الجامعة والسوق: كيف نُسخّر المعرفة للاقتصاد دون أن نُحوّل الجامعة إلى شركة؟ – د. خالد بن محمد  الصغير

لم تعد الجامعة، في ظل الاقتصاد المعاصر، جزيرةً منعزلة عن محيطها؛ فالمعرفة لم تعد مجرد نشاط أكاديمي يُنتَج داخل المختبرات وقاعات الدرس، ثم يُدوَّن في الكتب والدوريات العلمية، بل غدت موردًا من أهم موارد الاقتصادات الحديثة، ومصدرًا للابتكار والإنتاجية والقدرة التنافسية. غير أن هذا التحول يضع الجامعة أمام سؤال جوهري: كيف يمكنها أن تستجيب لاحتياجات السوق وتسهم في التنمية الاقتصادية، من دون أن تتحول إلى مؤسسة ربحية؟

يبدو السؤال بسيطًا، لكنه ينطوي على معضلة أعمق مما يبدو. فالدعوة إلى ربط التعليم العالي بالاقتصاد وسوق العمل باتت تحتل موضعًا محوريًا في سياسات التعليم والبحث واستراتيجيات الابتكار. في المقابل، فإن السماح للسوق بأن يحدد وحده ما تدرّسه الجامعة وما تبحث فيه قد يفضي إلى نتيجة لا تقل سوءًا: جامعة تلاحق الطلب الحالي بدلًا من أن تبني معرفة المستقبل.

عندما نتحدث عن «الاقتصاد المعرفي»، فإن المقصود ليس أن تتحول الجامعة إلى شركة، ولا أن يتحول عضو هيئة التدريس إلى رجل أعمال، ولا أن يصبح البحث العلمي سلعةً تُقاس قيمتها بقابليتها للبيع. المقصود أن تصبح المعرفة أكثر قدرة على الانتقال من فضائها الأكاديمي إلى مجالات الاقتصاد والمجتمع: فالبحث العلمي يمكن أن يتحول إلى تقنية، والخبرة الأكاديمية يمكن أن تسهم في حل مشكلة صناعية؛ والمقرر الدراسي يمكن أن يطوّر مهارة يحتاج إليها الاقتصاد، والابتكار يمكن أن يتحول إلى مشروع؛ والبيانات العلمية يمكن أن تساعد في اتخاذ قرار أكثر كفاءة.

وهنا تتشكل الدورة التي تحتاجها الجامعة المعاصرة: إنتاج المعرفة، ثم نقلها وتطبيقها، وأخيرًا قياس أثرها. وتشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) في تقرير صادر عنها عام 2019 حول التعاون بين الجامعات والصناعة إلى أن نقل المعرفة بين الجامعات والقطاع الصناعي لا يحدث عبر قناة واحدة، بل عبر البحث التعاوني، وبراءات الاختراع، والشركات المنبثقة عن الجامعات، وغيرها من الآليات التي تسهم في تدفق المعرفة. لذلك فإن المشكلة ليست في أن تتفاعل الجامعة مع السوق، وإنما في اختزال هذا التفاعل في مفهوم تجاري ضيق.

المشكلة تنشأ عندما يصبح السوق وحده من يحدد قيمة المعرفة. نعم من حق المجتمع أن يسأل الجامعة: ماذا قدمت؟ وكيف أسهمت معرفتها في التنمية؟ وهل تخرِّج طلابًا يمتلكون المهارات التي يحتاجها الاقتصاد؟ لكن من الخطأ أن ننتقل من هذا السؤال المشروع إلى سؤال آخر أكثر خطورة: كم ربحت الجامعة من معرفتها؟

فالجامعة ليست شركة استشارية، والبحث العلمي ليس خط إنتاج، وقيمة المعرفة لا تُقاس دائمًا بعائد مالي مباشر. فهناك بحثٌ لا يحقق عائدًا تجاريًا اليوم، لكنه يؤسس بعد سنوات لمجال علمي أو تقني جديد. وهناك علوم إنسانية واجتماعية لا تفضي إلى براءات اختراع، لكنها تسهم في فهم المجتمع، ورسم السياسات، وتطوير المؤسسات. ولهذا فإن ربط الجامعة بالاقتصاد يجب ألا يعني إخضاع المعرفة لمنطق الربح قصير المدى.

ومن هنا تظهر مسألة أخرى لا تقل أهمية: هناك فرق بين أن تسأل الجامعة «ماذا يريد سوق العمل اليوم؟»، وأن تسأل «ما المعارف والمهارات التي سيحتاجها الاقتصاد غدًا؟». السؤال الأول ضروري، لكنه لا يكفي. فالجامعة التي تستجيب فقط للطلب الحالي تُخرِّج طلابًا مناسبين لسوق الأمس، بينما الاقتصاد يتحرك بسرعة أكبر من قدرة المناهج على المواكبة.

