الجانب المضيء

منذ إقرار نظام زيادة عدد اللاعبين الأجانب في دورينا، تعاملنا مع هذا القرار في بدايته من زاويته السلبية؛ فقلنا إنه سيؤثر في فرصة اللاعب السعودي، وإن تأثيره سيمتد إلى المنتخب الوطني. ولكن مع مرور السنوات، بدأنا نرى جانباً مضيئاً في هذا القرار، يتمثل في بروز عدد من اللاعبين المحليين الذين أصبحوا ينافسون نظراءهم الأجانب، مهما بلغ حجم نجوميتهم. فالموهبة وحدها لا تكفي، بل لا بد أن تقترن بالشجاعة في استغلال الفرصة وإظهار الإمكانيات، وكذلك بحسن اتخاذ القرار عندما يجد اللاعب أن ناديه لا يمنحه المساحة الكافية، ويفضل عليه اللاعب الأجنبي. وهنا تظهر شخصية اللاعب الحقيقية في اختيار الطريق المناسب، والبحث عن المكان الذي يستطيع من خلاله أن يجد نفسه لاعباً أساسياً، ويثبت قدراته داخل الملعب. ولو تأملنا في أحد أبرز اللاعبين الذين برزوا خلال المواسم الثلاثة الماضية، سنجد مصعب الجوير، الذي لفت الأنظار منذ بدايته مع الهلال، ثم خاض تجربة غنية من الناحية الفنية مع نادي الشباب، قبل أن يصل الآن إلى مرحلة من النضوج والخبرة مع نادي القادسية. مصعب الجوير نموذج للاعب الذي لم يقبل بأن يكون مجرد لاعب دكة، أو أن يعيش في ظل فرص محدودة، فاختار الطريق الذي يضمن له المشاركة والتطور وإثبات نفسه، حتى أصبح اليوم واحداً من أكثر اللاعبين المحليين متعة وتأثيراً في دوري روشن السعودي. وما حدث مع الجوير يمثل فكرة أيقظت مواهب سعودية أخرى بطريقة غير مباشرة؛ فالمشكلة ليست دائماً في غياب الموهبة، وإنما في بعض اللاعبين الذين يقبلون بالبقاء على مقاعد البدلاء، رغم امتلاكهم القدرة على المنافسة وإثبات الذات. ومن هذه النماذج أيضاً اللاعب همام الهمامي، الذي اتخذ قراراً بمغادرة ناديه الذي ترعرع فيه، الاتحاد، والانتقال إلى الشباب، وهناك قدم مستويات مميزة جعلت كثيراً من الاتحاديين يتحسرون على رحيله والتفريط فيه. وبعيداً عن العاطفة، تعجبني شخصية اللاعب الصاعد الذي يبحث عن فرصته، ويرغب في أن يكون ضمن التشكيلة الأساسية، حتى في ظل المنافسة الكبيرة مع اللاعبين المحترفين. وهناك أيضاً نادٍ يمكن اعتباره نموذجاً مختلفاً في التعامل مع المواهب المحلية، وهو نادي الخلود بالرس، الذي اتجه إلى رسم استراتيجية تعتمد على منح اللاعبين المحليين الصاعدين فرصة حقيقية لإثبات أنفسهم، وتوفير مساحة كافية لهم من أجل المشاركة والتطور. وشاهدنا في الموسم الماضي الأداء اللافت الذي قدمه فهد العليوة، وهو مثال على أن اللاعب السعودي عندما يجد الثقة والفرصة يستطيع أن يقدم مستويات مميزة. وهذا الموسم تكرر الأمر مع الحارس الموهوب حامد الشنقيطي، الذي انتقل إلى الخلود بنظام الإعارة من الاتحاد، وحصل على فرصة المشاركة أساسياً، ومع استمرار الثقة به، بدأ يتألق ويتطور من مباراة إلى أخرى. ختاماً، المواهب السعودية موجودة ولم تنضب يوماً، ولكن الفرق يكمن في طريقة تعامل اللاعب معها. هناك من يركن إلى الراحة، ويستسلم لمقاعد البدلاء، وهناك من يختار مستقبله، ويتحرك بحثاً عن الفرصة التي تمنحه فرصة المشاركة وإثبات قدراته. كما أن الأندية تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية؛ فحين تمنح اللاعب المحلي الثقة والفرصة والصبر، فإنها لا تصنع لاعباً يخدم ناديها فحسب، بل تسهم في صناعة جيل جديد يخدم الكرة السعودية والمنتخب الوطني. وأعتقد أن استمرار هذا النهج، مع منح المواهب السعودية فرصاً حقيقية، سيجعلنا نشاهد المزيد من اللاعبين المحليين البارزين في دوري روشن، وربما يكون الجانب المضيء في زيادة عدد المحترفين الأجانب هو أنها دفعت بعض المواهب السعودية إلى البحث عن مكانها الحقيقي، بدل الاكتفاء بالجلوس على مقاعد البدلاء. حسين البراهيم- الدمام