنسانية والثقافية التي تشكل البنية العميقة للمجتمع.وربما لهذا السبب، فإن من يريد أن يفهم المملكة العربية السعودية لا يكفيه أن يقرأ أنظمتها أو يراقب مؤسساتها أو يتابع أخبارها، بل عليه أن يدخل بيتاً سعودياً في يوم تجتمع فيه العائلة، وأن يراقب ما يحدث عندما تدخل الجدة إلى المجلس. عندها سيدرك أن هناك ملكة لا تحتاج إلى تاج، ولا إلى منصب، ولا إلى خطاب رسمي، لأن عرشها الحقيقي هو قلوب أبنائها وأحفادها، ولأن أعظم أشكال السلطة هي تلك التي تجعل الجميع يصغي قبل أن تُقال الكلمات.