أما الجامعة الأكثر طموحًا، فهي لا تكتفي بقراءة السوق، بل تسهم في تشكيله. إنها لا تنتظر ظهور الوظائف الجديدة حتى تبدأ بتعليم المهارات التي تتطلبها، وإنما تستبق التحولات العلمية والتقنية والاقتصادية، وتُهيِّئ الإنسان والبحث العلمي والمؤسسة للتعامل معها. وهنا تصبح الجامعة شريكًا في صناعة الاقتصاد المعرفي، لا مجرد مصدر للموظفين في سوق العمل.

وهذه النقلة مهمة؛ فالجامعة ينبغي أن تستمع إلى الصناعة، لكن لا ينبغي أن تتخلى عن قدرتها على التفكير فيما يتجاوز أولويات الصناعة. وينبغي أن تتعاون مع القطاع الخاص، لكن دون أن يصبح برنامجها البحثي انعكاسًا كاملًا لأولويات الشركات. وينبغي أن تدعم الابتكار وريادة الأعمال، لكن دون أن تجعل كل عضو هيئة تدريس مطالبًا بإنشاء شركة ناشئة.

وبعبارة أخرى، لا نحتاج إلى جامعة تجارية، وإنما إلى جامعة ذات قيمة اقتصادية. والفرق بينهما كبير. فالجامعة التجارية تسأل: كيف تحقق الأرباح؟ أما الجامعة ذات القيمة الاقتصادية فتسأل: كيف يمكن للمعرفة التي ننتجها أن ترفع الإنتاجية، وتحل المشكلات، وتولّد الابتكار، وتطور رأس المال البشري، وتفتح فرصًا اقتصادية جديدة؟

ومن الأخطاء الشائعة في الحديث عن الجامعة الريادية في الاقتصاد المعرفي افتراضُ أن الحل يبدأ بتحويل الأستاذ الجامعي إلى رائد أعمال. فليس كل أكاديمي مطالبًا بتأسيس شركة، أو تسجيل براءة اختراع، أو تقديم استشارات تجارية. فمساهمة الأستاذ الاقتصادية قد تتمثل في طالب أصبح مهندسًا أو طبيبًا أو باحثًا أو قائدًا إداريًا، أو في بحث أسهم في تطوير سياسة عامة، أو في مشروع بحثي مشترك مع الصناعة، أو في تقنية جرى تطويرها، أو في تدريب متخصص قدّمه، أو في معرفة جديدة أسهم في بنائها.

فبدل أن نسأل الأكاديمي فقط: كم نشرت؟ أو كم حققت من عائدات؟ يمكن أن نسأل أيضًا: ما المشكلة التي ساهمت معرفتك في حلها؟ وما القيمة التي أضافها بحثك إلى المجتمع أو الاقتصاد أو الحقل العلمي؟ وهذا لا يعني التخلي عن الإنتاج العلمي، بل إضافة طبقة أخرى من التقييم تتعلق بالأثر العلمي والاقتصادي والاجتماعي.

وفي السياق السعودي، لم يعد الحديث عن العلاقة بين الجامعة والاقتصاد فكرة نظرية بعيدة. فالتوجه الرسمي يعدّ البحث والابتكار والشراكة مع القطاع الخاص من عناصر دعم التنمية الاقتصادية وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030. كما تؤكد وزارة التعليم دعمَ البحث والابتكار وربط الجامعات بالقطاعين الصناعي والخاص. وأصبحت الشراكات بين الجامعات والقطاع الصناعي أكثر حضورًا في المشهد الجامعي السعودي، مع وجود مراكز ومبادرات مخصصة لربط الباحثين بالقطاع الصناعي ونقل المعرفة والتقنية.

لكن نجاح هذا التحول لن يُقاس بعدد الاتفاقيات التي وقعتها الجامعات، ولا بعدد المؤتمرات التي جمعت الأكاديميين برجال الأعمال. السؤال الحقيقي: ماذا أفرزت هذه العلاقة؟ هل تغيرت البرامج الأكاديمية؟ وهل أصبحت المهارات التي يمتلكها الخريجون أكثر ارتباطًا بالتحولات الاقتصادية؟ وهل صارت الشركات تشارك في تحديد بعض الاحتياجات التعليمية والبحثية؟ وهل انتقلت الأبحاث من الرفوف إلى التطبيقات؟ وهل تحولت بعض المشكلات الوطنية إلى أولويات بحثية حقيقية؟ وهل أصبح القطاع الخاص مستعدًا للاستثمار في المعرفة الجامعية، لا مجرد طلب خدمات منها؟

هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من ثقافة الشراكات إلى اقتصاد الشراكات؛ أي من مجرد إقامة علاقات مؤسسية بين الجامعة والقطاع الخاص إلى بناء منظومة تنتج عنها قيمة حقيقية ومستدامة.